(اشعيا 35: 1-10، متّى 11: 2- 11)

نحن في واد وأولاد عمّنا اليهود في واد حول المسيح“(أشعيا 11: 3 وتابع، ثم 35: 1-10)

حكمت اليوم (7 كانون الأول ديسمبر 2016) محكمة يهودية على الشّاب “بينتو” بالسّجن لأنه “طعن أحد العمّال العرب استعجالاً منه – حسب اعتقاده- لمجيء الماشياح“! أمّا محاميه فقد دافع عنه مدّعيًا أنه “مختل عقليًّا”. أين أنت يا أشعيا النّبيّ ونبوّاتك التي نطالعها هذه الفترة وبالذات كل أحد عن المسيح المنتظر الذي سيكون عهده عهد سلام كامل، حتى في عالم الحيوان؟ وإذا قابل المرء قراءة اليوم بين الفكر اليهودي السّويّ (الذي تتبنّاه المسيحيّة) والفكر التّلموديّ، وجدنا في ذلك التقليد أو التواتر الربابيني الحاخامي، ولا سيما عند “رابي لاوي”، أنّ “كل المرضى سيُشفَون في عهد الماشياح، إلاّ الأفاعي والجبعونيين”! الأفاعي، فهمنا، وهنّ أساس البلاء مع أمّنا حوّاء! ولكن كما يقول المصريون “ايشمعنى” لماذا الجبعونيون، وهم من الكنعانيين القريبين من يبوس أي المدينة المقدسة ولعلّ مدينتهم هي “الجيب” اليوم في فلسطين على بعد سبع كيلومترات من زهرة المدائن؟ لهم قصة طويلة عريضة في التوراة مع اليهود، بين مدّ وجزر، وعداوة وتحالف. ولكن في عُرف الحاخامات هم من “المساخيط” الجوييم.

أمّا مؤسسة “شهود يهوه” اليهودية فعلاً، الأمريكية قالبًا، التّجاريّة هدفًا، فما فوّتت الفرصة في تسمياتها لأجهزتها – وكّلها بلا استثناء عبري من العهد القديم- لتصف بـ”الجبعونيين” الأعضاء المساعدين ذوي  الذكاء المتواضع والعلم القليل والكفايات المحدودة، أسوة بالجبعونيين الذين أمسوا للعبرانيين- أحباء “شهود يهوه” – “عبيدًا وجامعي حطب”. ومن باب الصّدفة أنّ زوجة “أبي لهب” في النص القرآني “حمّالة الحطب”. وربّما كان هنالك تلميح إلى وضع اجتماعيّ دونيّ، بالإضافة إلى اللؤم وسوء الأخلاق.

أرسل المعمدان يسأل: “أأنتَ الآتي أم ننتظر آخر؟

حتّى بين آباء الكنيسة، تضاربت الآراء حول هدف يوحنا بن زكريا من إرساله لنفر من تلاميذه للاستفسار من يسوع إن كان هو – اي ابن مريم العذراء- هو المسيح المنتظر. ولكننا نحن الشّرقيين، واستنادًا إلى ما يقدمه لنا الإنجيل الطاهر، لا نتردد في شأن نية المعمدان ولا موقفه: مع الاحترام له، “كديك فصيح من البيضة يصيح”، اعترف وهو جنين في رحم والدته أليصابات بمشيحانية يسوع وأعلنت أمه المسيح “ربًا” لها وسيّدًا. وعندما رأى يوحنا يسوع، رسميا للمرة الأولى، صرخ بلا تردد: “هوذا حمل الله الرافع خطيئة العالم”. فلا مجال عنده للشّكّ وسيمدحه يسوع بشكل غير مباشر أنه اي المعمدان ما شكّ في يسوع يومًا.

هذا هو التفسير الشرقيّ السّاميّ الشّعبيّ: يوحنا قابع في سجن “إمكاور” شرقي الأردن حيث ألقاه هيرودس أنتيباس “من تحت رأس” زوجة أخيه فيليبوس التي كان هيرودس قد تزوجها “على حياة عين” شقيقه المسكين! ويوحنا لا يعرف أن يسكت، وهذا ديدنه وهو في بطن أمّه! ولا  كبير عنده إلاّ الله! المعمدان معرّض للإعدام في كل لحظة. يريد أن يسمع تلاميذه من يسوع شخصيًّا أنه هو المسيح ابن البتول مريم ابن داود. يريدهم أن يروا بأعينهم معجزات المسيح. فالسؤال باسمه لهم هم، وكأنه يطبّق المثل العامّيّ “أتكلم مع الجارة – لتسمع الكنّة”: أسأل يسوع ليستمع تلاميذي إلى ردّه، بالقول والفعل.

