مادبا – بموكب احتفالي مهيب ترأس غبطة البطريرك فؤاد الطوال، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي في كنيسة القديس يوحنا المعمدان في مادبا احتفالاً باليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطته، حيث التئم الاساقفة والآباء الكهنة حول مائدة الرب مشاركينه في الذبيحة الإلهية.

وفي عظة القداس تحدّث البطريرك الطوال عن مسيرة خدمته الكهنوتية خلال الخمسين عاماً التي مضت، مستذكراً أبرز محطات خدمته في عدد من الدول.

وأضاف أن المرحلة الأهم في مسيرته وغربته كان ذا بُعد راعوي، واحتكاك متواصل مع الكنائس المحلية في امريكا اللاتينية وافريقيا. “فأصبح العالم الكبير طائفتي، ولمسنا بهذه المناسبات فرح التبشير برسالة الإنجيل من جهة، وحاجة وتعطش النفوس من جهة أخرى”.

وفي ختام القداس تلقى غبطته التهاني من الحضور بيوبيله الخمسين متمنين له سنين عديدة ومباركة.

يشار أن البطريرك فؤاد الطوال من مواليد محافظة مادبا عام 1940، أكمل تعليمه في المدرسة الإكليريكية في بيت جالا.  رسم كاهناً عام 1966 وعمل مدة خمس سنوات بصفة كاهن مساعد في البطريركية. أُرسل لاحقا إلى روما حيث تابع دراسته في الحق القانوني والقانون الدولي، وقضى سنتين في التخصص في الأكاديمية الحبرية الكنسية ونال شهادة الدكتوراة في الحق القانوني من جامعة اللاتران الحبرية.

انخرط في السلك الدبلوماسي الفاتيكاني عام 1967 حيث عُيّن كقائم بأعمال في السفارة البابوية في الهندوراس وعاش هناك مدة ست سنوات أتقن خلالها الإسبانية. بالإضافة لعمله في السفارة فقد كان يقوم أيضاً بخدمات رعوية مختلفة في الكنائس المحلية. وفي عام  1982عاد إلى   الفاتيكان ليعمل في أمانة سر الدولة حتى عام 1985وكانت قد أوكلت إليه مهمة 19 دولة افريقية ناطقة باللغة الفرنسية.

عمل بعد ذلك كدبلوماسي في مصر. وفي المانيا عام 1988تمكن هناك بسبب عمله في خدمة رعية صغيرة من تعلم اللغة الالمانية. وفي  عام 1990 عاد مجدداً إلى امريكا الجنوبية ليستلم مهامه كمستشار في السفارة البابوية في عاصمة ليما البيرو ولم تمنعه وظيفته تلك من أن يكون كاهناً لأبناء كنيسته من الفلسطينيين المغتربين في تلك البلاد.

تم تعيينه وسيامته عام 1992 كأسقفاً حبرياً لأبرشية تونس، وتمت ترقيته عام 1995 ليصبح رئيس أساقفة. وكان أول عربي يشغل منصب رئيس أساقفة تونس للكنيسة الكاثوليكية حيث كانت تعتبر كنيسة المنطقة امتداداً للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية ماوراء البحار، وبالتالي كان يتم تعيين رعاتها من الأساقفة الفرنسين. في عام 2005 عينه البابا معاوناً بطريركياً على القدس.

بتاريخ 21 حزيران 2008 سلم البطريرك ميشيل صباح عصا السلطة البطريركية لخلفه فؤاد الطوال، وفي اليوم التالي الأحد 22 حزيران احتفل بتنصيبه بطريركاً جديداً لكنيسة اللاتين في القدس وذلك في كنيسة القيامة. وفي 23 حزيران أقام الطوال قدّاسه الأول كبطريرك في الكنيسة ذاتها.


