(أشعيا ٤٩: ٣- ٦، ١ قور ١: ١- ٣، يوحنا ١: ٢٩- ٣٤)

في أجواء الميلاد والغطاس

يحلو لنا في الأرض المقدسة وسائر المشرق أن نطيل الاحتفالات الميلادية فلا نترك بسهولة يسوع الطفل والعذراء في المغارة والقديس يوسف. ومن حسن حظوتنا أنّ عيد الميلاد لا ينتهي في يوم واحد أي الخامس والعشرين من ديسمبر كانون الأول بل يعود في السابع من يناير كانون الثاني وفي عيد الظهور الإلهيّ أو الدّنح” (٦ يناير) حسب التقويم اليولياني (وهو غربي قديم لا شرقيّ“) يلتقي الميلاد بالغطاس مع إخوتنا الأرمن الأرثوذكس.

وفي فلسطين، بالذات في قانا الجليلية، في مزار المعجزة الأولى، يحتفي المؤمنون من الكنيسة اللاتينية بظهور مجد الرب في العرس، في استمرارية روحانية لاحتفالات ظهور الرب للمجوس ثم ليوحنا المعمدان وأخيرًا في قانا.

إلى قراءات هذا الأحد: “خلاص الرب إلى أقاصي الأرض” (أشعيا ٤٩: ٣- ٦)

يرى الله أنه قليل على (الشعب العبري) أن يكون لله عبدًا ليقيم أسباط يعقوب ويردّ المحفوظينمن تلك الأّمّة“. ويعلن الله: “لقد جعلتك نورًا للأمم (بالعبرية هاجوييموبشكل عاديّ هؤلاء هم المساخيط” “المغضوب عليهمالضّالّون بعبادة الأوثان الأنجاس بمنكراتهم) لتكون خلاصي إلى أقاصي الأرض“. ومؤثر ترتيلنا في صلاة الفرض، وخصوصًا في كنيسة المهد :”أعلن الله خلاصه، لعيون الأمم كشف برّه، رأت أقاصي الأرض خلاص إلهنا“.

يشدد القسم الثاني من نبوّة أشعيا على أنّ الخالق هو المخلّص، عليه يشمل خلاصه كل البشرية خليقته وليس فقط شعبًا واحدًا مميّزًا مدلّعًا. ومن مقدّمة إنجيل يوحنا الرسول الحبيب، نفهم أنّ الكلمة الذي به كان كل شيءاي الكلمة الخالقة تتجسد لتخلّص البشر.

أمّا اللفظة العبريّة خلاصفهي يشوعاهومخلّصنا اسمه على جسمه يشوعاختصار يهوشواعأي يهوه الرب يخلّص“.

نص أشعيا ٤٩ وكذلك أشعيا ٢ من النصوص، مع سِفر يونان بأكمله، أنّ الله يريد أن يخلص جميع الناسبلا استثناء ولا تمييز. ولكن هذه الفكرة السامية والواقع الإلهي لا يروقان لنفر من العبرانيين كثير كان يودّ إلهًا مفصَّلاً إقليميًّا وطنيًّا عنصريًّا محتَكَرًا مخصّصَا لابنه الوحيد المدللوانطلاقًا من هذا الإله المحابي لأمّة وصل معشر العبرانيين إلى فكر مشابه عن الماشياحفأحبّوا أن يتصوّروه منقذًا وطنيًّا محدودًا يرفع شعبًا ويذل الشعوب ويعلي رأس أمّة يسحق تحت قدميها الأقوام. وحتى اليوم نعاني من هذا الاستعلاء ومن هذه النظرة الفوقية لقوم العهد القديم إلى الأمم” “وهيئة الأممومجلس الأمنوكأن العالم كلّه سواهم من ذبابأي جماعة بعل زبوب“. فيستهين العبرانيون بمؤتمر باريس (الذي سيعقد يوم غد الأحد) ويستهترون بمجلس الأمن ويتطاولون على العم سامالأمريكي عرّابهم ووليّنعمتهم“.

ولكن الخير لا يزول. ومن بين سفرائهم النزهاء والشرفاء والأتقياء والحقانيونوأحدهم في جنوب أفريقيا ينتقد بصراحة وصرامة تعنّت حكومته ورفضانيّتها وتدميرهالها وللآخرين.

أمّا نحن المسيحيين، فقد أنعم الرب علينا أن ندرك منذ البدءأنّ الفادي هو المنقذ لجميع الناس وللخطأة الذين نحن من أوائلهم. ومع البابا الأوّل بطرس أدركنا الدرس والأمثولةكما يقول اللبنانيون أن الله لا يفضّل أحدًا على أحد، فأي امرىء من أية أمّة كان، اتقى الله وصنع البِر، رضي تعالى عنه“(عن أعمال ١٠: ٣٤- ٣٥).

المسيحيّون مقدَسون مدعوون إلى القداسة” ( ١ قور ١ : ١٣ 3)

إلى كنيسة الله التي في قورنثوس“: من المبكي المضحك استشهاد بهذه الآية من دعاة فئات أمريكية (من ثلاثة اتجاهات مختلفة هي معمدانية وخمسينية وسبتيّة، وكلها أمريكي الصنع) تسمّي نفسها كنيسة الله” “Church of God”. ولقد قدمت إحداها إلى فلسطين سنة ١٩٤٦ وكانت قد تأسست في القرن التاسع عشر. يؤكّدون أن فئاتهم المدعوّة كنيسة الله” (غير جماعة الله“) هي المقصودة! هذا دليل على استخفاف تلك البدع بعقول الناس ولكن أيضًا دليل مع الأسف على الجهل الديني عند شعبنا أو الإهمال والاستهتار أو التقصير أحيانًا عندنا نحن الإكليروس في التوعية والتعليم والوقاية والتفنيد.

