الأخت الطوباوية مريم ليسوع المصلوب بواردي: سيرتها وعجائبها

القدس – أيار ٢٠١٥. ستحتفل الكنيسة يوم الأحد القادم، ١٧ أيار ٢٠١٥، باعلان قداسة الأخت مريم ليسوع المصلوب بواردي والأم ماري ألفونسين دانييل غطّاس. هذا يعني أن الكنيسة قد تيقنت من أصالة خبرتهما الروحيّة، ومسيرتهما مع الله، وهي تقدمهما لنا اليوم مثالاً وسنداً بالشفاعة. فإلى ماذا استندت الكنيسة في يقينها هذا؟ في رأينا، يعود هذا اليقين إلى اثباتين رئيسيين: سيرة حياتهما المسيحية الفاضلة، والنعم التي حصل عليها بعض المعمدين بشفاعتهما بعد وفاتهما. تدعو الكنيسة هذه النعمَ أيضاً معجزات، إذ يعجز العقل عن فهم حدوثها والعلم عن تفسيرها. بعد أن تناولنا في مقال سابق سيرة وعجائب الأم ماري ألفونسين، مؤسسة راهبات الوردية، نتناول في هذا  المقال سيرة وعجائب الأخت مريم ليسوع المصلوب بواردي، مؤسسة دير الكرمل في بيت لحم.

الإثبات الأول على قداسة الأخت مريم ليسوع المصلوب: تواضع حياتها المسيحية المشبعة من الفضائل والمشورات الإنجيلية

ناقشنا في المقال السابق ماهية مرحلة “التحرّي” عن حياة المعمّد المرشح لإعلان قداسته في الكنيسة الكاثوليكية. وأدركنا بأن الهدف الأساسي من هذا التحرّي هو التأكد من أصالة الحياة المسيحية التي عاشها المرشح، وأنه بذلك يصلح لأن يكونَ مثالاً لإخوته المسيحيين في عيش الكمال الإنجيلي. فيتم النظر في ممارسته للفضائل وسيرة حياته. وبعد أن تأملنا في عمل الله في حياة الأم ماري ألفونسين، دعونا نتأمل الآن في عمل الله العجيب والعظيم في حياة مريم بواردي، التي لقبت نفسها دائماً “بالعدم الصغير”.

الجليل : الطفولة   

وُلدت مريم بواردي، في ٥ كانون الثاني ١٨٤٦، في قرية عبلين، إحدى قُرى الجليل الصغيرة، الواقعة في منتصف الطريق بين الناصرة وحيفا، من عائلة تنتمي إلى كنيسة الروم الكاثوليك. ابتُليَ أبواها بمصيبة فقدانِ أولادهما في سن صغيرة، ففُجِعا باثني عشر ولدًا على التوالي. في عمق حزنهما وثقتهما بالله، قرّرا القيام برحلة حج إلى بيت لحم للصلاة في مغارة الميلاد وطَلب النعمة بأن يُرزقا بنتًا. هكذا رأت مريم النور، وفي السنة التالية وُلِدَ أخاها بولس.

لم تكن مريم قد أكمَلت الثالثة من عمرها عندما توفيَ أبوها بعد أن أوكلها إلى عناية القديس يوسف، وبعد بضعة أيامٍ توفّيت أمها. تبنّت بولسَ عمّتُه وتبنّى مريمَ عمٌّ لها ميسور الحال.

بقي لمريم من طفولتها في الجليل، اندهاشها أمام جمال الخليقة، والنور، والمناظر الخلاّبة حيث كل شيء يُحدّثها عن الله، والشعور القوي بأنّ “كل شيء زائل”.

كان لحادث حصل معها في طفولتها أثره الحاسم على مستقبلها : كانت تلعب مع عصفورين صغيرين فماتا بين يديها عندما حاولت أن تغسلهما بالماء. في حزنها سمعت في داخلها هذه الكلمات : “كل شيء يزول، فإذا أردتِ أن تعطيني قلبَكِ فإني سأبقى لكِ على الدوام”.

احتفلت بمناولتها الأولى في الثامنة من عمرها. بعدها سافر عمها إلى الإسكندرية مع كل الأسرة.