طوبى لمن لا يتعثّر بي

هذه التّهنئة الشّاملة تشجيع لنا، نحن المسيحيين أتباع الناصري! صحيح أنّنا بلا شكّ نهتف مثل بطرس ومعه: “أنت المسيح ابن الله الحيّ” اي كلمة الله. ولكن أحيانًا، بشعور أو بلا شعور، نبحث عن “آخر” “لعلّ وعسى”، فيجرّب نفر من الأعاجم بوذا أو كنفوشيوس أو غاندي أو لينين (ولا شبه بين هؤلاء سوى أنهم ليسوا يسوع!) ولكن مهما حصل لفّ عندنا ودوران، وجدنا سموّ يسوع الفريد وتفوقه الوحيد، في الأقوال والأفعال، بشهادة التاريخ المعاصر له، “والفضل ما شهدت به الأعداء” والاستحقاق والرفعة ما أورده  المستهترون – مثل المؤرخين الرومان- والمبغضون – مثل التلموديين – والمعجبون الوثنيون المحايدون أمثال مارا بار سيرابيون والمستهزئون الساخرون أمثال بيترونيوس الروماني.

ماذا يعثّرنا في يسوع؟

تُقسم “العثرات” التي قد تصدمنا وتوقعنا إلى صعوبات عقائدية وأخلاقية.

1-   العثرات العقائدية: ورثنا من حيث لا ندري العثرات اليهودية حول المسيح. أعتراضاتنا الشعورية واللاشعورية على “لاهوت المسيح” يهودية الأصل حاخامية المنبت بما أنها تتجاهل أو تتناسى أو تجهل نبوات اشعيا ( 9 و 11) أنّ “الطفل الذي وُلد لنا يُدعى إلهًا جبارًا أبا الأبدوأنّ مخارج الطفل الذي ستلده الوالدة في بيت لحم إفراثا منذ أيام الأزل” (ميخا 5: 1 وتابع).. وعندما نستصعب “الثالوث الأقدس” ننسى أو نتناسى ذِكره منذ بداية سِفر التكوين “واقرأ المكتوب من عنوانه” – حول “الله وكلمته وروحه” (تكوين 1: 1-3). وقد تعوّدنا نحن المسيحيين الطعن بالإنجيل – حاشى وكلا- وبعقيدتنا- وإعلاء الآخرين إلى عنان السماء ونحن نجهل – أو نتجاهل- أنّ التلمود يكاد يؤمن أو يعطي الانطباع أنه يقبل معبودة أنثى هي “المترونيت” وكأنه أحسّ بنقص الأنوثة من المنظومة الإلهيّة!

وبما أنّ للسيد المسيح خصومًا حتى في أيامنا، لا ينامون ولا يدعون الناس تنام، فقد تفنن “علماء” وأدباء  في التشكيك بيسوع. هذا “دان براون” في “شيفرة دا فينتشي” يستند إلى مصادر ملوّثة هي “الأناجيل الغنوصيّة” ليؤكد بلا رمشة عين أنّ يسوع كان زوج المجدلية. وسبق أن بيّنّا خطأ الفكرة – لئلا نقول “سخافتها”- لأنّ أيّ علم بدائي بتلك الحركات يثبت بشكل لا يقبل الشك احتقارها لجسم الإنسان وادّعاءها أنه ليس من خلق الله وأنه شرّ بحيث يتضاعف هذا الشر في الزواج وينتشر بالإنجاب. وفعلاً، عزف اولئك القوم عن الزواج حتى انقرضوا.

