الأحد العشرون أ  للسّنة ٢٠١٧ م

يكلّم يسوع الكنعانيّة ليُسمعَ الرّسل ولتقرأَ الإنسانيّة

(متّى ١٥: ٢١٢٨)

بقلم الأب بيتر مدروس

مناورة مقدّسة من عند المسيح!

نطالع في الإنجيل في حرفه الأوّل والثّاني أي متّى ومرقس أنّ يسوع يغلظ بالكلام على امرأة كنعانيّةفينيقيّةسوريّة ويبدو لأوّل وهلة أنّه يحتقرها وينعتها بأشنع الألفاظ. ولكنّ هنا مناورةمنه، له المجد، تكلّف فيها أي تظاهر بالصّمت وعدم الإجابة ثمّ وجّه إليها كلمات قاسية ما كانت تعبّر لا عن فكره ولا تناسب طريقته اللّطيفة الوديعة في معاملة النّاس البسطاء الطّيبين الصّادقين المحتاجين المساكين الغلابى“. بل عبّر يسوع، بحنكة مقدّسة، عن رأي اليهود بشكل عام والتّلموديّين بشكل خصوصيّ من كتبة وفرّيسيّين (بما فيهم فئة الأسيانيّين القمرانيّة)، بحيث كان الرّسل أنفسهم يشاطرون ذلك الموقف السّلبيّ من الوثنيّين وبشكل أكثر قساوة وأوفر امتهانًا لإناث الأمم“. وقيام يسوع بمعجزة شفاء بنت المرأة الكنعانيّة خير دليل على أنّه ما قصد على الإطلاق أن يُغلظ على الكنعانيّة لا قولاً ولا فعلاً، وإن بدت تصرّفاته وعباراته قاسية مستهترة مستهينة ممتهِنة.

مقابلة مع موقف السّيّد من والدته البتول في عرس قانا الجليل (يو ٢: ١١١)

يقدر المرء أن يرسم رسمًا بيانيًّا يبيّن شبهًا تكتيكيًّاأي في المناورة المقدّسة بين موقف الرّبّ يسوع مع والدته في قانا وردود فعله مع الأمّ الكنعانيّة الفينيقيّة:

مع الوالدة مريم العذراء                                  مع الوالدة الكنعانيّة المسكينة

قالت ليسوع أمّه: “لم يعد عندهم خمر”                 – قالت الكنعانيّة ليسوع: الشّيطان يخبط ابنتي

أجاب يسوع: “ما لي ولك؟أي لا يعنينا الأمر       ما أجاب بكلمة

-“لم تأتِ ساعتي بعد” (للمعجزات)             –بعد ذلك قال: “ما أتيتُ إلاّ للخراف الضّالة من اليهود

                                                              أي لا يعنيني أمرك

–       بعد ذلك ثقّل يسوع العيار“: أنتم الوثنيّين كلاب لا يجدر أن نرمي إليكم بخبز البنين (يعني اليهود)

تتدخّل العذراء وتتشفّع بقدرة وتفرض بالأمل        أجابت المرأة:”الكلاب تأكل من الفتات

والأمومة إرادتها كسلطانة:قالت للخدم: مهما

أمركم به فافعلوه

أمر يسوع الخدم: املأوا الأجاجين ماء              قال يسوع للكنعانيّة: “ما أعظم إيمانك أيّتها المرأة

                                                              فليكن لكِ ما تريدين!”

مثالان للشّفاعة المقبولة: والدتان محبّتان محبوبتان، ومثال على شفاعة مرفوضة أو مؤجّلة تلبيتُها لأمّ ثالثة

عندنا في متّى ١٥ ومرقس ٧ ويوحنّا ٢ مثالان لشفاعة والدَتين مقبولة، مع المناورة. وإذا قال قائل: “المسيح هو الوسيط الوحيدوالشّفيع الوحيد، أوضح المرء أنّه الشّفيع الوحيد لمغفرة الخطايا والتّكفير عنها” (عن ١ يوحنّا ٢ : ١ – ٢)، وأنّ شفاعة القدّيسين تكون ضمن وساطة المسيح الإنسان بين الله والنّاس لأنّ عنده وحده  الطّبيعتَين الإلهيّة والبشريّة. فهو الوسيط بين الله والطّبيعة الإنسانيّة، ولا مانع من وسيطات ووسطاء بيننا وبين يسوع. وإذا قيل: “الرّبّ أعلن: تعالوا إليّ يا ثقيلي الأحماللا لأمّي، فلا تناقض بين دعوته هذه، من جهة، وتلبيته لطلب والدته وطلب المرأة الكنعانيّة، من ناحية أخرى.

أمّا الشّفاعة الّتي ما أسرع يسوع في تلبيتها فكانت لأمّ ابنَي زبدى يعقوب ويوحنّا: أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره في ملكوته (عن متّى ٢٠: ٢١ وتابع). فالرّبّ الوديع المتواضع لا يقبل الشّفاعة للوجاهة والزّعامة والتّشخيصوالكراسي.