في مصر : الإسكندرية والاستشهاد    

كان لمريم ١٢ سنة من العمر عندما علمت أنّ عمّها يريد أن يُزوِّجها، فرفضت لأنها قرّرت أن تعطي نفسها بالكامل للرب. فلا محاولات الإقناع، ولا التهديد، ولا الإذلال ولا سوء المعاملة استطاعوا إثناءها عن عزمها. بعد ثلاثة أشهر، ذهبت إلى خادم قديم كان يعمل في البيت لترسل معه رسالة إلى أخيها بولس، الذي بَقيَ في الجليل، كي يأتي لنجدتها. لكنّ الخادم الذي كان مُسلمًا، بعد أن سمع قصة معاناتها، حثّها على ترك المسيحية واعتناق الإسلام، لكن مريم رفضت. فغضب الرجل، واستلَّ خنجره وقطع به عنقها ثم تركها في زقاقٍ مُظلم. وكان ذلك في ٨ أيلول.

لكن ساعتها لم تكن قد أتت بعد، فاستفاقت ووجدت نفسها في مغارة وبجانبها سيدة تشبه الراهبات. اعتنت بها هذه السيدة مدة ٤ أسابيع فكانت تُطعمها وتُعلّمها. وعندما شُفيت قادتها السيدة إلى كنيسة وتركتها هناك. ستقول مريم لاحقًا أن هذه السيدة هي العذراء مريم نفسها.

منذ ذلك اليوم، بدأت مريم تنتقل من مدينة إلى أُخرى (الإسكندرية، أورشليم، بيروت، مرسيليا…)، حيث كانت تعمل كخادمة، مُفضِّلةً العائلات الفقيرة، مُساعدةً إياهنَّ، وإذا رأت نفسها مُكرّمة في عائلةٍ ما، كانت تتركها سريعًا.

ستصبح مريم، وبطريقة خاصة، شاهدة لهذا ” العالم اللامرئي” الذي نؤمن به من دون أن نراه والذي اختبرته هي اختبارًا عميقاً.

في مرسيليا: لدى راهبات مار يوسف الظهور

ذهبت مريم إلى فرنسا في العام ١٨٦٥، إلى مدينة مرسيليا، حيث تعرّفت على راهبات مار يوسف الظهور. كانت تبلغ من العمر ١٩ سنة ولكنها كانت تبدو كمن له ١٢ أو ١٣ سنة، كانت تتكلّم الفرنسية بركاكة علاوةً على صحتها الضعيفة، لكنها قُبِلت في الابتداء وكانت سعادتها كبيرة لأنها استطاعت أن تُعطي ذاتها للرب. كانت مستعدة دائمًا للقيام بالأعمال الأكثر إرهاقًا، مُمضيةً أغلب وقتها في الغسيل أو في المطبخ. كانت تعيش يومين في الأسبوع آلام المسيح، وتظهر عليها جراحاته، لكنها لبساطتها كانت تظن أنه مرض. بدأت تظهر عليها أيضًا أنواع عديدة من النِعم الفائقة للطبيعة. بلبلت هذه الأمور بعض الراهبات، وفي نهاية سنتي الابتداء لم تُقبَل لإبراز النذور في الجمعية. حينئذٍ تضافرت ظروف عديدة وقادتها إلى كرمل “بو” (Pau).

كرمل بو

استُقبلت مريم في كرمل “بو” في حزيران ١٨٦٧ حيث وَجَدت دائمًا، حتى في وسط كل المِحَن التي ستعبرها، حبًّا وتفهّمًا. ها هي من جديد في الابتداء حيث نالت اسم مريم ليسوع المصلوب. ألحّت في أن تكون من ضمن الراهبات العاملات، ذلك لأنها كانت ترتاح في خدمة الآخرين، وكانت تجد صعوبة في قراءة صلوات الفرض الإلهي. اكتسبت القلوب ببساطتها وسخائها. واُعتُبرت الكلمات التي تلفّظت بها بعد خروجها من حالة انخطاف ثمرة حياتها : “حيث توجد المحبة، يوجد الله أيضًا. إذا فكّرتم في عمل الخير مع أخيكم سيفكّر الله بكم. إذا حفرتم حفرة لأخيكم ستقعون أنتم فيها وستكون لكم؛ لكن إن صنعتم سماءً لأخيكم سوف تكون لكم…”.

من بين كل النِعم الإلهية التي ملأتها (موهبة النبؤة، مهاجمة الشيطان لها أو الإنخطافات…)، كانت نعمة اعتبار ذاتها عدمًا أمام وجه الله هي النعمة الأقوى، والتعبير الأعمق عن كيانها حتى أنّها كانت تدعو ذاتها “بالعدم الصغير”. وهذا ما جعلها تدخل عمق الرحمة الإلهية التي لا يُسبَر غورها، وهناك وجدت سعادتها ولذّتها وكلّ حياتها : “التواضع سعيد بأن يكون لا شيء، فهو غير متعلِّق بشيء ولا يتعب أبدًا من أي شيء. التواضع مسرور، سعيد، في كل مكان سعيد، راضٍ عن كل شيء… طوبى للصغار!”. هنا يكمن مصدر تسليمها في قلب النِعم الأكثر غرابةً كما في قلب الأحداث الإنسانية الأكثر اضطرابًا.

