Homélie

الحياة للعالم هي المسيح: عدل ورحمة وسلام بالوداد الصحيح

اشعيا ٥٥: ٦٩، فيليبّي ١: ٢٠٢٧

سموّ أفكار الرب على أفكارنا آش ٥٥: ٦ – ٩

بقلم الأب بيتر مدروس

كما ترتفع السماء عن الأرض، هكذا تسمو أفكار الله على أفكارنا، نحن البشر، إذ كلٌّ يفكّر حسب كيانه ويعمل. ويبقى عقلنا من غير جواب عندما يسأل عن كائنات أو أشياء كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الموت. لو أتيح لنا لما متنا، كما يقول المثل السوري العامّي:” لو صحّ لجدّي، ما مات” ! ومن ناحية أخرى، كيف تكون الحياة على أرض محدودة الطاقات أمام مليارات من الناس من آلاف السنين.

يُدرك العقل السليم خبث البشر، وسوء الظروف ،بحيث أنّ الموت يُصبح نعمة. تؤكّد الحكمة الاسلاميّة انّ الله، عزّ وعلا، قهر عباده بالموت” : لولا الموت لتوهّمنا أنّنا آلهة. وإذا كان العيش بيننا لا يُطاق على المستوى الدوليّ والفرديّ، من مجازر وإبادات وجرائم وقساوة وضراوة وادّعاء واستكبار وغرور وظلم وجور، فكيف تكون الأحوال لو بقينا خالدين، لا يهزّنا المرض ولا يحصدنا منجل الموت؟

ويتجلّى سموّ الله في الأخلاقيّات الإنجيليّة المسيحيّة التي ليست من صنع إنسان أمّارة نفسه بالسوءورهين للأهواء وَعَبد للمصالح. ولو أتيح لبعضنا أو لمعظمنا، لاستيقظ في منتصف الليل وانكبّ على الإنجيل الطاهر يحذف منه: “أحبّوا أعداءكم أو شريعة الزوجة الواحدة، أو قام بتحويل نواهي الوصايا إلى توصيات، لمنفعتنا وراحتنا ! ولكن أثبت التاريخ بعد العقل السليم، أنّ الانتصار على الأنانية والشهوانية والعدوانية سرّ سلام الشعوب وازدهارها وأمنها.

وإذا تساءل مسيحيّون أو غير مسيحيين عن صليب يسوع، لوقف اليهود أمامه كحجر عثرة، والوثنيّون كجنون” (عن ١ قور ١؛١٧ وتابع) . وبالفعل، رفضه العبرانيّون كأنّه لا يليق بالمسيح الملك، ولعلّ الموقف القرآني مشابه لموقفهم. واستخفّ به معشر الإغريق والهلينيين المتفلسفين، وقد نسوا بطولة مفكّرهم الكبير سقراط وتجرّعه السم وفاءً لأفكاره، وهربًا من زوجته، على ما يبدو. ويُعلن مار بولس، العبقري المُهتدي من اليهوديّة، أنّه أفلس أمام سرّ الصليب السيّديّ : “ما لم تره عين وما سمعت به أذن، وما خطر على بال بشر: هذا ما أعدّه الله للّذين يحبّونهأي صليب العار للخلاص والغار. أمّا الحديث الإسلامي المشابه له فيقول هذه الأقوال عن نعيم الجنّة في الآخرة.

وفي القراءة الثانية لهذا الأحد ( فيليبي ١: ٢٠٢٧ ) يعطينا رسول الأمم، الإناء المختار شعاعًا من شمس وقبسًا من نور، مفسّرًا باختصار وعجالة انّ الرب المصلوب الحيّ بعد قتله يتمجّد في جسدبولس المعذّب، بحيث أنّ الموت له ربحلأنّه سيكون مع الرّبّ“. وهذه إجابة شافية، وإن كانت جزئيّة، حول الموت.

