Homélie

الأحد الثّالث والعشرون أ للسّنة ٢٠١٧ م

المحبّة لا تلحق بالذّات شرًّا ولا تغيّر الإيمان!

(رومية ١٣: ١٠ وتابع)

بقلم الأب بيتر مدروس

المحبّة للقريب ثمّ للقريب ثمّ للقريب!

نعم، ولا أجمل من المحبّة، فالله محبّة. فهمنا، نحن المسيحيّين، أنّ المحبّة لا تُلحق بالقريب شرًّا، كما كتب لنا مار بولس في قراءة هذا الأحد، حيث قال أنّ محبّتنا للقريب هي دَيننا الوحيد نحوه“. ولو كتب رسول الأمم الإناء المختار بالعربيّة لاستخدم هذه العبارة: “محبّتنا للقريب دَينُنا ودِيننا“(بفتح الدّال وكسرها). وأفهمنا يسوع درسًا أعمق: لا تُلحقوا بالقريب شرًّا باسم الله (كما يشدّد البابا فرنسيس). لا تسرقوا القريب باسم الله” (كما يوصي التّلمود للوثنيّين)، لا تقتلوا القريب في سبيل الله، لا تستعمروا القريب باسم الله“. وبنعمة المسيح فادي الإنسان، تغلبّت الكنيسة بهدى الإنجيل على كلّ أنواع العنف والاستغلال والاستعباد والتّجاوزات والجرائم والإبادات باسم الله“. بالفعل، وضع يسوع قُطبَين: القُطب الإلهيّ والقُطب الأخلاقيّ الأفقيّ. القُطب الإلهيّ الّذي لا حدّ له: “الله محبّة“. والقُطب الأخلاقيّ: لا عنف ولا حكم إعدام ولا استغلال الغيرة على ملكوت اللهوالتّقوىفي سبيل إيذاء البشر، كما اعتقد، بالطّفولة الرّوحانيّة والأخلاقيّة، بعض كُتّاب الميثاق العتيق الّذين نقلوا إلينا تقاليد شعبيّة ظنّت أنّ الله طلب من شعبه أن يبيد الوثنيّين ويسبي نساءهم وأولادهم ويقتل رجالهم ويحرق ممتلكاتهم…”. وزاد يسوع الوصيّة الإلهيّة الفريدة: “أحبّوا أعداءكموأحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا“. أمّا محبّته هو، له المجد، لنا، فهي أكبر حبّ إذ ما من حبّ أعظم مِن حُبّ مَن يبذل حياته في سبيل أحبّائه“.

ولا يظلم المرء أحدًا ولا يحكم اعتباطًا وباطلاً عندما يستنتج أنّ عقليّة العهد القديم والتّلمود ما زالت قائمة لدى خلق من العبرانيّين والمستوطنين كثير (خصوصًا في كتاب صدر عن حاخامَين من مستعمرة يتسهاربقرب نابلس الطّريق الملوكيّة  דרך המלך، إذ كتبا :”يجوز قتل أطفال العرب إذا شعر اليهوديّ بأي خطر منهم!”). والحقّ أنّ هذه العقليّة الثيوقراطيّةالقاتلة موجودة أيضًا عند غير مسييحيّين في الشّرق الأوسط وأنحاء أخرى من العالم.

وإذا قال قائل: “الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة فعلت هذا في العصور الوسطى“. “ثانيًا“: غالبًا  يهربكثيرون إلى كنيسة العصور الوسطىالغربيّة ليغطّوا بل ليدفنوا تمامًا الضّيقات والاضطهادات والمجازر والإبادات الّتي كانت الكنيسة الكاثوليكيّة وشقيقتها الارثوذكسيّة تخضعان لها في الشّرق الأوسط والأقصى. وأوّلاً“: إذا فعل بعض رجال الدّين أيّ قتل أو استعمار أو استغلال باسم الله، فقد خالفوا قدوة يسوع ونور الإنجيل المقدّس. لذلك، كان هنالك مجال فسيح لإصلاح تلك الأخطاء التي ما تحمّلها الضّمير المسيحيّ، في حين أنّ لا مجال لإصلاح ما يحسبه البشر أمرًا من عند الله ووصيّة وفريضة وواجباً مقدّساً ورد باسم الله في كتاب مقدّس“” (جان جاك والتر).

