حدثت تطوّرات في الكنيسة الكاثوليكية في فلسطين والأردنّ، منها تعيين كاهنين فرنسيسكانيين، أحدهما مدبّرًاً رسوليًّا مؤقّتًا ًللبطريركيّة اللاتينيّة، وثانيهما حارسًا للاراضي المقدّسة وهو قادم من إيطاليا. وتمّت مقابلات وكُتبت مقالات منها نُشر في صحيفة “القدس” الغرّاء وفي موقع “أبونا” وسواهما.

تروم هذه السّطور أن تستعين بالتّاريخ الماضي، والواقع الحاضر، لترسم خطوطًا عريضة، يعرفها أولو العلم، ولكن طواها النسيان ،أو دفنها الجهل، أو شوّهتها مصالح مِلَل ودول كتبت على هواها التاريخ.

شأن القدس : أمّ الكنائس وآخر البطريركيّات زمنًا !

البون شاسع بين المبدأ والواقع، بين الحُلم (بضمّ الحاء) والعلم. مبدئيًّا، المدينة المقدّسة هي زهرة المدائن وأمّ الكنائس، مبدئيًّا هي “مدينة الملك العليّ” ،وفيها عرش المسيح سليل داود. وكان مفروضًا أن تكون هي رأس كلّ الكنائس. ولكنّ الحقيقة والضرورة والرسالة الشاملة للبشرى السارّة، قضت أن يسافر أمير الرسل بطرس الصخر إلى عواصم العالم القديم، وهي قيصرية البحر ثم إنطاكية ثم روما “رأس العالم”، لكي تخرج المسيحية من “جيتو” العبرانيين، ومن منطقتهم المحدودة، ومن عقليتهم القبلية الصحراوية العنصرية الضيّقة، ومن اللسان الآرامي الذي أخذوه من بلاد ما بين النهرين، لتنفتح آفاقها الجغرافية واللغوية والحضارية إلى اليونانية التي كانت لسان العالم المتحضر آنذاك (وإلى هذا اللسان نُقلت الأناجيل). وهكذا بقيت القدس أمّ الكنائس – ورائحة الأمّ تلمّ، وعليها يتّفق جميع المسيحيين، وصارت روما  العاصمة الإداريّة كما يشهد القديس إيريناوس: “بعد أن أسس الرسولان الطوباويّان كنيسة روما وكّلا إدارتها إلى لينوس ثم تبعه كليتوس…”.

وما أتت تلك التطوّرات اعتباطًا، ولا قرار القدّيس بطرس عبثًا، بل بناءً على إلهام ربّاني وعبقريّة إنسانية نادرة. وأثبتت العناية الإلهيّة صدق حدس أمير الرسل، فقد كانت القدس زمنيًّا آخر بطريركيّة أُعلِنت أي في مجمع خلقيدونية سنة 451 م، وذلك بجهود أسقفها الطموح “يوفيناليس”. وأتت “أمّ الكنائس”- على عظيم شأنها – بعد روما وإنطاكية والقسطنطينيّة (بعد سنة 320 م) والإسكندرية. وكانت رحمة الله على الأحبار الرومانيين نوّاب المسيح على الأرض واسعة، إذ نعمت روما بالسلام والسكينة (مع فترات صعبة منها هجوم البرابرة في القرن الخامس، وإهانات من الأمبراطورية الفرنسية والملحدين الإيطاليين). ولكن هذه المنغّصات ما كانت شيئا وليست شيئا، بالمقابلة مع المصائب والنوائب التي حلّت بكرسي القدس الاسقفي البطريركي على يد العبرانيين والفرس وغيرهم ، إذ لا يبدو أنّ شعبًا قويًّا ما احتلّ فلسطين في زمان جبروته…

