(أشعيا 11: 1-10،  رومة 15: 4-9،  متّى 3: 1- 12)

يخرج غصن من جذر يسّى (والد داود الملك)، وينمو فرع من أصولهأصل يسّى القائم راية للشّعوب: إيّاه ترجو الأمم” (أشعيا 11: 1). معنى هذه الكلمات الملهمة الموحى بها واضح كنبوّة عن سلالة المسيح الملك المنتظر، من سبط يهوذا، فرع يسّى، قبيلة إفراثا“. وتحققت النبوة في يسوع ابن مريم بنت داودوإن كان المسيح شرعًا من سلالة داود عن طريق أبيه بالتبني القديس يوسف. هنالك من يكتفي بهذه القرابةأو المقاربة الشّرعيّة الرسميّة الاجتماعيّة عن طريق القديس يوسف. ويمكن الانطلاق من الزيجات داخل العشيرة الواحدة كي نستنتج أن القديس يوسف خطب له خطيبة من عشيرته سبط يهوذا آل داود. ولكنّ فحصًا دقيقًا نزيهًا  لما ورد في الرسالة إلى الرومانيين يقودنا إلى نتيجة جليّة عبّر عنها رسول الأمم بصريح الألفاظ وبمفردات فيزيولوجية جسدية لا لُبس فيها: 1 : 3 : “في شأن ابن الله (أي كلمته) الّذي وُلد من نسل (حرفيًّا زرع” εκ σπέρματος ) داود بحسب اللّحم” (κατά σάρκα “) أي حسب الطبيعة لا الشّريعة. ويكرر القديس بولس الفكرة نفسها في رومية 9 : 5 عن الآباءإبراهيم وإسحاق ويعقوب ونسلهم: “ومنهم المسيح بحسب اللحمالذي هو فوق الكل إله ممجّد أبد الدّهور“. وبما أنّ لمار بولس، خصوصا في الرسالتين إلى الرومانيين والغلاطيين، باعًا طويلاً في التبنّيلما تردد أن يبدأ بحالة يسوع ابن داود بالتبني عن طريق القديس يوسف“. ولكن نلحظ عدم إيراده لذِكر مار يوسف إطلاقًا (غلاطية 4: 4): “لمّا تمّ الزّمان أرسل الله ابنه (أي كلمته) مولودًا من امرأة (خلاف رجُلولا تعني الكلمة عدم البتوليّة) مولودًا في حُكم الشّريعة (أي بوجود خطّيب لها) …فنحظى بالتّبنّي“.

ورُبّ قائل يقول:”ما لنا وهذا الجدال العقيم بين المختصّين وقد سمعنا – خصوصًا من علماء غربيينأنّ يسوع ابن داود فقط رسمياً وشرعاً عن طريق مار يوسف ابنِ داود بحيث يكون أصله الملكيملصوقًا به بالمعنى الواسع لا الحصريّ. والجواب: إذا كان الأمر كذلك، فما كان هنالك أي داعٍ لاستخدام القديس بولس عبارات فيزيولوجيّة عمليّة مادّيّة حقيقيّة لا مجازيّة منها زرع أي نسل داودوحسب اللحم“. ولاهوتيًّا لا شيء يُعجز اللهالذي جعل كلمته يتجسد من عذراء أن يختارها من سلالة داود.  

يسوع خادم الختانومخلّص الكلّ (رومية 15: 4-9)

يقصد رسول الأمم أنّ يسوع أتمّ النّبوات وكلّ صلاحبصفته المسيح المنتظر وكمال الشريعة في المحبة التي هي جوهر الله. ولكنّ يدًا واحدة لا تصفّق. فللشعب العبري طلبات وامتيازات وتسهيلات رفض التخلّي عنها، بداية بمفهومه الأناني الفوقي أنه وحده شعب الله المختار بما يتبع هذا الخيار من سيطرة ثيوقراطية على البشر المساخيطالوثنيين الأنجاس، ومال وذكوريّة تستبيح نساء الآخرين وتستهر بنساء العبرانيين ومكيافيليّة تستخدم المال والحريم والتهديد والوعيد والوعد والكذب عن طريق نساء فاتنات مثيلات يهوديت وإستير، وبنفوذ يتشدق به قوم موسى إلى أيامنا. أمّا وصية يسوع بمحبة الأعداء والمودة للوثنيين فوقعت في آذان صمّاء وقلوب حجرية مغلقة نجدها اليوم أيضًا.