تأسيس كرمل منغلور في الهند

بعد ثلاث سنوات، في العام ١٨٧٠، أبحرت مريم مع مجموعة صغيرة من الراهبات بُغية تأسيس أول دير للكرمليات في الهند، في منغلور. كان السفر في البحر، في تلك الأيام، مغامرة كبيرة، فماتت ثلاثة راهبات قبل وصولهنَّ إلى الهند. فتمّ إرسال عدد آخر من الراهبات وافتُتح الدير في نهاية العام ١٨٧٠. توالت اختبارات مريم الروحية الفائقة للطبيعة من دون أن تمنعها من مواجهة كل الأعمال الثقيلة والاضطرابات المرتبطة بالتأسيس الجديد. في انخطافاتها، كانت تارة تُشاهَد مشعّة الوجه في المطبخ أو في مكان آخر؛ وتارة أُخرى كانت تشارك بالروح ما يحصل في الكنيسة كأوقات اضطهاد المسيحيين في الصين؛ وأحيانًا كان الشيطان يبدو وكأنه سيطر عليها، لكن من الخارج فقط، مُسببًا لها آلامًا وصراعات مريرة. ابتدأ سوء الفهم بالرواج حولها واضعًا موضع الشك صحة ما كانت تعيشه. أبرزت النذور في نهاية فترة الابتداء في ٢١ تشرين الثاني ١٨٧١، لكن التوتر الحاصل في محيطها أدّى إلى إرجاعها إلى كرمل بو في العام ١٨٧٢.

العودة إلى بو

هنا وجدت مرة أُخرى حياتها البسيطة كراهبة عاملة وسط عاطفة أخواتها الراهبات، فارتاحت نفسها. كانت خلال بعض الإنخاطافات، هي الشبه أُميّة، ترتجل، في اندفاع عرفانها بالجميل تجاه الله، قصائد جميلة جدًا، مليئة بالنضارة وبسحرٍ شرقيّ حيث الخليقة كلها تُنشد خالقها؛ أو كانت في طرفة عين تنجذب إلى قِمة شجرة جالسة على غصنٍ لا يحمل عصفورًا، وذلك باندفاع نفسها نحو الله… “العالم كله نائم. والله المليء بالطيبة، الرب العظيم، المستحق كل تسبيح، منسي!… لا أحد يفكرُّ فيه!… أُنظر، الطبيعة تسبّحهُ؛ السماء، والنجوم، والأشجار، والأعشاب، كل شيء يسبّحه؛ والإنسان العارف بإحساناته، والذي يجب عليه أن يسبحه، نائم!… هيا! لنذهب ونوقظ الكون!”.

تأسيس كرمل بيت لحم

بعد قليل من عودتها من منغلور، بدأت مريم في التحدث عن تأسيس كرمل في بيت لحم. كانت العوائق كثيرة، لكنها أُزيحت تدريجيًا وأحيانًا على غير ما كان يُتوقّع. أخيرًا أتت الموافقة من روما، وفي ٢٠ آب ١٨٧٥، أبحرت مجموعة صغيرة من الكرمليات من أجل هذه المغامرة. أرشد الربُ نفسُه مريمَ إلى مكان البناء. ولما كانت الوحيدة التي تتكلّم اللغة العربية، كانت مكلّفة بشكلٍ خاص متابعة الأعمال، “غائصة في الرمل والكلس”. أصبح بمقدور الجماعة السكن في الدير ابتداءً من ٢١ تشرين الثاني ١٨٧٦ في حين كانت تُتابَع بعض الأعمال.

كانت مريم منشغلة أيضًا بتأسيس كرمل في الناصرة، وذهبت للحصول على قطعة أرض في آب ١٨٧٨. خلال هذا السفر كشف لها الرب المكان المدعو عمّاوس فاشترته لهم المُحسنة برت دارتيجو.

بعد عودتها إلى بيت لحم، تابعت مراقبة الأعمال تحت حرّ خانق. وبينما كانت تُحضِر ماءً للعمال سقطت عن الدرج وكسرت ذراعًا. تفشّت الغرغرينا بسرعة في جسمها مما أدّى إلى وفاتها بعد بضعة أيام، في ٢٦ آب ١٨٧٨، عن عمر يناهز ٣٢ سنة.

أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في ١٣ تشرين الثاني ١٩٨٣.

الإثبات الثاني على قداسة الأخت مريم ليسوع المصلوب: معجزتان – على الأقل – تحققتا بعد وفاتها

تشترط الكنيسة الكاثوليكية أن تتم بشفاعة المرشح معجزة للتطويب وأخرى لإعلان القداسة، بعد وفاته.

ولم تَحِد الأخت مريم ليسوع المصلوب – التي قالت يوماً بشجاعة وفخر أنها ابنة الكنيسة فنالت الإستشهادعن هذه القاعدة الكنسية الحكيمة، والتي تتأكد بموجبها الكنيسة من أن المرشح للتطويب أو اعلان القداسة هو حقّاً في حضرة الله وشركة تامّة مع الثالوث الأقدس وسائر القديسين.

  1. المعجزة التي تمت بشفاعة الأخت مريم ليسوع المصلوب واستحقت على اثرها أن ترفع إلى مصاف الطوباويين في عام ١٩٨٣

أعلن البابا القديس يوحنا بولس الثاني الأخت مريم ليسوع المصلوب بواردي طوباوية في ١٣ تشرين الثاني ١٩٨٣. لكن الإعجوبة التي ساهمت في اعلان قداستها كانت قد تمّت في قرية شفاعمر الفلسطينية عام ١٩٢٩! عاشت في هذه القرية (التي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن قرية عبلين، مسقط رأس القديسة) عائلة جبران يوسف عبود. رزق جبران ودبلة بسبعة أبناء، أحدهم “خزنة” وهي التي أجرت معها الأخت مريم ليسوع المصلوب أعجوبتها الأولى. ولدت خزنة، وهي الطفلة الخامسة للعائلة، في عام ١٩٢٦، ولاحظ والداها مبكراً أن طفلتهم لم تكن تتمتع بنمو طبيعي يتناسب وأقرانها، فبقيت نحيفة وسقيمة. أتمت خزنة عامها الثالث وهي لا تزال غير قادرة على السير أبداً. ولفقرهما الشديد لم يستطع والداها اعطائها الدواء أو العلاج الذي احتاجت إليه.

ومع حلول عيد الفصح عام ١٩٢٩، قررت خالة الطفلة، وكان اسمها مريم صليبا، التوجه إلى بيت لحم لزيارة دير الكرمل والصلاة أمام قبر الراهبة الكرملية مريم ليسوع المصلوب بواردي، التي كانت قد توفيت قبل خمسة عقود في رائحة القداسة. وبعد أن أتمت حجها إلى دير الكرمل في مدينة الميلاد، عادت إلى قريتها الجليلية حاملة معها بعض الذخائر وصورة لأمة الله الكرملية. علقت العائلة الصورة على أحد جدران الغرفة الوحيدة في البيت، وبدأت العائلة برمتها الصلاة طلباً لشفاعة مريم وشفاء الطفلة السقيمة. صلاة واثقة بقدرة تلك التي وُلدت بالقرب منهم في قريّة عبلين المجاورة.

منذ عيد الفصح عام ١٩٢٩ وحتى اليوم العشرين من شهر كانون الأول من العام نفسه، أي على مدى ثمانية أشهر، ثابر والدا الطفلة على الصلاة أمام صورة أمة الله، وأحياناً لعدّة مرات في اليوم، قائلين: “يا قديسة عبلين، اشفي ابنتنا!”.

أمّا خالة الطفلة، وكانت هي الأخرى قد نالت لنفسها نعمةَ تحسُّنِ بصرها الضعيف، فقد بدأت يوم الجمعة ١٣ كانون الأول ١٩٢٩ تساعية لأمة الربّ، طلبت فيها نعمة الشفاء لإبنة أختها “خزنة”. تضمنت هذه التساعية حضور القداس اليومي مع المناولة وممارسة رياضة درب الصليب كل يوم، اضافة إلى بعض الإماتات. وفي اليوم الثامن، بينما كانت الطفلة مستلقية في احدى زوايا الغرفة، عاجزة عن الحركة، وساقيها ضامرة ومترهلة، إذ بها تنهض فجأة، من غير تردّد وتقول لجدتها مسرورة: “جدّتي، انظري، إنني أسير على قدمي!”.

