بيت لحم – شارك الدكتور سامي باشا بكتابة فصل عن سيرة المرحومة الدكتورة جاكلين صفير وفكرها في المجال التربوي التعليمي، وذلك في كتاب “تاريخ التربية الخاصة”، الذي تم نشر ه مؤخراً في إيطاليا ويحمل الفكر البيداغوجي الشمولي لهذه المربية المسيحية الفلسطينية والتي توفيت عام 2013.

فقد صدر هذه المؤلف هذا العام 2016 بتقديم من البروفيسور بييرو كريسبياني Piero Crispiani، حيث يعتبر عملاً تاريخياً عظيماً ونتاج تعاون العديد من أساتذة الجامعات المختصين والمحاضرين الذين أرادوا تسليط الضوء على انتاج فكري فريد ومثير للاهتمام لشخصيات تربوية فذة، منها القديم والحديث في علوم التربية الخاصة. كما أن لحداثته وأصالته أساس في اعتباره كتاب علمي أكاديمي متميز.

يطرح هذا الكتاب فكرة الشبكات التربوية وأهميتها في تثبيت وتوحيد الرأي بأن “المهمة التعليمية التربوية” ملحة بشكل كبير لأيامنا هذه وهي نافعة لكل زمان ومكان. ويحتوي الكتاب المذكور على عدة تجارب ملموسة، جميعها تتسم بهدف واحد: خدمة الآخر وإعطاء صوت وحضور لمن لا صوت له وخصوصاً الفئات الأكثر تهميشاً والصغيرة منها، حيث لا يمكن أن يسمى المجتمع جماعة دون التسلح بمفهوم الدمج وإعطاء الفرص. وقد حاول الدكتور سامي باشا أن يطرح هذا الفكر من خلال الخبرة البيداغوجية لجاكلين صفير والتي تم نشرها في الكتاب، حيث منحها عنوان التربية الشمولية والحدودية (Una pedagogia olistica e di frontiera). ويجدر بالذكر أن الدكتور سامي باشا، وهو مدير مركز التربية الخاصة ونائب رئيس جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم، قد نظر دائما للتربية كسلاح مقاومة دون عنف، ووسيلة تحرر قادرة على تشكيل شخصية الفرد الفعال في بيئة صراع.

ولدت جاكلين في عام 1956 في مدينة بيت جالا في فلسطين من أسرة مسيحية كاثوليكية. وهي ابنة للاجئين، وامرأة فلسطينية متميزة. تم طرد والدها في عام 1948 من القدس، مسقط رأسه، ولجأ الى مدينة بيت جالا. فقد تميز والدها بالعزيمة القوية لغرس الرغبة في البقاء والتفوق في العمل في نفوس أبناءه. وقد علمهم فوائد المثابرة والالتزام وعدم خيانة القيم العائلية والمعتقدات والأهداف.

كرّست جاكلين صفير حياتها في الدراسة وحققت ثمرة تعبها وذلك بحصولها على درجة الدكتوراه في التربية. وأصبحت محاضرا في كلية التربية في جامعة بيت لحم، حيث عملت هناك الى عام 2003.

ويصف الدكتور سامي باشا صفير بأنها شخصية مستنيرة – هكذا يكتب في مقاله – قادرة على انتقاد البيئة المحيطة والمعقدة بطريقة بنّاءة، وغالباً ما تكون بيئة محبطة وخصوصاً في فترة ما بين الانتفاضة الأولى والثانية، وما بين الاحتلال العسكري وممارسات حكومية ضعيفة لصالح التعليم. فقد سلطت جاكلين الضوء على أهمية اعتبار قدرات الطالب قبل البدء بأي تعديل على المناهج التعليمية وخصوصاً إذا كان الموضوع متعلقاً بالاختلافات أو بالإعاقة، فقد سعى فكر صفير الى تحويل التعليم العربي من نظام هرمي الى علاقة وخبرة اجتماعية انسانية.

لقد أصبحت صفير صاحبة أسلوب الفكر والنهج الشمولي لرعاية الطفولة المبكرة والتنمية لتحقيق النمو الشامل والمتكامل للطفل في جميع جوانب حياته العقلية والعاطفية والاجتماعية والأخلاقية. يعتمد هذا الأسلوب على استراتيجيات متعددة الأغراض تنطلق من مستوى تدريب المعلمين، الى تقديم المشورة للأهل وللمجتمع المحيط.

وبالرغم من الأثر الإيجابي الكبير لهذا الأسلوب الجديد على التعليم فقد وجد معارضة قوية، إلا أن جاكلين أصرّت على التقدم وإعطاء أولوية للتجربة الذاتية للطفل في السياق المحلي وأهمية الحفاظ على الهوية الثقافية بعيداً عن ما يصلنا من الأساليب والمقترحات التربية القادمة من الغرب. فقد كانت جاكلين تحب أن تقول دائما: لا يوجد نموذج مثالي للأطفال، ولكن توجب خلق بيئة مناسبة للطفل المثالي.

وفي عام 2006 أسست جاكلين مؤسسة مداد (اختصار لمؤسسة دعم ودراسة برامج الطفولة)، وتهدف إلى تطوير نهج متكامل شامل. وفي غضون سنوات قليلة خلقت جاكلين شبكة قوية من الأفراد والمؤسسات والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية المتعاونة لدعم هذا النهج والأسلوب. وقد وصل فكر وأسلوب جاكلين إلى خارج حدود فلسطين، حيث تم تدريب عدد كبير من المدرسين والمعلمين في الأردن واليمن وسوريا على هذا الأسلوب التربوي الحديث.

اليوم، وبعد وفاة المربية الفلسطينية جاكلين صفير عام 2013، توجب علينا جميعا أن نتأمل بعمق فكرها التربوي التعليمي والعمل على اكمال المسيرة لفتح آفاق جديدة أمام كل القائمين على العملية التعليمية.

يعرف أخيراً الدكتور باشا جاكلين بأنها “خبرة ريادية”، واجهت الواقع اليومي الفلسطيني بواقعه الصعب وتحدياته المرتبطة بالمكان والزمان، وقد عملت من أجل مصلحة المجتمع الفلسطيني والوجود المسيحي المحلي. كما يمكن لفكرها أن يساهم في دعم المجتمع في بحثه عن هويته الذاتية والدور الفعال الذي يجب أن يقوم به.

المصدر: إليزابيتا إسبانيولوا

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X