وقّع قداسة البابا فرنسيس مرسوم إعلان قداسة الأمّ تريزا، على أن تقام المراسيم في الرابع من ايلول هذه السنة 2016. ولإعلان قداسة شخص من قبل الكنيسة الكاثوليكية يجب ان تثبت بوجاهته  معجزتان بعد وفاته، الأولى من أجل تطويبه والثانية في سبيل إعلان قداسته.

وفي حالة الأمّ تريزا، اعترف الفاتيكان سنة 2002 بمعجزة أولى وهي شفاء امرأة هندية من ورم خبيث في عام 1998 إذ كانت المرأة قد طلبت  شفاعة أي وجاهة الأمّ تريزا لدى حضرته تعالى لتنال الشفاء . فتمّ تطويب الراهبة الألبانية الفاضلة  على يد البابا بولس الثاني. وحضر التطويب آنذاك نحو 300 الف شخص في الفاتيكان، ساحة القدّيس بطرس في روما.  ثمّ أقرّت الكنيسة بالطابع المعجز لشفاء مهندس برازيلي عام 2008 من أورام متعدّدة في الدماغ، وهو في سن الخامسة والثلاثين

الأمّ تريزا، كما أسلفنا، راهبة ذات أصول ألبانيّة، من عائلة كاثوليكيّة مؤمنة، فتحت أبوابها وقلوبها للمحتاجين، فانطبع في وجدانها الشفّاف كرم والدَيها وسخاؤهم المطلق في مساعدة الفقراء والمعوزين، وهذا ما عملت به منهجيًّا  فيما بعد طوال حياتها. وُلدت في 26 أغسطوس 1910 م في قرية سكوبيه في ألبانيا (تُعرف اليوم باسم مقدونيا).

 تعلّمت في بداية حياتها في مدرسة لليسوعيين في يوغسلافيا. وعندما كانت في سن الثامنة توفّي والدها فازدادت تعلقًا بالإيمان. سنة 1928 قرّرت أن تصبح راهبة فأُرسلت إلى إيرلندا للدراسة.  سنة 1931 سافرت إلى كالكوتا في الهند لتستمرّ في الدراسة وتعلّم في مدرسة ثانوية القديسة مريم. ثمّ عُيّنت رئيسة للمدرسة سنة 1944.

سنة 1946 م كتبت لها والدتها رسالة تذكّرها بواجبها تجاه الفقراء في الهند، قرأتها وتأثّرت بشدّة من الرسالة ، ثمّ شاهدت رؤيا يدعوها فيها الرب إلى خدمته عن طريق العناية ب أفقر الفقراء“… قلبت الرؤيا حياتها رأسًا على عقب، وحصلت سنة 1948 على الإذن لمغادرة الرهبنة والتوجّه إلى أحياء كالكوتا المعدمة لإنشاء مدرسة، وتبعتها راهبات أخريات رغبن في خدمة الفقراء مثلها . وفي سنة 1950 حصلت الأمّ تريزا على موافقة قداسة البابا بيوس الثاني عشر بتأسيس رهبنة مرسلات المحبّةفي كالكوتا. وقد قُتلت أربع راهبات منهنّ في اليمن خلال هجوم مسلّح على دار للمسنين في شهر آذار من هذا العام.

واستمدّت الأمّ تريزا شعار الرهبنة من تعاليم السيّد المسيح في الإنجيل الطاهر: “الاعتناء بالأطفال المشرّدين والعجزة والجياع والعراة والعميان والمنبوذين . كلّ هؤلاء البشر الذين يشعرون بأنّهم غير مرغوب فيهم أو محرومون من العناية والمحبّة. أولئك الذين يحسبهم المجتمع عبئًا عليه فيتجنّبهم“.  

وبتأييد السلطات المختصّة في كالكوتا، حوّلت الأمّ تريزا جزءًا من معبد كالي (إلهة الموت والدمار عند الهندوس) إلى منزل لرعاية المصابين بأمراض غير قابلة للشفاء، والعناية بهم في أيامهم الأخيرة لكي يموتوا بكرامة، ويشعروا بالعطف والقبول، بدل البغض والرفض من مجتمعهم. توالت بعد ذلك المؤسسات التي أنشأتها الأمّ تريزا، فأقامت القلب النقي” (منزل للمرضى المزمنين)، ومدينة السلام” (مجموعة منازل صغيرة لإيواء المنبوذين من المصابين بأمراض معدية). ثم أنشأت أوّل مأوى للأيتام. وبازدياد المنتسبات إلى رهبنة الإرسالية الخيرية، راحت الأمّ تريزا تنشئ مئات البيوت المماثلة في طول الهند وعرضها لرعاية الفقراء ومسح جروحاتهم وتخفيف آلامهم، والأهمّ من ذلك كلّه كي يشعروا أنهم محبوبون ومحترمون كبشر. وقد اختارت الأمّ تريزا لرهبنتها ثوبًا بسيطًا هو عبارة عن ساري هندي أبيض اللون مع إطار أزرق قيمته دولار واحد.