وها هو اليوم – منذ سنة 2008- دافيد الكينغتون- يعلن انّ نحو سبعين كتّيبًا من معدن تم اكتشافها في الأردنّ تخبرنا عن أمور “مثيرة” عن يسوع وهي له معاصرة: وهو أنه كان عضوًا في بدعة يهودية ترقى إلى عهد الملك داود كانت تهدف إلى إعادة العبادة في الهيكل السليمانيّ وتعبد إلهًا هو ذكَر وأنثى كان العباد يعتقدون رؤيته في المعبد.

بسرعة وإيجاز: لا يعرف التاريخ اليهوديّ هذه البدعة. وما ورد قَطّ في التوراة وكتب الأنبياء وكتابات الحكماء أي العهد القديم أيّ تلميح إلى معبودة أنثى. أسوأ احتمال هو ما أشرنا إليه آنفًا وهو التسرب الروماني الوثني إلى “التلمود” والكتابة عن “مترونيت” أي “أمّ سامية” إمّا معبودة أو مجرّد وجه أنثوي لله (إذا جاز التعبير). أمّا رؤية المؤمنين لله فهذا ما يناقضه نص العهد القديم الذي كان يخشى هذه الرؤية ويراها خطرًا على الحياة بحيث ان كليم الله موسى نفسه كان يجب أن يغطي وجهه (وعينيه اللتين رأتا الرب) لئلا يعمي ذلك المجد أبصار قومه (عن قورنثوس الثانية 3: 13 وتابع). ويلحظ مار بولس الإناء المختار رسول الأمم أنّ ذلك القناع أو البرقع “ما زال على عيونهم” وقد “أعمى إله هذا الدهر أي الشيطان بصائرهم لئلا يروا إنارة إنجيل مجد المسيح” ( 2 قور 4: 4). ويصل هذا البرقع إلى “بروكلين” نيويورك مقر “شهود يهوه” فيحرّفون الآية المذكورة  كما يحرّفون كل الآيات الأخرى عن مجد المسيح والسجود له، بدل :”لئلا يروا إنارة إنجيل مجد المسيح” – ينقلون بغير أمانة “المجد” من “المسيح” إلى “الإنجيل”: “لئلا يروا إنارة الإنجيل المجيد عن المسيح”. وحتّى الإنجيللا يعود إنجيل المسيحبل خبرًا سارًّا عنه“.

2-   العثرات الأخلاقيّة

تعثّرنا أحيانًا وصايا يسوع وتعليماته وتطويباته، إذ “لا توفّي معنا” ولا تشفي غليلنا اي غليل غرائزنا وميولنا السلبية في الأنانية والهجومية والطمع والعدوانية والشهوانية. فنستصعب شريعة الزوجة الواحدة (مع أنّ فيها محاسن الحماة الواحدة!) وشريعة اللطف وعدم الردّ على الإساءة بالمثل بأن ندير الخدّ الأيسر، وشريعة المحبة للأعداء الذين يصيبنا وجع المعدة لمجرد رؤيتهم! وعثرة الصليب التي تعثّر بها اليهود الذين يطلبون الآيات واليونانيون الساعون وراء الحكمة في الفلسفة! وسرعان ما نكتشف، بأدنى قدر من الخبرة في الحياة والنظر إلى الألم والموت، أنّ الصليب اي العذاب والتضحية من أعمق عناصر الحياة وأكثرها دخولاً إلى سر الوجود إذ لا معنى لحياتنا من غير الموت، ولا معنى للموت من غير القيامة، بداية بقيامة يسوع.

خاتمة

طوبى لنا يا يسوع إن لم نعد نشكّ فيك ونتعثّر بتعاليمك وتوصياتك! وهل هو سرّ أو مغالاة أن نقول بملء افواهنا: أنت السلام، حتى لشرقنا الأوسط اليوم؟ وأنت السعادة لإنسان اليوم المعذّب الذي يملك كل شيء مادّيًا ولكنه إليك فقير؟ أليس صليبك التفسير لكلّ عذاباتنا، وقيامتك السلوى في موتنا؟ أليست شريعتك أنت الوديع متواضع القلب دفنًا للشرّ ووأدًا للضغينة وإفناءً للعنف؟ ومثل مار بطرس، البابا الأول، نهتف، شاء من شاء وأبى من ابى: “يا رب، إلى من نذهب وعندك وحدك كلام الحياة الأبدية؟!”

بقلم الأب بيتر مدروس

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X