منذ شفائها لم تتوقف الطفلة عن الركض واللعب مع سائر الأطفال طوال النهار، بينما استولت على الوالدين مشاعر الحمد والتسبيح لله تعالى، المُمَجَّد في قديسيه!

  1. المعجزة التي تمت بشفاعة الأخت مريم ليسوع المصلوب واستحقت على اثرها أن ترفع إلى مصاف القديسين في عام ٢٠١٥

أمّا الأعجوبة التي قامت بها الطوباوية الأخت مريم ليسوع المصلوب، والتي فتحت الباب أمام إعلان قداستها، فقد جرت مع طفلٍ ولد في جنوب ايطاليا، في مقاطعة سيراكوزا، من جزيرة صقلية. ولد الطفل إمانويلي لو زيتو (Emanuele Lo Zito) في ١٧ نيسان ٢٠٠٩، بعملية قيصرية. وبعد ولادته مباشرة تمّ تشخيص فشل أو قصور شديد في القلب، أي خلل وظيفي أو عضوي يؤثر على استقبال وضخّ الدم إلى أنحاء الجسم لإمداده بالمواد الغذائية والأكسجين. تم فوراً نقل الطفل إلى مستشفى آخر، لإجراء المزيد من الفحوص الدقيقة، فتبين أن وضعه يزداد سوءاً، مما استوجب وضعه تحت العناية المكثفة، ونقله إلى غرفة الطواريء في مستشفى آخر، متخصص في جراحة القلب للأطفال. قدر الأطباء حالة الوليد بالخطرة لدى وصوله إلى المستشفى، فتم نقله إلى غرفة العمليات فوراً، حيث أجريت له عملية جراحية. ورغم سوء حالة الطفل الوليد، وتيقن الطبيب من أن الطفل سيموت حتماً، إلا أن المفاجئة كانت نجاح العملية الجراحية. وليس هذا فحسب، بل وقد لاحظ الأطباء بعد ذلك تحسناً سريعاً بدأ يطرأ على صحة ايمانويلي خلال الأيام، بل الساعات القليلة اللاحقة. أجريت للطفل فحوصات دوريّة خلال السنوات اللاحقة، أظهرت جميعها شفائه التام.

وبعد أن نظرت لجنة من الأطباء، اضافة إلى لجنة لاهوتية، في المسألة، تبين بأن هذا الشفاء كان “سريعاً وتاماً ومستمراً”، وأن “ليس له أي تفسير على ضوء ما توصل إليه العلم في يومنا هذا”.

والواقع هو أن هذه المعجزة قد تمت بشفاعة الطوباوية الكرملية، مريم ليسوع المصلوب (مريم بواردي)، ابنة فلسطين. فعندما وصلت أخبار ايمانويلي إلى زوجين كانا من أصدقاء والدي الطفل، قرّرا طلب شفاعة الطوباوية مريم ليسوع المصلوب لأجل شفاءه. كان هذان الزوجان، صديقي والدي الطفل، متعبدين لمريم يسوع المصلوب منذ أن قاما بزيارة الأرض المقدسة، ودير الكرمل في بيت لحم، بمناسبة عيد الميلاد في عام ٢٠٠٨، أي قبل خمسة أشهر تقريباً من ولادة الطفل. وهناك، اكتشف الزوجان الطوباوية مريم ليسوع المصلوب، وأصبحا متعلقين بها. استطاع الزوجان كذلك تكريم ذخائر مريم ليسوع المصلوب أثناء الزيارة عينها. ولم يكتفي الزوجان بالصلاة وطلب شفاعة مريم ليسوع المصلوب وحدهما، بل طلبا من أصدقاء آخرين فعل ذلك أيضاً، كما واتصلا براهبات الكرمل في بيت لحم، اللواتي اتصلن بدورهنّ براهبات الكرمل في حيفا والقدس والناصرة. وهكذا، فإن “شبكة من الصلاة” قد نشأت، طَلَب من خلالها الجميع ذات النعمة من الطوباوية مريم ليسوع المصلوب، وهي شفاء الطفل ايمانويلي. وهكذا كان!

فيا أيتها الأخت مريم ليسوع المصلوب، صلّي لأجلنا!

تنسيق فراس عبدربه

المصادر:

كتيّبٌ حول حياة مريم باللغة الفرنسية والإنجليزية سيظهر قريباً باللغة العربية.

أرشيف دير الكرمل في بيت لحم.

–  الرسالة الرعوية لغبطة البطريرك فؤاد الطوال بمناسبة إعلان قداسة الطوباويتين.  

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X