الأحد السّابع والعشرون للسّنة أ (عام 2017 م): الإعجاز اللّغويّ في شجب الانحراف الدّينيّ والأخلاقيّ

(أشعيا 5: 1- 7، فيليبّي 4: 6- 9، متّى 21: 33- 43)

تحيّة إلى راهبات الورديّة الفاضلات بمناسبة عيد السيّدة العذراء سلطانة الورديّة المقدّسة

تحتفل الكنيسة في هذه الأيّام بعيد سيّدة الانتصارالّذي تحوّل إلى عيد سلطانة الورديّة المقدّسةوالّذي يحيي ذكرى النّصر، بنعمة الله وفضل السّبحة الورديّة التي دعا إلى تلاوتها البابا بيوس الخامس، في معركة ليبانتوس” (اليوم نافباكتوس“) في اليونان، يوم 7 تشرين الأوّل سنة 1571. وتشيد الكنيسة اللاتينيّة بهذا الانتصار ثلاث مرّات في اليوم عندما يُقرع جرس الملاك“. وينتهز المرء هذا المناسبة المقدّسة ليحيّي بمودة وإكبار رهبنة الورديّة الوطنيّة العربيّة الّتي أسسّتها القدّيسة ماري ألفونسين غطّاس بمساعدة قدس الأب يوسف طنّوس من كهنة بطريركيّتنا اللاّتينيّة المقدسيّة. ونرفع إلى العليّ أحر الدّعاء ليعطي الرّبّ رهبنة الورديّة وسائر الرّهبنات دعوات جديدة تضمن استمراريّة خدمتها المأثورة في التّاريخ، في هذه الدّيار المباركة.

إلى قراءات الأحد: إعجاز لغويّ في نبوّة أشعيا النّبيّ! (أش 5: 1- 7)

الكرمة الّتي هي آل يعقوب أي الشّعب العبريّ لا تنتج عنبًا بل حصرمًا. تشكّل خيبة أمللله، مع العلم أنّه تعالى بكلّ شيء عليم. كان، له المجد، ينتظر الإنصاف فإذا سفك الدّماء (إلى اليوم!)، والعدل فإذا الصراخ“. طبعًا، في العربيّة لا نرى أيّ شيء خارقفي هذه الآية. ولكن في الأصل العبريّ تلاعب بالألفاظ مثير للانتباه: “انتظرَ (اللهُ) “مشفاط” (الإنصاف“) فإذا مشفاحأي سفك الدّماءמשפט – משפח، وصداقاهצדקה عدلفإذا صعاقاهצעקהأي صراخ، أو كما تقول العامّة صريخ“!

صراخ المظلومين والضّحايا خصوصًا في الحروب والعمليّات الإرهابيّة، ولكن ممكن أن يفرض المرء أيضًا صراخ الظّالمين المجرمينالّذين يصيحون ليخفوا جرائمهم. والأخطر من ذلك صراخ الإرهابيّين القتلة وسائر الظّالمين الّذين يصوّرون أنفسهم وكأنّهم هم الضّحايا المظلومون. ويشكون ويبكون: “نحن مُضطَهَدون! البشر يكرهوننا! يريدون أن يقذفوا بنا في البحر! يسيئون إلينا! يشهّرون بنا!” ويفضح المفكّر الإسرائيليّ النّزيه الكبير جدعون ليفي هذه الظّاهرة. ومن ناحية أخرى، سمح لنفسه أحد الصّحفيّين، من منبر فاتيكانيّ، واسمه زهير لواسينيّ، أن يشكو من كراهيّة الأوروبيّينوظُلمهم وجورهم في انتقاد الإرهابيّين وتعميم أعمالهم الفظيعة على معشر المسلمين (وهذا غير وارد)[1]، وكأنّ الحقد والضّغينة والكراهية من صفات الغربيّين. والحقّ أنّنا ما شهدنا ولا سمعنا من الأوروبيّين صيحات الموت ل…” ولا الانتقام لضحايانابل نحن مع الضّحاياأو لن نركع للإرهابأو كلّنا شارلي ابدو“…