مبدئيًّا “الشّرق للشّرقيّين” …

هذا ما كان يردّده الوالد، رحمه الله، وكان من أصل أرمني وقبطيّ ولكن عُمّد في الطقس اللاتيني. ولكن هنا أيضًا للتاريخ كلمته وللواقع لا للأحلام ضرورته. كانت كنيسة القدس متّحدة بكرسي روما، وتشهد بذلك كتابات بطريركها القديس العظيم صفرونيوس، الذي وصف روما بأنّها “الكرسي الرسولي حيث العقائد القويمة”، وأنها “بمثابة المنارة لجميع الكنائس تحت الشمس”. منذ البداية كان هنالك رومانيّون “لاتين” مسيحيّون وعلى رأسهم الضابط الروماني من الفرقة الإيطالية قرنيليوس، وقد عمّده وكلّ أهل بيته القدّيس بطرس الرسول (أعمال الرسل 10). وتألّق القدّيس هييرونيموس (القرن الرابع) في نقل الكتاب المقدّس تحت مغارة المهد، قادمًا من روما، حيث كان أمين سر البابا داماسوس. وكانت بطريركية القدس منذ سنة 451 كاثوليكية بمعنى اتّحادها ببابا روما. ولا يجد المرء أية وثيقة انشقاق بين الكنيستين. وعندما أتى الفرنجة ما وجدوا بطريرك القدس الذي كان قد هرب وإكليروسه إلى جزيرة قبرص. ويبدو أنّهم طلبوا منه العودة فاعتذر لمرضه وأرسل إليهم هدايا. فأقاموا البطريركيّة اللاتينيّة للقدس في الأول من آب أغسطوس سنة 1099. وكانت هنالك رهبنة الكرمليين في الجليل. وسنة 1209م أسس القديس فرنسيس الأسيزي رهبنة الفرنسيسكان و”حراسة الأراضي المقدّسة” سنة 1217 والتقى بالملك الأيوبي الكامل سنة 1219.

هكذا، في القدس وسائر المقدّسات – ما خلا جبل الكرمل- قام الرهبان الفرنسيسكان بحراسة الأماكن المقدّسة المسيحيّة وخدمتها إلى أيّامنا. وأقام “الحارس” أي رئيسهم الإقليمي لفلسطين والأردن ولبنان وسورية ومصر وقبرص – في العلّيّة على جبل صهيون حتى سنة 1551 عندما طُرد الفرنسيسكان منها بـتأثير من نفر من العبرانيين قالوا أنّ في المكان قبر النّبيّ داود (مع أنّ الكتاب المقدّس يكتب أنه دُفن جنوبًا في “الأوفيل”).

بقيت بطريركيّة القدس غير الكاثوليكية سريانيّة الطقس (لا بيزنطيّة) سريانيّة الرتب الكنسية في القرى، وسريانية الطقس ولكن باللغة اليونانية في المدن. ولم تُصبح بطريركية القدس الأرثوذكسيّة “بيزنطية” ويونانيّة الرئاسة إلاّ في زمن الحكم التركي العثماني بنفوذ بطريرك اسطنبول على الباب العالي، وبشخصية البيلوبونيزيّ “يرمانوس” الذي حلّ محلّ البطريرك العربي.

فإذا كانت بطريركيّة القدس اللاتينيّة تعود إلى زمن الفرنجة في القرن الحادي عشر، فبطريركيّة الروم الأرثوذكس كبيزنطيّة ويونانية الرئاسة (حتى أيامنا) ترجع إلى الأتراك العثمانيين في القرن السادس عشر خصوصاً بعد سنة 1516 وبالذات سنة 1534.

أمّا وجود الطقوس الشرقيّة المتّحدة مع روما، فكان وما يزال كثيفًا في الجليل (ولعلّها كانت بلدًا واحدًا مع لبنان وسورية حتى 1949) ولكن ضعيفًا في جنوب فلسطين اي القدس وبيت لحم. وما بدأ وجود الروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك إلاّ بعد القرن الثامن عشر. ومن أوّل أساقفة الروم الكاثوليك على القدس المطران ميليتشيوس فنده، وكان عدد المؤمنين حينها عشرة أشخاص. أمّا الكنيسة اللاتينيّة فإنها تتميّز ببطئها وبما يمكن أن يُسمّى “بخلها” أو “شحّها” في تنصيب أساقفة وفي إعطاء لقب “رئيس أساقفة”. وبما أنّ الكاثوليك الشرقيين من موارنة وروم كاثوليك وسريان كاثوليك كانوا قلّة في القدس وبيت لحم وبما أن معظمهم أتى بعد سنة 1852 ، حيث حدّد الأتراك العثمانيون حقوق الطوائف المسيحية في المقدّسات، أي المهد والقيامة وقبر العذراء، فلا مكان للشرقيين الكاثوليك وطقوسهم في هذه المقدّسات.

