( أشعيا ٩: ١٤، قورنثوس الأولى ١: ١٠١٧، متّى ٤: ١٢٢٣)

يؤكّد لنا البشير متّى أن نبوّة اشعيا تحققت في المسيح: “إنّ الزّمان الأوّل أزرى (أي أذلّ) أرض زبولون أرض نفتاليإذ كانا أوّل سبطين أي عشيرتين أخضعهما جيش الأشوري تغلث فلاسر الثالث سنة ٧٣٣ ق.م. وكانت أرض زبولون في الجليل غربي بحيرة طبريّا. وفيها جبل طابور الذي سيمجّده يسوع بتجلّيه السيّدي عليه. وكانت أرض نفتالي تمتدّ من بحر الجليل إلى وادي الليطاني والأردنّ .ويتابع أشعيا: “وأمّا (الزّمن) الأخير (أي عهد المسيح المنتظر) فقد أكرم طريق البحر، عبر الأردنّ، جليل الأمم“. ومهما اعترض بعض علماء الكتاب المقدس“- بخلاف إنجيل متّىأنّ النّصّ يشير إلى إعادة اعتباردنيوي أو معنويّ للسبطين المذكورين، فلا يبدو أنّ شخصيّة مثل يسوع أولت المقاطعتين شأنًا.

وكفرناحوم وبحيرة طبريّا في قلب رسالة المسيح إلى حدّ أننا نستطيع أن نسمّي بحر الجليل بحيرة يسوع“. أمّا كفرناحوم، على طريق البحرالرومانية، حيث اصطاد يسوع أوّل صيّادي بشر، فكانت القيادةعند المسيح في بيت بطرس، على مفترق الطرق بين العبرانيين والوثنيين. وتمّت بكرازة يسوع هداية جليل الأممأي دائرة الوثنيين، أولئك المساخيط الأنجاس المختلَطين عِرقًا الملاعين قَدرًا” (ناهيكم عن الشعب الغبيّ القابع في شكيم“!) بحيث أمسى اليهوديالمختلط بنسل الأشوريين في شمال أرض كنعان شبه نجس وربع يهودي! وفعلاً، ورث جليليّو ذلك الزمان، على ما يبدو، من لسان الوثنيين الأعجميّ (اي الأعوج)، عجزًا عن نطق بعض الأحرف العبرية والآرامية منها الحاء والخاء والعين. ويورد التلمود ساخرًا: “سأل جليليّ ذات يوم يهوذيّا (أي من سبط يهوذا، في الجنوب): “أعندك أمر؟أجيب عليه: أيها الجليليّ الأبله، أتقصد حمرأي حمارا لتركبه؟ أو خمرأي خمرة لتشربها؟ أو عمر أي صوفًا لتلبسه؟ أم إيمار أي حَمَلاً لتذبحه؟” (شتراكبيلربيك، تفسير للعهد الجديد من التلمود والميدراش، ص 157).

جلب يسوع الكرامة لتلك المناطق المنبوذة المحتقرة التي قيل فيها: “لا يخرج من الجليل نبيّوأيضًا: “أيخرج شيء صالح من الناصرة؟

أمّا شبه أمّيّة معظم الرسل الاثني عشر (مع معرفتهم نوعًا ما لليونانية بسبب ضرورة التواصل مع الأجانب)، فقد أدهشت لاحقًامع شجاعتهم وبلاغتهمأعضاء المحفل العبريّ الذين كتب فيهم سِفر أعمال الرسل ٤: ١٣: “لمّا رأوا جرأة بطرس (أول صيادينا) ويوحنا، وقد أدركوا أنهما أمّيّان من عامّة النّاس أخذهم العجب، وكانوا يعرفونهما من صحابة يسوع” (وجليليان أيضًا). وإذا جئنا إلى رسول الأمم الإناء المختار، فقد كان بشكل استثنائي وبخلاف معظم الرسل الآخرين متعلّمًا مثقّفًا (يسري عليه القول البيتجاليّ طايح مدارس“!) ولكنه يقلل من قدر ذاته (أو يتحدى خصومه) بقوله: “وإنّي وإن كنتُ جاهلاً في البلاغة (مع أنه من كلاسيكيي الهيلينيةأي الحضارة اليونانية الدولية)، فما أنا كذلك في المعرفة!” ( ٢ قورنثوس ١١: ٦).

