(2 تس 7 -11 ، لوقا 21 : 5-19)

يقدّم رسول الأمم الإناء المختار بولس ذاته وسائر الرّسل قدوةً حسنة في كلّ شيء، لا سيّما في العمل الجادّ
. وقد سمع الدّاعي أكثر من مرّة من أتباع الجماعات الحديثة انتقاداً يصوّر الكهنة عالة على النّاس، متطفّلين يأكلون مال اليتامى والأرامل“. تدلّ هذه التعميمات الجائرة ليس فقط على حقد عميق (هو مخالف للألف باء من المسيحيّة!) بل أيضاً عن جهل بتاريخ الكنيسة ، في العالم عامّة وفي كلّ الشّرق بشكل أكثر خصوصيّة. كما أنّ المؤمنين ليسوا مُجبرين (خصوصاً في أوضاعنا وبلادنا التّاعسة” !) أن يتبرّعوا لنا بالأموال (بخلاف الدعاة الأمريكيين المليونيريين الفقراء دوماً“!) فالحمد لله للكرسي الرسولي ولبطريركيّاتنا ومطرانيّاتنا – ولرهبناتنا – نحن لسنا بحاجة إلى أحد أو شيء! وإذا قدّم لنا أحد شيئاً طوعاً لا كرهاً، نحن على يقين بنعمة الله أنّنا نقدّم لسواه أي للمعوزين أربعة أضعاف، ناهيكم عن الخدمات الروحانيّة التي لا تُقدّر بثمن (عند الذين يفهمون ويقدّرون)، والتي لا نطلب مقابلها شيئاً إلاّ ما ندر للنفقات الرّسميّة.

ولا يريد المرء أن يفتح هنا باب الملامة في شأن الأفراح والأتراح في بعض رعايانا: حيث ينفق أهل العروس (والكلمة مذكّرة هنا) أو الفقيد (ولعلّ العروس أحياناً فقيد!) مئات الآلاف من الدّنانير أو ما يقابلها على الزّينة والورد (غير المطاعم) ويبخلون على الكنيسة بأبسط نفقات الكهرباء

ننتقل بسرعة البرق إلى نقد من رسول الأمم لقوم لا شغل لهم سوى أنّهم بكلّ شيء متشاغلون“. ولا يسعنا إلاّ أن نُعجَب بالناقل الماهر المتبحّر في لسان العرب والمميّز بين الشّغلوالتشاغل، وهو صدى لتلاعب بين اللفظتَين في الأصل اليونانيّ εργαζομενους, περιεργαζομενους. البشر المُشار إليهم موجودون في أيّامنا وبلادنا أيضاً، ويمكن وصف كلّ منهم – مع الاحترام – ب فاضي مشغولو الفاضي بيعمل قاضي“. من جهة أخرى نتألّم مع العاطلين عن العمل لا كسلاً، بل بسبب سوء الأحوال الاقتصاديّة من حصار أو احتلال أو فساد وما إلى ذلك. وفي هذا المضمار تسعى الكنيسة ولا سيّما الكاثوليكية منذ قرون إلى إعطاء النّاس فرص عمل، خصوصًا في مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها وسائر مؤسساتها من تربويّة وخيريّة. وقد كانت السّباقة في كلّ هذه الميادين الخيّرة النّيّرة.

خرَبان بيت” : تدمير البيوت

في حين يشكو الكثيرون من المواطنين وبينهم المسيحيين من حوادث الاغتيال والقتل والإبادات الجماعيّة، نشكو نحن في فلسطين من سلب أراضينا وخصوصًا الشمالية والغربية، وتدمير المئات من قرانا وتهجير مالا يقلّ عن 750000 فلسطيني أي ثلثي الشعبوبعد نكسة 1967 كثرت مصادرة الأراضي الفلسطينيّة في المناطق المحتلّة حديثًا، مع البناء غير المشروع للمستوطنات، بخلاف الشرعيّة الدوليّة، ومن التدمير المنهجي لمنازل الفلسطينيين. وتعمّد المرء هنا استخدام العبارة العامّيّة خرَبان بيتبالمعنى المعروف لأنّها تقبل لفظيّاً عبارة كنعانيّة عبريّة يستخدمها قوم موسى للإشارة إلى دمار الهيكل! فها أنهم بذريعة خربان بيتهميخربون بيوت الربوات من العرب العزّل ، وذلك منذ نحو سبعين عاماً.

وكان السّيّد له المجد قد تنبّأ بدمار الهيكل السّليمانيّ الزوروبابليّ . ولا نصدّقنّ زعم بعض المفكّرينأنّ تلك النصوص في الأناجيل الإزائية، أي نبوات تدمير الهيكل حسب متّى ومرقس ولوقا زيدت لاحقاً بعد سنة 70 م. فالنبوّة الرّبانيّة ما زالت تتحقّق حتّى في أيّامنا، وما زال الهيكل أنقاضاً حتّى بعد نحو خمسين عاماَ على السّيطرة العسكريّة العبريّة على القدس الشّرقيّة العربيّة الفلسطينيّة المسيحيّة الإسلاميّة.

ويلفت النّظر أنّ نبوّات السيّد المسيح عن دمار مدن بحيرة طبريّا (منها كفرناحوم وكورازين وبيت صيدا) سارية حتى أيّامنا، مع كلّ البنيان الاستيطانيّ.. (الذي تمدحه كتابات نفر كثير من أتباع الحركات الحديثة) التي رأت وما تزال بالكيان اليهودي الحديث تتميمًا للنبوات. مُمكن هنا مراجعة كتاب ثقتي في التوراة والإنجيلالفصل الأخير خصوصًا (ص 131). ويجد المرء  المضمون نفسه حرفيًا تحت عنوان آخر هو كتاب وقرار، وفي طبعة لاحقة حُذف منه الفصل الأخير بعد أن ظهرت للملأ نزعته العبريّة. وما زال الآلاف من أتباع تلك الحركات الحديثة وسواهم يتبرّعون بمئات الآلاف من الدولارات ومقابلها من العملات في سبيل إعادة بناء الهيكل، ولعلّهم في ذلك أكثر يهوديّة من اليهود المتشدّدين الذين يخافون أن يفعلوا لاعتقادهم أنّ الماشياح (المسيح) المنتظر هو صاحب الحقّ وحده في إعادة تعمير الهيكل.

عبرة روحانيّة

هيكل الله الذي لا يستطيع أحد إلى تدميره سبيلاً هو أجسادنا ونفوسنا المكرّسة لله بالمعمودية والميرون والقربان الأقدس. فلنقدّسنّ الله ونمجّده في أجسادنا (عن 1 قور 6 : 11 ثمّ 20) !

بقلم الأب بيتر مدروس

 

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X