راهب فرنسيسكانيّ إيطاليّ “مدبّر رسوليّ” لبطريركية القدس اللاتينيّة

في براءة بابويّة مؤثّرة مأثورة عنوانها “ما من كنيسة أشهر من القدس”، أعاد الحبر الأعظم بيوس التاسع في الثالث والعشرين من تمّوز يوليو سنة 1847 تثبيت كرسي البطريركية اللاتينية، حرصًا منه على حقوقها في المقدّسات ورسالتها الروحانية والإنسانية لدى أهل الديار المقدّسة قاطبة، وقد نعمت الكنيسة حينها بحماية ممالك ودول غربيّة غيورة على الخير والتقوى (بخلاف معظم دول الغرب اليوم!). ومنذ البداية أراد الحبر الأعظم أن يكون البطريرك إيطاليًّا، للتسامي فوق الصراعات والتنافس المحلّي، ولقلّة عدد الكهنة المحليين الفلسطينيين والأردنيين. وبقي البطريرك إيطاليًّا ، مع رسامة أساقفة عرب أوّلهم المطران منصور جلاّد من يافا، حتى السابع والعشرين من كانون الأول ديسمبر 1987 حيث عيّن الفاتيكان – بناء على استفتاء بين الكهنة – كاهنًا فلسطينيًا، الأب ميشيل اسعد صبّاح، من الناصرة، كأوّل بطريرك عربي في البطريركية اللاتينية الحديثة. وخلفه حتى هذه السنة المنسنيور فؤاد بطرس الطوال حتى موعد تقديم استقالة غبطته لبلوغه السن القانونية.

ليس غريبًا على الفاتيكان تعيين “مدبّر رسوليّ” في ظروف صعبة، مثل تلك التي حلّت بفلسطين وبالبطريركية اللاتينية بعد وفاة البطريرك لويس برلسينا، الذي كان شديد الغيرة والحزم، ولكن خاب أمله في تأمين استقلاليّة ماليّة للبطريركيّة، لكثرة الضرائب الباهظة التي فُرضت على بعض من مشاريعه، فأثقلت الديون كاهل البطريركية. وعيّن الفاتيكان المطران غوستافو تيستا مدبّرًا رسوليّا. وسنة 1949 بعد النكبة أراد الحبر الأعظم أن يستعين بحراسة الأراضي المقدسة الفرنسيسكانية، لخبرتها وطول باعها بالمقدسات وبإدارة الأمور، فعيّن الحارس الأب ألبرتو غوري بطريركًا لاتينيًّا على القدس. وكان من الكهنة الفرنسيسكانيين قبله قد أصبح في العهد الحديث بطريركًا للقدس مثل الأب لودوفيكو بيافي.

أغلب الظنّ أنّ بطريرك اللاتين القادم لن يكون إيطاليًا، وذلك منذ عهد البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، وبعد تدويل البابويّة ومجلس الكرادلة وإدارة الكنيسة في روما ببابوات من بولندا وألمانيا والارجنتين. فالبطريركيّة عربيّة بأهلها الأصليين، والأجانب الموجودون فيها للعمل المؤقّت والناطقون بالعبريّة عابرو سبيل، وإن كانوا قد كثروا.

حارس جديد للأراضي المقدّسة قادم من إيطاليا

أمّا قدس الأب فرانشيسكو باتون فما عيّنه الفاتيكان حارسًا للأراضي المقدّسة بل انتخبه المجلس الأعلى للرهبنة الفرنسيسكانيّة. صحيح أنّه منذ زمن كان الحارس يُنتخب من كهنة الحراسة لا من خارجها. ولكن الرهبنة دوليّة وقد وسّعت قوانيها، إذ كان يجب أن يكون الحارس إيطاليًا والوكيل المالي إسبانيًّا والأمين فرنسيًّا وهكذا، لا من باب العنصريّة بل لإرضاء كلّ المجموعات الكبيرة…

خاتمة

الأفراد لا يعنون بقدر ما يهمّنا وضع البلاد المقدّسة المأساوي وسائر المشرق. وتسعى الكنيسة إلى أن تولّي قدر الإمكان الرجُل المناسب في المكان المناسب، وإن كانت أحيانًا تخفق أو تخطأ، فالمسألة إدارية لا دينية ولا أخلاقية. وكان خلق كثير يفضّل تعيين أسقف عربي حتى من خارج الأردن وفلسطين مدبّرًا رسوليّاً، كما تفعل الكنائس الشرقيّة الكاثوليكية. ولكن قداسة البابا فرنسيس معروف بشغفه بالقدّيس فرنسيس وبالرهبنة الفرنسيسكانيّة.

أعان الله كلّ مسؤول في الكنيسة والمجتمع والوطن، ليأخذ مهمّته محمل الجِدّ، لا كرسيًّا للنفوذ والتحكّم، بل موضع خدمة كما قال السيّد المسيح: “من أراد أن يكون فيكم كبيرًا، فليكن لجميعكم خادمًا”.

      

  بقلم الأب د. بيتر مدروس

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X