آخر الكلّ، أرسل صاحب الكرمة ابنه” (متّى 21: 33- 43)

عجيب أمر أولئك الكرّامين! لا يكتفون بأن يرموا حجرًا في البئر الّتي منها يشربونولا أن يعضّوا اليد الممدودة إليهمحيث رزقهم وكرامتهم وعيش عائلاتهم، بل يتعدّون على مُرسلي صاحب الكرمة كأنّه وكأنّ مُرسليه ظالمون يجنون حيث لم يزرعوا، ويقطفون حيث لم يتعبوا“! نعم، أحيانًا يتحوّل عند البشر صاحب الحقّ إلى ظالم، مع أنّه لا يطالب إلاّ بحقّه!

بعد أن عجز صاحب الكرم، أرسل أخيرًا ابنهأي كلمته المتجسّد. وصدق الكرّامون المجرمون إذ قالوا: “إنّه الوارث“! ولكن أخطأوا عندما توهّموا أنّه باستطاعتهم أخذ ميراثه، إذ يمنع القانون الدّوليّ أن يستفيد أحد من جريمته“. ولكنّ الطّمع أعمى والحقد أعشى. أمّا إلقاؤهم للابن خارج الكرموقتله فهو نبوّة من الرّبّ يسوع عن رمي اليهود له خارج المدينة، وصلبهم له، عن طريق الّذين لا شريعة لهم” (أي الرّومان) على الجلجلثة. ومن البلاغة والعبقريّة أن تنقل التّرجمة السّبعينيّةنبوءة أشعيا 53: 12 كلمة פשעים فشاعيم” (“المجرمين، أُحصي بين المجرمين“) بلفظة “ανόμων” أي الّذين بلا شريعة ، كأنّ يسوع خالف الشّريعة! وبسخريّة تنمّ عن النبوغ، يستخدم مار بطرس اللّفظة نفسها عن الرّومان الّذين نفّذوا صلب يسوع، مع أنّ الرّومان آباء القانون والحقوق الّتي ما زلنا حتّى اليوم نسير بموجبها.

إعجاز بلاغيّ آخر في ردّ الرّسل على السّؤال السّيّديّ

سأل يسوع تلاميذه : “ماذا يفعل ربّ الكرم بأولئك الكرّامين عند عودته؟أجابوا: “ביש ביש נובד אנוןأي يُهلك أولئك الأشرار شرّ هلاك“.. ونقل إلينا البشير متّى هذه العبارة الآراميّة البليغة بنفس الفصاحة في اليونانيّة:

“κακούς κακώς απολέσει αυτούς. وتأتي الحكمة العربيّة لتؤكّد العدالة الإلهيّة، مع أنّ المسيح ليس بحاجة إليها، بل نحن كذلك لنفهمها في إطار ثقافتنا وحضارتنا ولساننا: “بشّر القاتل بالقتل، من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وفي العامّيّة : “يا ظالم لك يوم مثل دقّ الثّوم!”

خاتمة

نحن كرم الله وحقله تعالى (عن 1 قور 3: 9). يستخدم هنا مار بولس لفظة جيورجيون γεώργιον” (ومنها اسم جاورجيوس“). فلنثمرنّ ثمارًا طيّبة وعنبًا لا حصرمًا،بالإنصاف والعدل والبِرّ جميع أيّام حياتنا“. ولا نظلمنّ غيرنا لأنّنا بهذا نظلم أيضًا أنفسنا، والرّبّ لا يحبّ الظّلم لأنّ الظُّلم ظلام وجور، والله نور لا ديجور وإنصاف لا إجحاف!


[1]  العدد الأسبوعيّ 22 يونيو حزيران 2017، ص 17.


بقلم الأب بيتر مدروس

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X