ما أُرسلتُ إلاّ إلى الخراف الضّالّة من آل يسرائل

يستشهد بعض المسلمين بهذه الآية وبتوصية يسوع لرسله ألاّ يدخلوا مدن السّامريّين والوثنيّين (متّى ١٠: ٥ ب) لإثبات الفكرة الواردة في سورة الصّف ٦ والقول المنسوب إلى عيسى بن مريمبأنّه أعلن: “أنا رسول الله إليكمأي لمعشر اليهود فقط. ولكنّ قراءة نزيهة للعهد الجديد، في المنطق البيبليّ المسيحيّ، تؤكّد أنّ رسالة يسوع المخلّص ومهمّته الفدائيّة موجّهة إلى جميع النّاس، حتّى أقاصي الأرض“. كما ندرك أنّه في مرحلة أولى ما كان فيها رسله أي حواريّوه مستعدّين للحديث مع الوثنيّين، فمنعهم المعلّم أن يخاطبوهم لئلاّ يغلطوا أو يشطّوا. ولكن في مرحلة لاحقة، أمر يسوع رسله وتلاميذه أن يتلمذوا جميع الأمم” (متّى ٢٨: ١٩) وأن يكونوا له شهودًا (وشهداء) حتّى أقاصي المعمور” (أعمال ١: ٨).

بحكي للجارة تتسمع الكنّة!”

على سماع الرّسل، يصف يسوع الوثنيّين بالكلاب، لا لاقتناعه بهذا الكلام بل لحمل الرّسل ومعشر اليهود ولا سيّما التّلموديّين ذلك التّفكير العنصريّ الفوقيّ السّلبيّ. ولو اعتقد فعلاً أنّ الكنعانيّة – عفوًامن فصيلة الكلاب، لما استجاب دعاءها لبنتها. ولكنّه أراد أن يدحض أقواله المقتبسةبأفعاله المأثورة. أراد أن يضرب بعرض الحائط العقليّة الفوقيّة العبريّة نحو الجويمالمساخيط الأنجاس والّتي وجدت حقلاً لها خصبًا في نصوص كثيرة منها أنّ كنعان ملعون، وسيكون عبدًا لعبيد إخوته” (تكوين ٩: ٢٦) وكتابات تلموديّة كثيرة منها: “عندما سيأتي الماشياح سيملك كلّ يهوديّ ١٨٠٠ عبد وثنيّ“(زوهار، تاريخ نوح ٦٣ ب)، وأيضًا في كتاب سنهدرينفقرة ٩١ ثمّ ٥٩ أ حيث يُحرّم على العبريّ اطلاع وثنيّ على أيّ شيء من ديانة اليهود، وفي ماسيخيت شابات٣١ ب وقريثوت٦ ب،: “الوثنيوّن قطعان من المواشي، ويجب احتقارهم وبغضهم” (زوهار، فيشلاخ ١٧٧ ب)، وإنّ إناث الوثنيّين نجسات منذ مولدهنّ” (“عبادة الأصنامعابوداه زاراه، ٣٥ ب).

نعم، يا ربّ، ولكنّ صغار الكلاب تأكل من الفتات الّذي يسقط من مائدة البنين

عند الكنعانيّة سرعة بديهة وحدّة ذكاء تذكيها أي تشعلها خصال الأنوثة ومشاعر الأمومة. وقطعًا، ما فاجأت المرأة يسوع الّذي كان يعلم سلفًا ما كانت ستقول. وكان قد استفزّها لتعلن هذا الكلام الحكيم المليء حنكة وفهمًا، ليفحم يسوععن طريق المرأة الوثنيّةأفكار اليهود بما فيهم الرّسل عن المرأة عامّة وعن الوثنيّات بشكل خصوصيّ.

خاتمة: من كلّ مواقف يسوع مع الكنعانيّة وأقواله دروس لنا

١–            الشّفاعة لديه المقبولة.

٢–            التّواضع شرط أساسيّ ليستجيب الله لنا.

٣–            أحيانًا يطلب الله أن نقبل الذّلّ في طلبنا واستغفارنا.

٤–            المرأة نعمة وأكبر نعمة حصلت عليها هي الأمومة.

والمسيح ما  رفض طلب والدته في عرس قانا الجليل ورأى دموع أرملة نائين وما تركنا يتامى إذ أنزل روح القدس على العذراء والرّسل والتّلاميذ وتقبّل وسيتقبّل دومًا تضرّعات أمّه لأجلنا، وخصوصًا في وقت الضّيق والاضطهاد والمجازر: “تحت ستر حمايتك نلتجئ يا والدة الله القدّيسة…” واذكري يا مريم البتول جزيلة الحنان أنّ ما من أحد التمس شفاعتك ورُدّ خائبًا“.

 

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X