frFrançais

 

الأحد الحادي والثلاثون أ ٥ نوفمبر ٢٠١٧م”

بين الدّنيا والآخرة ،كلّ أبوّة في السّماء وعلى الأرض

(متّى 23 : 2 وتابع ،أفسس 3 : 15)
بقلم الأب د. بيتر مدروس

تجتمع في هذه الأيّام مناسبات ثلاث تدعونا للتأمّل في الآخرة ،كما قال الكتاب المقدّس : “تفكّر في عواقبك فلن تخطأ أبدًا”: عيد جميع القدّيسين وتذكار المؤمنين الراقدين ويوم الرب الأحد. ولكنّ الإنسان من النّسيان. وربّما يجب ربط “النسيان” حسب ألسنة ساميّة أخرى بالتّجربة (نيسايّون) أي الإغواء لاقتراف الشّرور. ويُعلن بولس الرسول أنّ “ما يخلّصني (يخلّصنا) من جسد هذا الموت” هي نعمة ربّنا يسوع المسيح التي يجب دومًا بسببها الشّكر والعرفان (عن رومية 7 : 24).

عيد جميع القدّيسين

أصل هذا العيد أوّلاً في إنطاكية حيث احتفلت الكنيسة بكلّ الشهداء في يوم واحد، مغيّرة ممارستها العاديّة أي تكريم كلّ شهيد في يوم استشهاده. وفي روما طهّر البابا بونيفاشيوس الرابع المعبد الذي كان سابقًا وثنيًّا، يكرم جميع المعبودات (بانثيون) ، وكرّسه للسيّدة العذراء وللشهداء. وحُدّد لاحقاً الأوّل من تشرين الثاني نوفمبر للاحتفال بعيد كلّ القدّيسين. وهكذا نكرم جميع الأبرار لا سيّما المجهولين ، وفي عدادهم كثيرون من أجدادنا وآبائنا وأقاربنا ومواطنينا الصالحين.

تذكار جميع الموتى المؤمنين

لا تكتفي الكنيسة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة ب”ذِكر” المتوفّين بل تصلّي عن أرواحهم. ورُبّ سائل يسأل : ما فائدة الصلاة وقد توفّوا ؟ الله فوق الزمان والمكان ويستطيع بقدرته الكاملة أن يسعفهم بصلواتنا بعد موتهم في حياتهم قبل الوفاة ، فما المشكلة عنده وهو الذي أعلن لنا أنّ “الذي يسقي أحد هؤلاء الصغار كوب ماء بارد لا يضيع أجره”. لا تضيع اية صلاة سدى.

من جهة ثانية ، نعترف بأسفار المكابيين (التي يرفضها اليهود منذ سنة 90 م وإخوتنا البروتستنت منذ عام 1520 م على يد “كارلشتاد” لا مارتين لوثير. ولعلّ “كارلشتاد” الذي كان اسمه الأصليّ أندرياس بودشتاين كان يهوديًّا أيضًا ، ومن شابه أباه ما ظلم). في( 1 مكابيين 2 : 42 ) وتابع يجمع يهوذا المكابيّ تقادم، ويطلب تقريب ذبائح من أجل الموتى. ولا عجب ، فالجسد يموت لا الروح. ونحن كمسيحيين نعلم أنّ “الله إله أحياء لا إله أموات” وأن “لا الموت ولا الحياة تستطيع أن تفصلنا عن محبّة المسيح لنا” ولا عن محبّتنا بعضنا لبعض. وإلاّ ما الفرق بيننا وبين الكائنات غير العاقلة ؟

وفي شأن اتّحادنا ، ونحن على هذه الفانية ، مع أرواح القدّيسين والأبرار – وطبعًا صلاتنا عن أرواح موتانا – نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين : “قربتم من … مدينة الله الحيّ ، أورشالم السّماويّة… ومن أرواح الصدّيقين الذين بُلّغوا الكمال” أي القدّيسين.