عام 1965م طرأت نقطة تحوّل كبرى في مسيرة الرهبنة، حين منحها البابا بولس السادس الإذن بالتوسع والعمل في جميع أنحاء العالم، لا الهند وحسبوهكذا ازداد عدد المنتسبات إليها. وشملت فروعها معظم دول العالم الفقيرة أو التي تشهد حروبًا ونزاعات:  أثيوبيا المهدّدة بالجوع وجنوب أفريقيا، وألبانيا مسقط رأسها بعد سقوط الشيوعية.   

ومن أعمالها المشهودة أنها استطاعت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 أن توقف إطلاق النار لمدّة معينة إلى أن تمكّن رجال الدفاع المدني من إنقاذ 37 طفلًا مريضًا كانوا محاصرين في إحدى المستشفيات.

تقديرًا لمجهودها منحتها الحكومة الهندية جائزة باندما شريلـ خدماتها الإنسانية المميزةسنة 1962م.

وفي سنة 1971 كرّمها قداسة البابا بولس السادس، إذ جعلها أوّل شخص يفوز بجائزة البابا يوحنا الثالث والعشرين للسلام“. عام 1972 منحتها الحكومة الهندية ميدالية جواهر لال نهرولأعمالها الخيرية المميزة على المستوى الدّوليّ. وحازت على جائزة نوبل للسلامعام 1979 . 

تلقّت ميداليّة الحرّيّةعام 1985 من الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، أرفع وسام مدني أميركي يمكن أن يحصل عليه إنسان. وفي عام 1996 أصبحت الأمّ تريزا الشخص الرابع في العالم الذي يُمنح الجنسية الأميركية الفخرية“.

لدى تسلّمها جائزة نوبل للسلام التي تبلغ مئات الآلاف من الدولارات، ارتدت الساري الأبيض ويبلغ ثمنه دولارا واحدا، والذي ترتديه في حياتها اليومية العادية . كما أنها طلبت إلغاء العشاء التقليدي الذي تُقيمه لجنة جائزة نوبل للفائزين، وطلبت أن تُعطى المبلغ لتنفقه على إطعام أربعمئة طفل هندي فقير طوال عام كامل.

ولكن صحّة الأم تريزا بدأت تتدهور منذ عام 1985 بسبب تقدّمها في السن وأوضاع المرضى الصحيّة الذين اعتنت بهم، وعدم الاعتناء بصحّتها.  وانتقلت إلى رحمته تعالى في كالكوتا في الهند سنة 1997. ويُحتفل بعيدها في الروزنامة الكنسيّة في الخامس من أيلول وهو تاريخ وفاتها.  وأصبح عدد المنضمّين لرسالتها لدى وفاتها أربعة آلاف راهبة كرّسن حياتهنّ بشكل جذري لأفقر الفقراءيخدمنَ في 123 دولة في العالم .

توسّعت إرسالية الأمّ تريزا الخيريّة، وتضمّ 570 مركزًا لخدمة المرضى والفقراء حول العالم، تتولاّها اليوم 4690 راهبة، إلى جانب أخوية تتألّف من 300 عضو، وما يزيد عن مئة ألف متطوّع يعملون كلّهم في مراكز تتولّى العناية بمرضى الإيدز والبرص وغيرها من أمراض معدية غير قابلة للشفاء. إضافة إلى إطعام مئات الآلاف من الجائعين والعاجزين، ومراكز للرعاية الاجتماعية والأيتام. كما تخدم الراهبات في الأردن، وفي فلسطين : في بيت لحم وغزة ونابلس والقدس .

خاتمة

إنجازات الأمّ تريزا في رعاية المهمّشين والمرضى والمحتضرين عجزت عنها دول تلقّب نفسها عظمى، بل على النقيض من ذلك تقوم تلك الدول بإشاعة الدمار وإشعال الحروب كي تزيد أعداد المرضى والبائسين والمتضرّرين والعجزة والفقراء والمعاقين.  

سيرة الأمّ تريزا رسالة محبّةتنقلها إلى كلّ إنسان مؤمن ليتّخذ من حياتها قدوة وعبرة، ويمارس رعاية المريض والعاجز على الأقلّ في المحيط العائليّ كي ينال بركة الربّ عزّ وجلّ في حياته وبعد مماتهوتتمّ  في الأمّ تريزا أقوال السيّد المسيح في عظته على الجبل : ” طوبى للرّحماء لأنّهم يُرحمون …  أنتم نورالعالم  فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات  (متّى 5 : 4 وتابع ) .

بقلم أشخين ديمرجيان

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X