حدود محبّتنا للقريب

في زمن الأُمّيّة الدّينيّة” (العبارة من قداسة البابا العبقريّ بندكتوس السّادس عشر) وخلط الأوراقوالضّلال والتّضليل، يجب أن نُوضِح أفكارنا بنور كلمة الله وقدوة يسوع. يقدر المؤمن أن يضحّي بحياتهفي سبيل أولاده أو رعيّته أو للدّفاع عن الإيمان والأخلاق المسيحيّة ومبادىء الآداب والشّرف. ولكن يجب أن يكون المؤمن حكيمًا كالحيّة وديعًا كالحمامة” (عن متّى ١٠: ١٦)، فلا يعرّض حياته للموت بلا سبب، ففي تعريض الحياة للخطر مخالفة للوصيّة لا تقتل“. “لا تقتلغيرك، ولا تقتل نفسك. “أحبب قريبك حبّك لنفسك“.

من أنواع المحبّة المزيّفةللقريب

بيّن قدس الأب اليسوعيّ الفيلسوف هنري بولاد للغرب أنّ لا محبّة بلا ذكاء، وأنّ استقبال بشر سوف يطردوننا من أوطاننا ليس مسيحيًّابل هو غباوة، وقد يكون مشاركة في الخيانة وتواطؤًا مع الإلحاد الكاره للمسيحيّة (فيليب ده فيلييه). ومع الأسف، تكرار العمليّات الإرهابيّة في الغرب من لاجئينأو طالبي لجوءأو مهاجرين” – أو مجنَّسين من الجيل الثّالث“- هو خير دليل على أنّ استقبالهم وتجنيسهم لم يكونا فِعلَي محبّة للقريب مسيحيّةبل محبّة مزيّفةمدمّرة للكنائس وعدوّة للحياة وللإيمان المسيحيّ واستهتار بحياة البشر المساكين المواطنين الّين كانوا قبل هذا الاستقبال والتّجنيس آمنين. وتأتي أحداث مدريد ولندن وباريس وبروكسيل (خصوصًا انطلاقًا من ضاحية مولنبك) وبرلين ونيس وبرشلونة وسواها لتثبت لأولي الألباب أنّ المحبّة المسيحيّة الحقيقيّة تعمل للحياة لا للموت وللوفاق لا للشّقاق وتتجنّب بحكمة الحروب الدّوليّة والأهليّة.

لا محبّة بلا إيمان ولا استقامة في العقيدة

ما فصل العهد الجديد قَطّ بين المحبّة والإيمان، مع أنّ الإيمان سيزول بالرّؤية في الفردوس. ولكنّنا نشهد منذ عقود في الغرب عيبًا تسرّب أحيانًا إلى شرقنا المنير وهو : بذريعة أو برغبة المحبّة للقريب، يقوم مسيحيّون، خصوصًا كاثوليك“(!)، بتشويه الإيمان المسيحيّ أو تبخيره أو تكييفهأو تمييعه، حرصًا على مشاعر غير المسيحيّين، من جهة، وانطلاقًا من المحبّةالزّائفه ذاتها يرفعون شأن أديان أخرى وكتب مقدّسة عندها، على حساب الحقيقة والعقيدة المسيحيّة. في الشّرق تأتي بعض هذه المواقف اللاإيمانيّة من مُركّب النّقص والأقلّيّة، ومن باب التّملّق لغير المسيحيّين واسترضائهم وخشيتهم، وفي الغرب تأتي من عودة لاشعوريّة إلى الوثنيّة واللاّمبالاة، نعم، إلى وثنيّة الإمبراطوريّة الرّومانيّة الّتي كانت تضمّ إليهاأو تحضنكلّ معبودات الشّعوب المهزومة لتضمن ولاءها، أو من غوغائيّة وفوضويّة تُشبه تعاطف سليمان الّذي أضاع حكمته بتعدّد زوجاته وإمائه ومجاراته لنسوته الوثنيّات وإقامته معبدًا لكلّ معبود من معبودات كلّ منهنّ على جبل العثراتالواقع على راس العامودفي القدس.

مثال مؤلم خطير : مؤتمر بين الأديانوكتاب في الثّمانينات من القرن الماضي حول الكتب المقدّسة الّتي تطرح علينا أسئلة

صدر في الفرنسيّة سنة ١٩٨٧ كتاباً عنوانه يحمل التباسًا خطيرًا إذ يضع الكتاب المقدّسعلى مستوى كتاباتأخرى تقدّسها ديانات أخرى. في فترة أولى، يطرح الكُتّاب أسئلة مشروعة (معروفة أجوبتها): “أتوجد بعد العهد الجديد كتابات مقدّسة مُلهَمَة مُوحى بها؟ أكان الله بحاجة إلى وحيبعد إرسال المسيح كلمته المتجسّد؟ أيناقض الله نفسه بين إنجيل يؤكّد صلب المسيح وكتاب مقدّس آخر لدى آخرين ينفي هذا الصّلب؟