في رحلة هذه الحياة وفي الآخرة : أبوّة الله وأبوّة آبنائنا والأبوّة الرّوحانيّة الكهنوتيّة

يردّد قوم آية “يتيمة” خارج سياقها : ” لا تدعوا لكم أبًا على الأرض” (متّى 23 : 9).  بادىء ذي بدء، لو أخذنا الآية حرفيًّا من غير سياق، كما يفعل المعترضون على الأبوّة الكهنوتيّة (لا على الأبوّة الجسديّة)، لوجدنا أنها توصل إلى حيث لا يريدون. المعنى الحرفيّ يقضي أن نرفض لكلّ والد من والدينا لقب “أب”، فماذا ندعوه وكيف نناديه ، “من غير شرّ” ؟ حرفيًّا أيضًا ، لا يجوز أن تنادي والدك “أبتِ” “على الأرض” – إلاّ بعد أن يوارى الثرى “تحت الأرض”!

ويزداد عناد الاعتراض بإصراره على قبول الأبوّة الطّبيعيّة ورفض الرّوحانيّة متذرّعًا بهذه الآية. لا بأس، وهذا جواب أكثر تفصيلاً ! سياق الآية : يمنع يسوع رسله وتلاميذه أن يدعوا الكتبة والفرّيسيين والربابينيين “آباء ومعلّمين”، وقد “جلسوا على كرسي موسى” (عن متّى 23 : 2) . وسيكون الرسل أنفسهم وخلفاؤهم آباء الميثاق الجديد ومعلّميه، بدليل أنّ هنالك في (أفسس 3 : 15) آية واضحة جدًّا – خصوصًا في الأصل اليونانيّ – تبيّن أنّ ما قصده يسوع في (متّى 23 : 9 ) نسبيّ جزئيّ لا مطلق ولا كامل : “أسجد ( لا “أجثو” وهي غلطة شائعة ، لأن “يجثو” للخصومة!) على رُكبتّيّ للآب الّذي منه تُدعى كلّ أبوّة في السّماء وعلى الأرض” (أفسس 3 : 15). اللفظة اليونانيّة هي”باتريا πατριά” أي “أبوّة” (أحيانًا تُنقَل بكلمة “عشيرة”). نريد أن نفهم : أهنالك أبوّة أو أكثر أم لا على الأرض؟ بلى ! فقول يسوع ينهى عن تسمية معلّمي العهد القديم آباء لنا نحن المسيحيين.

ها إنّ ماربولس يؤكّد لنا عن الأبوّة “على الأرض” ،ويكتب “كلّ أبوّة” – وهذا يعني الطبيعية والروحانيّة. في قراءة هذا الأحد، يشبّه القدّيس بولس ذاته “بالأمّ المرضع” ( 1 تسالونقي 2: 7). ولا يتردّد رسول الأمم بولس نفسه أن يصف نفسه بالأب أي الوالد : “وإن كانت لكم في المسيح ربوة من المرشدين فليس لكم عدّة آباء لأنني أنا الذي أنجبكم (“ولدكم”) في المسيح” وعلى هذا الأساس “أعظكم كأبنائي الأحبّاء” ( قورنثوس الأولى 4 : 14 – 15). فهل ينادونه “يا عمّو” وقد طالب بالاعتراف بأبوّته الرسولية؟

وهكذا يكررّ مار يوحنا الرسول الحبيب في رسائله تسميته للمؤمنين : “يا ابنائي ، يا ابنائي الصغار”. وبطرس أمير الرسل يكتب أنّ “مرقس ابنه” الروحاني طبعًا ( 1 بطرس 5 : 13).

خاتمة

يغمرنا حنان الله ابينا الإلهيّ السماوي، ويرافقنا منذ الطفولة عطف آبائنا وحنوّ أمّهاتنا، وفي الكنيسة والرعيّة والمدرسة المسيحيّة أبوّة أساقفتنا وكهنتنا وعلى رأسهم “البابا” أي “الأب المحبوب”. وتُشير اليونانيّة الحديثة إلى “الكاهن” بلفطة “باباس παπάς” التي تفضّلها العامّة – بصواب – على كلمة “ييريس ιερευς” “خادم المقدّسات”.

صلاتنا أن يكون لنا الكهنة آباء صالحين غيورين، وبصراحة، كثيرًا ما يحتاجون إلى “صبر ايّوب”! صلاتنا أن ينعم الراقدون بالراحة والنعيم الأبديين – فالموت في المسيحيّة رقاد مؤقّت لا فناء – ورجاؤنا على علاّتنا وخطايانا أن “نسلك في القداسة والبِرّ جميع أيّام حياتنا”!

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X