المسيح هو هو الحياة، ليس فقط للأفراد بل للشعوب، وإلاّ لا يكون مسيحًاولا مخلّصًا ولا قدوة ولا معلّمًا ولا طريقا! رأينا الفكر الوثني والأهوال التي أنجب، والتي عبّر عنها في آلهة ومعبودات، مغموسين في الرذيلة، مكفوفين في المكيدة، يحملون الشرّ، ويلدون الإساءة ويعبثون بالطبيعة وبالبشر، كأنّهم دمى، ويغسلون بالدماء أيديهم، وبدموع المظلومين حللهم. وشهدنا قساوة قوم التلمود، واستعلاء شعب الميثاق القديم وردّه، لا عينًا بعين وسنًا بسن، بل ألف عين بعين وألف سن بسن، لتشدّقهم بأنّهم ما زالوا شعب الله المختار، وكأنّه تعالى، حاشى وكلاّ، سمح لهم بل أمرهم بأن يقتلوا الأممويسبوا نساءها وأطفالها، ويحرقوا قلوبها بحرقهم لمستقبلها وممتلكاتها!

من جهة أخرى، يرى المرء خمول أديان من الشرق الأقصى، قوامها التركيز على الذات وعدم الحركة، والبرودة بدل المحبّة والجليد بدل النار، والأدب المفرط الذي يختفي تحته فكر لا نقدر أن نُدركه.

وهكذا، منذ نحو عشرين قرنًا، عرف العالم يسوع المسيح الفادي المعلّم، وتعرّفوا على المسيحيين، وخصوصًا على جحافل الشهداء منهم، والرهبان والقسيسين ذوي الفضائل والأفضال، الذين كانوا، في الغرب على الأقلّ، مَن أنقذ الإنسانيّة بعد انهيار الامبراطوريّة الرومانية، التي كانت قد اضطهدتهم عشر مرّات! فأسّس رهبان القدّيس مبارك المدارس والجمعيّات الزراعيّة والتجمّعات السكنيّة وخدمات الشفاء، ونسخوا مخطوطات الكتاب المقدّس، والفلسفة والعلوم والآداب والفنون والرياضيات وعلم الفلك، وكل ميادين المعرفة. وحتّى بعد حروب طاحنة بين الشعوب المسيحيّة التي كانت قد نسيت المسيح الوديع متواضع القلبونبذت إنجيل السلام، تمّت مصالحات تاريخية هي إلى أيامنا مستمرّة، بفضل المسيح الرّبّ ومثاله وهدى إنجيله ونوره. ولا تفسير للتقدّم وللسلام والتطوّر في حقوق الإنسان والعلوم والآداب والفنون، إلاّ بالمسيح الفادي المعلّم، وبالإنجيل المقدّس وبالكنيسة كمؤسّسة إلهيّة، على ضعف رعاتها وأولادها وخطاياهم.

خاتمة

ونحن نترك تفسير إنجيل هذا اليوم لأساقفة وكهنة آخرين من الطقس اللاتيني، ولا سيّما من فلسطين والأردن، نختم بتوصية مار بولس ، في رسالته الى أهل فيليبّي وإلينا، لكي نتمّم ما وعظ به الرب يسوع والرسل وبه عملوا : “فقط سيروا سيرة تليق بإنجيل المسيح” (فيليبّي ١ :٢٧ ) . هذا هو المطلب الوحيد ليحيا المسيح فيكم وليعيش العالم بالمسيح. أمّا الفعل الذي نقلناه هكذا سيروا، اسلكوافهو بوليثفينفي الأصل اليوناني، من بووليسأي مدينة، ويعني حرفيًا: “كونوا مواطنين، كما كان يردّد مربّي الأجيال القديس يوحنّا بوسكو: “مسيحيّون ورعون، مواطنون صالحون“. ويستخدم القدّيس الايطالي كلمة تشيتادينيمن تشييتاأي مدينة. ويعني أيضًا الفعل اليوناني الأصلي التمدّنمن مدينة،والسياسةبووليس، بوليتيكيه“. ولا أسمى من حضارة المسيح ومدنيّة الإنجيل وسياسة العهد الجديد. ولا نتكلّم هنا عن الاسلام، اذ نكتفي بالتأمّل في قراءات هذا الأحد من الميثاقين القديم والجديد، قبل الاسلام بقرون عديدة.

والدرس لنا، نحن أهل الإنجيل والعبرة: “أن نسير سيرة تليق بإنجيل المسيح، وأن يكون فينا من الأفكار والأخلاق ما في المسيح يسوع” (الرسالة نفسها إلى أهل فيليبّي ٢: ٥ ) آمين .


Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X