النص الكامل لعظة البطريرك الطوال خلال الاحتفال باليوبيل الكهنوتي الذهبي لغبطته:

إخوتي الأساقفة الأجلاء،

سيادة السفراء المعتمدين لدى المملكة الأردنية الهاشمية،

الأصدقاء، فرسان القبر المقدس،

إخوتي الكهنة، أخواتي الراهبات،

أيها الحفل الكريم الأهل والأقارب والأصحاب،

لا يزال البعض من الذين شاركونا الحفل قبل 50 سنة، وقد أشرف عليه المرحوم قدس الأب جورج سابا، يوم خَرَجَت مادبا للقاء إبنها الكاهن الجديد، موجودين معنا. ولا تزال بعض الذكريات الجميلة حية في القلب والذاكرة. نصف قرن في خدمة الكنيسة والناس. في هذه الفترة عملت في  خدمة راعايانا (رام الله، إربد، الهاشمي وماركا) مدة خمس سنوات قبل أن التحق بخدمة الكنيسة الجامعة. وكانت أول سنين عملي في السلك الدبلوماسي الفاتيكاني في أمريكا الوسطى: هندوراس، حيث التقيت بالكثيرين من أهالي بيت جالا وبيت لحم.

انتقلت بعدها إلى وزارة الخارجية الفاتيكانية. ثم القاهرة والمانيا، حيث واكبت هدم الحائط الفاصل بين شطري برلين وتوحيد المانيا. كانت فترة غنى روحي وخبرة تاريخية. زمن الخدمة في كل سفارة يتفاوت عادةً بين 3-4 سنوات في كل بلد. وتنقلاتنا لا تُعد ترفيعاً أو ترقية ولا مكافأة، إنما هي مرتبطة كلياً بنوعية العمل الدبلوماسي وبحاجة الكنيسة الجامعة وزيادة خبرة.

كان بُعدنا عن الأبرشية وعن الوطن والأهل والأقارب قد زادنا تعلقاً بالوطن والأهل والأبرشية. كان في الإمكان في كل لحظة، أن نتراجع عن الطريق الذي بدأنا السير فيه خارج الأبرشية، أن نقبل بخدمة طائفة صغيرة في هذه البلاد العزيزة. كان في الإمكان أن نقبل بطريقة عيش، فيها الراحة والاستقرار بالقرب من الأهل والإخوة الكهنة، بدلاً من التنقل المستر بين القارات، بما في هذا التنقل من جديد وخبرة.

كان في الإمكان أن نقبل الجلوس في دير معين وراء مكتب، وننظر إلى العالم يتحرك أمام أعيننا، كما ننظر إلى شاشة التلفزيون، ننظر إلى الكنيسة في مسيرتها التاريخية تتململ، تتحرك وتُبشر، تنجح في بعض الأحيان وتفشل في لحظات أُخرى. كان في الإمكان أن نقبل بدور المشاهد للحوادث بدلاً من صانع الحوادث، دور من يقبل قراءة التاريخ، بدلاً من صانع التاريخ.

تنقلاتنا بنفس الحماس وبروح الطاعة، لم تكن من طائفة إلى أخرى، ولكن من قارة إلى قارة ومن لغة إلى لغة حسب رغبة المسؤولين وحاجة الكنيسة الجامعة. حياة الغربة هذه، حياة الدبلوماسية التي عشتها قبل الرجوع إلى العمل الراعوي في تونس و في البطريركية اعطتنا خبرة وبعد كنسي عالمي.

المرحلة الأولى في خدمة الكرسي الرسولي، تتكون من اللقاءات بحكم العمل مع رجالات هذا العالم من ملوك ورؤساء وسُفراء عرب وأجانب. كان دوري في مثل هذه اللقاءات، دور المستمع الصاغي لصوت الكنائس المحلية، والممثل لدولة الفاتيكان، أصغر دولة مساحةً وعدداً، وأقواها معنوياً وأدبياً. ثم إعطاء صورة واضحة عن الوضع القائم مع عرض بعض الحلول. وكانت القرارات تُؤخذ على مستوى أعلى من مستوانا. وهنا كنا نلتقي مع طموح البعض واطماع البعض الآخر، من ركض وراء مصالح اقتصادية أو سياسية، إن كان ذلك على مستوى مؤسسات أو دول.

المرحلة الثانية، والأهم التي عشتها في مسيرتي وغربتي هي بُعد راعوي، احتكاك متواصل مع الكنائس المحلية في أمريكا اللاتينية وفي إفريقيا. فأصبح العالم الكبير طائفتي، ولمسنا بهذه المناسبات فرح التبشير برسالة الإنجيل من جهة، وحاجة، وتعطش النفوس من جهة أخرى.