وبدل أن يكون المشاركون المسيحيّون نزهاء واضحين، اجتنبوا أن يستشهدوا بالكتاب المقدّس الّذي يؤكّد (عبرانيّين ١: ١) أنّ الله بعد أن كلّم الأنبياء قديمًا بشتّى الوسائل خاطبنا أخيرًا (أو: في هذه الأيّام الأخيرة) بالابن الّذي هو صورة جوهره“. وفي مَثَل الكرّامين القتلة، كان الرّبّ يسوع له المجد قد عبّر عن هذه الفكرة: يقرّر صاحب الكرمة أن يُرسل آخِر الكلّابنه بعد أن قتل الكرّامون مُرسَليه. وفعلاً، بالمنطق، بعد أن يتجسّد الله، لا داعي لأن يأتي أحد كنبيّ أو مُرسَل بعد الكلمة المتجسّد، وبعد بشارة الخلاص والفداء والتّبنّي والملكوت، لا مجال لبشرى أخرى، خصوصًا إذا أتت مناقضة للإنجيل في نقاط إيمانيّة جوهريّة ومخالفة تمامًا لأخلاقيّات الإنجيل والتّطويبات والمشورات الإنجيليّة.

ولكن، ها هم لاهوتيّون” (معظمهم أعاجم، لحسن حظّنا نحن الشّرقيّين!) يلفّون ويدورون، وقد نسوا أنّ المحبّة لا تفرح بالظُّلم، بل تفرح بالحقّ” (١ قور ١٣: ٦) وأنّه عليهم أن يعملوا للحقّ في المحبّة” (أفسس ٤: ١٥)، فضحّوا بالحقيقة على مذبح المحبّةالمغلوطة، وفرحوابغير الحقيقة، سواء أعلنوا خلاف الحقيقة عن حسن نيّة أو رغم وعيهم أنّهم يجانبونها.

وهكذا، حملتهم محبّتهمالزّائفة لقريبهم غير المسيحيّ إلى تشويه الإيمان والحقيقة. نقرأ في ص ١٠١: “نصوص العهد الجديد تُعلن كمال الحياة في المسيح (هذا صحيح) ، ولكن هذا لا يصل إلى حدّ  القول أنّ الوحي بيسوع المسيح هو مُطلَق ونهائيّ بحيث لا يدع مجالاً لأيّ وحي آخر بعده أو خارجًا عنه“! فمن أجل خاطرغير المسيحيّين، جعل أولئك الأعاجم وحي العهد الجديد نسبيًّا وقابلاً للزّيادة أو للتّطوير“. أين هم من التّعليم المسيحيّ الّذي يلخّص ما ورد في الكتب المقدّسة كالتّالي: “انتهى الوحي والإلهام الكتابيّان بموت آخر رسل المسيح، يوحنّا اللاهوتيّ، في سِفر الرّؤيا؟

وانحدر القوم من محبّتهم للبشر إلى محبّة مذاهبهم النّاقصة أو الّتي تحوي عيوبًا، خصوصًا في مخالفتها الصّريحة للإنجيل المقدّس” (أجيديوس ده سيليدس). واجتهد أصدقاؤنا” “المحبّون المتسامحون واسعو الآفاق والصّدورفي إيجاد إيجابيّات نسبوها إلى ديانات أخرى، متجاهلين السّلبيّات الواردة في تلك المصادر نفسها (ص ١٠٤).

وأسلفنا في أحاديث سابقة، أنّ محبّتنا للقريبواحترامنا لمشاعرهملا تبرّر ولا بأيّ شكل من الأشكال إزالتنا نحن لرموزنا المسيحيّة من مدارسنا ومؤسسّاتنا، فقد قال الرّبّ: “من يستحيي بي أمام النّاس، أستحيي أنا به أمام أبي الّذي في السّماوات“. ولا يجوز لنا نحن المسيحيّين أن نزيل الصّليب، موضوع فخرنا الوحيد (غلاطية ٦: ١٤). ولا يجوز لنا استبداله بأيّ رمز آخر، إرضاءً لأيّ إنسان أو جهة (كما يفعل كثير من الإنجيليّينولا سيّما الأمريكيّين الّذين لا يرى المرء في معابدهم إلاّ نجمة داود والشّمعدان العبريّ والعلم الإسرائيليّ).

خاتمة

كان الوالدرحم الله روحهيردّد مَثَلاً حكيمًا شعبيًّا: “إنفع صاحبك في شيء لا يضرّك، ولعلّه تفسير بسيط لأحد معاني الوصيّة: “أحبب قريبك حُبّك لنفسك!”

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X