ورُبّ سائل يسأل: “كيف يكون أهل قورنثوس وبالتالي كل المسيحيين في نفس الوقت قدّيسين ومدعوّين إلى القداسة“. الردّ: “إلى المقدّسينفي صيغة اسم المفعول أي إلى الذين قدّسهم الله بدم المسيح وعن طريق المعمودية والميرون والاعتراف والقربان الأقدس والزواج ومسحة المرضى. ولا يكفي أن الله قدّسهم بل يجب أن يقدّسوا أنفسهم بالإيمان والأعمال الصالحة.

مع جميع الذين يدعون في كل مكان باسم ربّنا يسوع المسيح“. الأصل اليوناني واضح: “يدعون اسمأي يرفعون صلاتهم إلى الرب يسوع. ولكن تسرّبتإلى الناقلين إلى العربية العبارة العبرية الموجودة في يوئيل ٣ : ٥ (حسب النص العبري) :”كل من يدعو باسم الرب يخلص“. والواقع أن العربيّة تقول دعا فلان اسم الرب، لأن هذا هو المعنى للفعل العبري مع حرف الباء: “قرا ب…” ويفهم الأخ برونو وعدد من الباحثين بهذا المعنى التعبير القرآنيّ اقرأ باسم ربّكأي أدع اسم ربّك“.

صرخ يوحنا المعمدان: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم!”

لا داعي لأن نتعب أنفسنا في التدقيق في مفهوم الحَمَل وما دار في عقل المعمدان عندما صاح هكذا. بالوحي نرى أن يسوع حمَل الذبائح وأنّ دمه ينجي من الملَك المهلك وهو حملُنا الفصحيّ” (١ قور ٥ : ٧- ٨) العابر من الموت إلى الحياة.

دائمّا نتأمّل في أن يسوع هو البريء الذي خلّص الخاطئين المذنبين. ونكتفي بالميدان الروحاني الأخلاقي الذي هو واسع جدَّا. ولكن لنوسعنّ الآفاق أكثر وأكثر لنستنتج بنزاهة أنّ الإيمان بالمسيح والامتثال نوعًا ما لوصايا الإنجيل وتعليمات الكنيسة فعلاً وعلى المستوى العالميّ أزالا شرورًا وخطايا وجرائم مستفحلة في الشعوب ووحشية وشراسة ومنكرات شنيعة فظيعة رفعهاالمصلوب القائم إلى غير رجعة.

أزال يسوع العبودية هو الذي أخذ صورة العبدوصُلب مثل شر العبيد. أزال يسوع عقوبة الإعدام وهو الذي أعدم بلا شفقة على الجلجلثة في زمن بونطيوس بيلاطوس“. ضرب يسوع الشهوانية الرجولية الذكوريةالتي كان التلمود يتغاضى عنهاضربة قاضية وتعممت بدم المسيح على الأمم المتحضرة شريعة الزوجة الواحدة“. فرض يسوع الناصري المحبة للأطفال مبيّنًا قيمتهم الملائكية. وهكذا على مستوى عالمي وفي خارطة الحقوق الشاملة للإنسانأتى نصر يسوع وغلبة الإنجيل إذ أن كل القيم التي ينادي بها أهل حقوق الإنساننابعة مباشرة عن يسوع وعن الإنجيل من حرية ومساواة وأخوّةوعدم تمييز على أساس الدين والجنس (بخلاف التشريعات العنصرية الربابينية). وقد قال الوجودي الملحد جان بول سارتر في نطاق حديثه عن الحضارة الغربية ولا سيّما في أوروبا: “كل شيء مسيحيّ!” « Tout est chrétien ! ». وعبثًا حاولت – أو ستحاولحكومة اشتراكيةمعادية للمسيحية متذرّعة بضرورة العيش معًامع المسلمين أن تزيل اسم سانت” “قديس، قديسةمن خمسة آلاف مدينة وقرية في فرنسا. فنخاع الحضارة الغربية مسيحي والمسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. شاء من شاء وأبى من أبى!

ولا ضرر من تكرار ما كُتب في عظات أو مقالات سابقة عن شعوب شمال غرب أوروبا بشكل خصوصي: كيف كانت قبل اعتناقها المسيح وكيف صارت.

خاتمة

أيها المسيح الذي دعانا لنتقدس بعد أن قُدّسنا، وأن ندعو إليك بعد أن دُعينا، ارفع عنّا خطايانا لا كأنك تسترها بمعطف يخفيها من غير أن يزيلها أو يغسلها، بل بإبعادها عنّا بُعد المشرق عن المغربوبتحويل قرمزها إلى بياض الثلج“. ولن تغضب يا رب، الفادي الأوحد، عندما نستعين بوالدتك الطهور أمّنا لا لكي تنقذنا هي بل للتشفع فينا – كما فعلت في عرس قانا الجليليةراجية معنا ولنا أن تخلّصنا أنت: “بشفاعة والدة الإله، يا مخلّص خلّصنا، إلى أقاصي الأرض“! آمين!

بقلم الأب بيتر مدروس

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X