التقيت مع كهنة وراهبات كانوا مثال التضحية وروح الفقر، تركوا كل ما هو راحة واطمئنان (في أوروبا وأمريكا) ليلتحقوا بقبائل في افريقيا وامريكا اللاتينية،  لم تعرف بعد الحضارة ولم تسمع بعد كلمة الإنجيل. تركوا كل شيء ليصلوا إلى الإنسان، ولكي يصلوا إلى هذا الخروف الضال، كان لا بد من السير في قوارب صغيرة لمدة اسبوع، أو على ظهر الخيل لعدة ايام بين الغابات، عرضة للخطر والموت في كل لحظة. موت على أيدي الثوار الذين هربوا من حكامهم والتجأوا إلى هذه الغابات الأمازونية. موت وتسمم ناتج عن المرض، أو الشرب من مياه ملوثة أو الضياع في الغابات نفسها.

لمثل هؤلاء الفدائيين لقضية المسيح، ونشر إنجيله ورسالته، أعطيت اهتمامي وولائي، وكل ما كان باستطاعة السفارة البابوية أن تقدم لهم من خدمات. منهم تعلمت معنى التضحية لأجل الكنيسة. منهم تعلمت الإتكال عليه تعالى حتى في أصعب المواقف. منهم تعلمت أن أخجل من حدودي. منهم تعلمت أن أجدد ترتيب سلم القيم في الحياة في حياتي الكهنوتية. منهم تعلمت أن أصمت وأعمل بصمت رغم التهليل والمدح وتصفيق الجماهير، ورغم الانتقادات والتجريح ونكر عرفان الجميل، حتى ممن كانوا موضع ثقة.

المرحلة الثالثة، والتي لا بدّ منها بعد كل لقاء، إن كان ذلك لقاءً مع العالم وقياداته، أو اثناء الزيارات الراعوية للكنائس المحلية. اللقاء الثالث الذي كان يتبع كل لقاء، والذي لا بد منه، هو لقاء بسيط جداً، على انفراد، في زاوية الكنيسة، أمام الهيكل والقربان. لقاء مع الله دون أي ضجّة إعلامية. في هذا اللقاء، كنا نجد الراحة والتعزية وقوة للمتابعة. في هذا اللقاء كنا نسمع صوت الله لأشعيا النبي: “لا تخف أنا معك اسير”، وصوت المسيح: “ليس التلميذ أفضل من معلمه”. ونعلم كيف كانت معاملة المعلم وكيف انتهت حياته. من خلال هذا اللقاء مع الله، هناك لقاء مع النفس ولقاء مع الناس، كل الناس، لقاء مع الأهل والمحبين والأصحاب تتلاشى أثناءه كل المسافات والفروق، تضمدّ كل الجروح، ولا يبقى سوى الهدوء الداخلي والمحبة الأخوية.

وإن كان اللقاء الأول مع حكام وملوك هذا العالم معطى فقط لعدد قليل، وإن كان اللقاء الثاني مع المرسلين في غابات أمريكا اللاتينية، وجبال البيرو متاح لمن وافاهم الحظ بذلك، فاللقاء الأخير مع الله في صمت في خلية مع النفس، متاح للجميع. وإذا انطلقنا من فكرة جسد المسيح السري، المكون من جميع المسيحيين، نصبح جزءاً من الكنيسة الجامعة، جزءاً من المسيحيين المزروعين في أبعد المناطق والمتاوجدين في رعايانا العزيزة. بصلاة قصيرة لأجلهم، وركعة صغيرة أمام القربان، بفعل إيمان ومحبة، تتلاشى كل المسافات ونصل حيث هم موجودون نساعدهم في رسالتهم.

هذا هو أملي اليوم، بمناسبة احتفالنا باليوبيل الذهبي، أن تذكروني بصلاة أخوية كما أذكركم جميعاً في صلاتي ومحبتي. أردد شكري لله الرحيم الذي منحني نعمة الكهنوت، التي لا استحقها، ولأمه العذراء، التي حمتني دوماً في سفري وفي غُربتي. شكري العميق لاخوتي الأساقفة فرداً فرداً، الكهنة، الراهبات، ولجميع الموجودين والغائبين والذين سبقونا إلى الديار الخالدة. وشكري لأبناء مادبا ولجميع الأهل والأقارب والأصدقاء الذين أشعروني دوماً بمحبتهم وصداقتهم.


المصدر: نورسات الأردن

تصوير: عيسى كرادشة

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X