يا أولاد الأفاعي!” (متّى 3: 1-12)

أيّ واعظ يقدر أن يخاطب البشر هكذا اليوم؟ لحسن الحظّ أنّ المعمدان يكنّي بذلك فقط عددًا من الفرّيسيّين والصّدوقيّينالمعادي بعضهم للآخر ولكن بينهم على ما يبدو، في هذا المشهد، قاسم مشترك من الرياء والرغبة في تبييض الوجوهأمام الجماهير.

أمّا حرّية التفكير عند المعمدان والتعبير، والتي ستليها حرية يسوع القاتلة، فهي ما حاولت نسفه علوم النفس الحديثةو علم التربية، من جهة، وما يُدعى – من ناحية أخرى– “اللائق سياسيًّاأي كل ما يليق للتغظية على غير المسيحيين ولا سيما اليهود بذريعة مقاومة العنصرية والتشهير“. والطريف أنّ لا يوجد قانون غربي يحرّم الطعن بالمسيح والمسيحية والكنيسة والكتاب المقدس، ولكن حذار إن طعنت بالعبرانيين أو سواهم.

1- “لا تعقّدوا لنا أطفالنا بتوبيخاتكم لهم!”

الدّلع والدّلال والمياصةتشلّ العمليّة التربويّة الأخلاقيّة بحيث يخاف المربي الأهالي وعدد من إدارات المدارس المتعاطفة مع الطالب الذي تحسبه زبونًايجب المحافظة عليه وتبيع به المدرّس. المشكلة أنّ كبارنا وبالغينا أصبحوا صغارًاأيضًا لا يتحمّلون ملحوظة ولا يقبلون نقدًا. وطبعًا، إن لم يعترف المريض بمرضه والمعوز بحاجته، فكيف السّبيل إلى مساعدته ومعالجته؟

2- أكاذيب اللائق سياسيًّا” politically correct

بصراحة اللاّئق سياسيًّاهو فرض احترام الآخرين من غير مسيحيين ومن غير كاثوليك ومن أجانب على المسيحيين والمواطنين: هذا في الغرب وكذلك في الشرق. وكأنّ أحبب قريبكأمست تعني اكره نفسك واحتقرهاايها المسيحي ولا سيما الكاثوليكي. وانطلاقًا من هذا التفكير الموجّه الظالم الدكتاتوريّ يظهر الآخرنعمة ونحن نمسي نقمةفهو المبارَك ونحن الملعونون، هو الصالح ونحن الأشرار والمنافقون والمراؤون والأنانيون (من اتهامات رئيس الوزراء الشيوعي الإيطالي رينتسي للمسيحيين مواطنيه مع تفانيهم وتضحياتهم في سبيل الأجانب). فيصبح الأجنبي واللاجىء وغير المسيحي تلقائيا من ملائكة السماء ومن أولياء الأرض لمجرد أنه الآخراي عبادة الآخر على حساب الحقيقة والعدالة ولسحق المسيحي دينيًّا واجتماعيًّا ووطنيًّا وعالميًّا.

لا يعرف المعمدان لحية ممشّطةولا يخشى لومة لائمولا يكترث لاتّهام اللاساميّةأو التشهير ولفظ كلمات حقد واستهتار وقلة احترام واستفزاز ومخالفة حقوق الإنسان“. فالحق عنده – وعند يسوع قريبه – يعلو ولا يُعلى عليه. وللأنبياء الناطقين باسم الله سموّ على مصالح البشر ومكايدهم وخدعهم لطمس الحقيقة وإسكات الرسائل السماوية. ومهما تفلسف البشر بنفوسهم الأمّارة بالسّوءفلن يطفئوا نور الشمس، نور المسيح الذي هو شمس الصلاح“.

نعم، تقهقرت البشرية أخلاقيا منذ حرّمت التوبيخ والنقد والتقويم ومنذ هادنت ومسحت الجوخ. فهي اليوم بحاجة – أكثر من أي وقت مضىإلى صراخ المعمدان وصياح الناصري الخالد: “توبوا، فقد قرب ملكوت السماوات“. يعني بالعربية، إن لم تتوبوا، تهلكوا كلكموسيبتعد الملكوت!

خاتمة: لنكوننّ بنينلا حجارة

يحلو للمرء هنا أن يكرر ما لوحظ في عظات سابقة عن بلاغة المعمدان والإعجاز اللغوي الأدبيّ في عبارته : “الله قادر من هذه الحجارة (في الآراميّة أبانينאבנין) أن يقيم بنين (في الآراميّة بانينבנין) لإبراهيم“. لنسعينّ بطاعة الإيمان وطوعية الرجاء وحار المحبة أن نتحوّل من حجارة إلى أبناء.

بقلم الأب بيتر مدروس

 

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X