خلافات بين المؤمنين الأولين في قورنثس (١ قور ١: ١٠١٧)

يفهم المرء صعوبة القراءة للكلمتين حشم خُلُوَةفي الترجمةاليسوعية التي تُستَخدم في الطقس اللاتيني (ما خلا المزامير التي يشرّفنا أنها النقل المقدسي). وخُلوةليس اسم جنس كقولك اختلاءبل اسم علم لسيدة فاضلة Χλόη”خلوويولو نقلها الناقلون بهذا الشكل لكان أفضل وأوضح. والترجمة الحرفية هي وصل إلينا من جماعة خلوويأي ربما أهل بيتها أو خدمها وحشمها. المصدر موثوق به، لذا يستشهد به رسول الأمم بلا تردد. فما الموضوع شائعاتولا نقل كلام“.

الخلافات بين المسيحيين ظلمة بدل النور . أنها حجر عثرة أمام إيمان غير المسيحيين بيسوع، ومخالفة لصلاته الإنسانية التي هي بشكل غير مباشر وصيته السيدية: “ليكونوا بأجمعهم واحدًا، كي يؤمن العالم أنك أرسلتني!”

في هذه القراءة درس لنا، نحن الإكليروس والشعب، ألاّ نتحزّب لأي رجُل دينفنقول أنا لفلان وأنا لفلان، إذ ما بولس وما أبولوس؟ إنّما هما خادمان بهما اهتديتم إلى الإيمان!” (١ قور ٣: ٦).

إتبعاني أجعلكما صيّادَي بشر” (متّى ٤ : ١٢٢٣)

الرب يسوع صيّاد صيّادي البشر بجاذبيّته الفريدة التي من ميزاتها الإلهية أنها جعلت يهوديا جابي ضرائب – هو متّىلاوييترك الأمول ليلحق بالناصري. وهذا برهان على ألوهية المسيح! لاحقًا سيعلن يسوع أن الصليب مغناطيسه أو أن كونه مصلوبًا سيجذب إليه الكل (يوحنا ١٢: ٣٢). وبيّن مار بولس بواقعية نفور اليهود والوثنيين من الصليب ولكن المصلوب قوة الله وحكمة الله“. وفعلاً تبعت يسوع ملايين من الناس لا رغبة في نعيم جسدي ولا خوفًا من جحيم معنويّ وحسّيّ. وما انتشر بالسيف إنجيل الناصريّ ولا حارب لا هو ولا رسله، ولا غزا ولا سبى. أمّا اعتراض بعض القوم على الحروب الصليبيةفلا علاقة لها لا بالمسيح ولا بالرسل وأتت بعدهم بأحد عشر قرنًا من الزمان.

واليوم تهرب من شباك رسل المسيح نفوس عديدة لرفضها الصليب (مع أنه من أعظم وقائع الحياة والموت شأنا). وتتنصل من أخلاقيات الإنجيل المقدس. وأحيانا تهرب نفوس أي أسماك بسبب فظاظة بعض الصيادين – مع الاحترام للكهنوت وعدم صبرهم وإهمالهم للسمك وانشغالهم بأنفسهم.

وأحيانًا تقع أسماك أخرى في شباك صيادين آخرين هم من الإخوة الكذبةأي المبشّرين” (وهم بالأحرى مبخّرون للإيمان القويم!) التابعين لبدع أمريكية وأوروبية نشأ أصلها في القرن السادس عشر. ومن عوامل اصطيادها للنفوس هي المياه العكرةأي التشنيع في الكنيسة (كما أعلن مارتن لوثر نفسه) وإلاّ فلا سبيل إلى تبرير وجودها، وإخفاء تاريخها الحقيقي الحديث المحدث ومهاجمة العقيدة والتقليد والممارسات في الكنيسة على أنها مخالفة للكتاب المقدس“. بعبارة واحدة: بالكذب يجذبون نفوسًا، وإبليس أبو الكذب“.

أمّا الشقيقان سمعان وأندرواس ابنا يونا فقد خلف أولهما بابا رومة ويقول التقليد أن مار اندراوس استشهد في اليونان، بحيث يُعتقَد أن بطريرك القسطنطينية خليفته. ويا ليتنا نشهد تقاربًا أكثر بين روما والقسطنطينية في كل الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية الأربع عشرة وليس فقط مع بطريركية اسطنبول“.

خاتمة

ومع الطقس البيزنطي نرتّل: “مبارك أنت أيها المسيح إلهنا، يا من أقام الصيادين جزيلي الحكمة إذ أفضت عليهم روح القدس وبهم المسكونة قد اقتنصت، يا محب البشر، المجد لك!”

بقلم الأب بيتر مدروس


image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X