frFrançais

أمام الشّماتة والنّقمة والغلّ والحقد: الحِلم والصّفح والكظم والودّ

(بن سيراخ ٢٧: ٢٩٣٣و ٢٨: ١٩، رومية ١٤: ٧٩، متّى ١٨: ٢١٣٥)

بقلم الأب بيتر مدروس

المشاعر السّلبيّة الدّفينة وتعبيراتها المليئة بالضّغينة!

المعجم العربيّ مليء بمفرادات الحقد ومترادفاتها. ويكشف سِفر يشوع بن سيراخ أضرار الغلّ فاضحًا الشّماتةوهي السّرور الشّرير بمصائب القريب” (بن سيراخ ٢٧: ٢٩). ربّما قصد الكاتب بالقريب فقط اليهوديّ الآخر. ولكنّ هنالك سموًّا في الأفكار ورفعة في المعاني، إذ أنّ الانتقام لي، يقول الرّبّفي مواضع أخرى من الكتاب المقدّس (تثنية ٣٢: ٣٥، رومية ١٢: ١٩، عبر ١٠: ٣٠). وتبقى الألسنة السّاميّة والمعاصرة ضعيفة، عاجزة عن التّعبير عن الشّماتة، بخلاف لساننا العربيّ. ولعلّ أقرب كلمة وردت في الألمانيّة لوصف أحدهم ب الشّامت، وهي شادنفرو” “schadenfroh أي مسرور بالأضرارولا يُوجد فعل مقابل لهذه الكلمة (بخلاف الإنكليزيّة (To gloat. وينتقل الكاتب المقدّس إلى تفصيل عواقب الحقد على صاحبه بعبارات تشبه الحكمة العربيّة القائلة كالنّار تأكل بعضها، إن لم تجد ما تأكله، أو مَن حفر حفرة لأخيه وقع فيها“… ويعطي بن سيراخ الحلّ للكراهيّة: مخافة الله وخوف العواقب في الآخرة. وبمنطق سماويّ يفضح عنجهيّة البشر وصلفهم، إذ يستغفرون ولا يغفرون، يطلبون رحمة الله في حين أنهم هم لا يرحمون. ويركّز سيّدنا يسوع المسيح في إنجيل اليوم على صَفحنا نحن لغيرنا كشرط لننال المغفرة الإلهيّة (متّى ١٨: ٢١٣٥). وقد لقّننا بالكلمة والحرف أن نصلّي هكذا: “أعفنا من ديوننا (أي خطايانا) كما نُعفي نحن من لنا عليه“. وهذا هو النّص الآراميّ الأصليّ: “שבק לנא חובינא איכנא די אף חנן שבקנא לחייבינא” “شباق لانا حوباينا“. ويبدو أنّ يسوع على الصّليب استخدم مرّتين فعل لشبق” “ترك“: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟و إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما هم عاملون“.

ويُدرك المرء جرأة يسوع عندما يطلب من أتباعه، ولا سيّما اليهود (!)، أن يُعفوا البشر من ديونهم، خصوصًا وقد اشتهر الشّعب العبريّ بعبادة المال وبالرّبى (التّلمود، عبادة الأصنام٥٤ أ)، من زمن جباة الضّرائبإلى يهوذا الإسخريوطيّ إلى شيلوكفي تاجر البندقيّة“!

تحوير التّلمود للتّوراة: تقديس الغضب والحقد والنّقمة والغلّ والضّغينة وصبغها برضى الله أو بأمره تعالى

مهما بلغ نقص الميثاق القديم، ما وصل إلى وصيّة شعبيّة من تأليف وتلحين العبرانيّينوهي : “أبغض عدوّك!” أمّا التّلمود وسائر الكتابات الربّابينيّة (لا الرّبانيّة“) فجعلت على لسان العزّة الإلهيّة – حاشى وكلاّبغضًا مقدّسًاوحقدًا شرعيًّاوغلاًّ ثيوقراطيًّا لخصوم الله وللغرباء، ولا سيّما تلاميذ يسوع” (“المحفل٤٣ أ). ومع الأسف، للتّلمود ولغيره من كتابات الحاخامات بصفتها التّوراة الشّفهيّةلدى معشر اليهود قيمة الكتب المقدّسة من العهد العتيق.

مار بولس: “نحن للرّبّ: سواء عشنا أم متنا” (رومية ١٤: ٧٩)

في الحوار الأخويّ والوطنيّ الإسلاميّ المسيحيّ، قد يسأل المؤمنون، من كلا الدّينَين، عن الشّبه في الفكرة بين المسيحيّة والإسلام والّتي مفادها أنّ الرّبّ اشترىالنّاس، معنويًّا ومجازًا، مع أنّه هو الخالق. يكتب رسول الأمم الإناء المختار: “لقد اشتُريتم (في المجهول) بالنّفيس“( ١ قور ٦: ٢٠، ثمّ ٧: ٢٣). ويؤكّد أمير الرّسل كيفا بطرس:”تعلمون أنّكم ما افتُديتم (في المجهول) بأشياء فانية من الذّهب والفضّةبل بدم المسيح كحَمَل بريء لا عيب فيه” (١ بطرس ١: ١٨١٩). المسيح هو الّذي يقرّب نفسه ذبيحة ويموت ليشتري من جديد نفوسًا بيعت للخطيئة (عن رومية ٧: ١٤) . وموته يُعفيها من موت الخطيئة، وعذابه يُعفيها من عذاب الآخرة، والعنف الّذي راح يسوع ضحيّته يجب أن ينتهي بذبيحته، على الأقلّ بين اتباعه. ولقد أدرك أمير الشّعراء أحمد شوقي واقع الصّليب حيث يُصبح المسيح ذبيح العنف المليك المنتصر على الكراهيّة والعنف والحقد والنّقمة – حتّى الثيوقراطيّةأي المنسوبة تلموديًّا إلى الله:

يا فاتحَ القدس، خلّ السّيف ناحية             ليس الصّليب حديدًا كان بل خشبا“.

أمّا في نصّ سورة التّوبة ١١١، فالله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهمبحيث ما عادوا يمتلكون ذواتهم (نفس الفكرة في رومية ١٤: ٧٩). ويختلف تمامًا معنى الجنّةفي الدّيانتَين. ولا مجال في المسيحيّة لأن يَقتل المؤمنون في سبيل الله (إلاّ دفاعًا عن النّفس، لوقا ٢٢: ٣٦).

خاتمة : ما أسهل الاستغفار علينا وأعسر المغفرة!

هذه طبيعتنا المجروحة بالخطيئة، الأسيرة في المعصية، وهي تتوهّم أنّها حُرّة“. ولا أبلغ من الكلمات السيّديّة الّتي أملاها الرّب علينا سائلاً أن نصلّي بها : “اغفر لنا خطايانا كما نغفر نحن لمن خطىء إلينا” (لوقا ١١:٤).


image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X