عمّان ألقى سيادة المطران وليم شوملي، مطران اللاتين في الأردن، مساء الأربعاء ١٠ أيار ٢٠١٧، محاضرة بعنوان لماذا أؤمن؟، وذلك في قاعة الملك الحسين بن طلال، في كنيسة مار شربل بحضور حشد من المؤمنين.

وقال المطران شوملي في بداية المحاضرة: “قبل أن أطرح السؤال عليكم طرحته على نفسي فوجدت عشر علامات تبرر إيماني، وبين أن السبب الأول والأخير للإيمان هو نعمة الله المجانية التي يفيضها علينا بالروح القُدُس لحظة عِمّادِنا“. وقال: “صدق يسوع فعلاً حين أعلن: “ما من أحد يقدر أن يقبل إليّ ما لم يجتذبه الآب الذي أرسلني“” (يوحنا ٦: ٤٤).

وبعد ذلك قام سيادته بشرح العلامات العشر التي تدعونا للإيمان، فقال: “أؤمن بالله بفضل الخليقة الرائعة التي أراها أمام عيني. وهذه هي العلامة الأولى. فهذا الكون الواسع المنظّم والمتكامل لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة عشوائية وبدون عقل مدبّر. إذا كان هناك خليقة، فثمة خالق. وإذا كان هناك حركة، فثمة محرّك. وإذا كان هناك نظام، فثمة عقل منظّم. فالأرض التي نعيش عليها كوكب صغير من بين ٢٠٠ مليار كوكب تكون المجموعة الشمسية أو المجرة التي ننتمي إليها واسمها العلمي درب التبانة“. ووفقًا للتلسكوب الفضائي هابلالذي تديره وكالة ناسا الأمريكية يوجد ١٧٦ مليار مجموعة شمسية أخرى منظورة من خلال التلسكوب. ويؤكد العالم الأمريكي إيثان سيغل بأن وراء هذه الأكوان الواسعة ربما توجد مجرات أخرى يصل مجموعها إلى ترليون مجرة وتحوي كل منها ٢٠٠ مليار كوكب تقريبًا. كل كوكب منها يعرف مداره ويسير بنظام حول الكواكب الأخرى، ولا يتأخر ثانية واحدة في حركته الدؤوب. هذا النظام الكوني لا يمكن أن يحدث نتيجة الصدفة، بل يفترض منظّمًا عبقريًا عظيمًا. وهذا النظام الكوني العجيب الذي نراه في الكون الواسع نراه أيضًا في الذرة وفي الحامض النووي (دي أن أي) الذي منه تتكون خلايانا الوراثية. ويدل النظام المحكم الذي نشاهده في الأمور الكبيرة والصغيرة على عبقرية هذا الخالق وعظمته اللامتناهية“.

أما العلامة الثانية فهي الكتاب المقدس. قال المطران شوملي إن الكتاب المقدس يروي بكتبه الغنية والمتنوعة، ما بين ٤٦ كتابًا في العهد القديم و٢٧ كتابًا في العهد الجديد، قصة الإنسان في علاقته مع ربه أو بالأحرى مداخلات الله الخلاصية في حياة البشر على مدار أربعين قرنًا. وبين أنه من الثابت بأن الله يبقى أمينًا وحافظًا للعهد، بينما يعيش الإنسان مسلسلات الخيانة والصداقة، أحيانًا يكون وفيًا وأحيانًا أخرى خائنًا. ويلوح الله بقبضة عدله كي يردع الإنسان عن الإثم. ولكن رحمته تبقى هي الأقوى لأنه يشفق على هذا الكائن الضعيف المخلوق على صورته ومثاله. يقول المطران الشوملي إنه يؤمن بفضل الكتاب المقدس، فبدونه يُصبح الكون الواسع طلاسم وألغازًا. والكتاب المقدس يُلقي ضوءه على الكون اللامتناهي، فنعرف أسباب وجوده وغايته وعلاقتنا بالله الذي هو أكثر من كونه خالقًا، أنه الآب الحاني والمخلص الوحيد والصديق الوفي.

أما العلامة الثالثة فهي أن في الكتاب المقدس الجواب الشافي لكل مشاكل الإنسان ومعضلاته الوجودية. يقول المطران شوملي أن لدى الإنسان تساؤلات ومشاكل فلسفية ووجودية مثل: من هو الله؟ ولماذا الشر والألم في العالم؟ هل يعرفني الله شخصيًا؟ أم أنا مجرد رقم من الأرقام؟ الخ.. ويوضح بالاستعانة برسالة القديس بولس الى أهل أفسس بأن الله أختارنا قبل إنشاء العالم وتبنانا أي رفعنا إلى منزلة الأبوة والبنوة، وأن هناك تدبيرًا إلهيًا يخص السيد المسيح والكنيسة ويخصني، ويضيف القديس بولس بأن ثمة دعوة خاصة لكل واحد منا، علينا أن نكتشفها، دعوة تقودنا إلى المجد. وهنالك تعابير قوية في الكتاب المقدس مثل أشعيا إن الرب دعاني من البطن وذكر اسمي من أحشاء أمي…” (أشعياء ٤٩: ١٢). فالكتاب المقدس كنز ثمين ونور عُلوي ثمين يجعلنا نرى أبعد وأعلى وأعمق مما نراه بالعقل البشري والله يعلم القدرات الهائلة التي يتمتع بها العقل لكنه بالمقارنة مع الوحي الإلهي هو مثل نور شمعة خافت أمام نور الشمس الباهر. لذلك نحن بحاجة إلى أن نقرأ الكتاب المقدس بشكل يومي كي نجد الإجابات الشافية على كل سؤال يمكن أن يخطر على بالنا. ويختم المطران وليم هذه العلامة بقوله لهذه الأسباب مجتمعة معًا أنا أؤمن بالمصدر الإلهي للكتاب المقدس وإيماني به يقوي إيماني بيسوع المسيح الكلمة الذي صار جسدًا وحل بيننا.

العلامة الرابعة شخصية يسوع المسيح الفريدة من نوعها. فقد أذهلت معاصريه في الماضي وما زالت تذهل كل من يقرأ الإنجيل المقدس. فالمتأمل في حياة يسوع يجده فعلا أنه معجزة قائمة بحد ذاتها. شخصية يسوع فذة وعجيبة تحمل كل الصفات التي تبدو متناقضة، مثل العدل والرحمة الشدة واللين، القوة والضعف، فقد كان حازمًا مع الفريسيين والكتبة والصدوقيين، ولكنه كان ودودًا تجاه الفقراء والمرضى والخطأة. كان يمقت الخطيئة ويحنو على الخاطئين.

العلامة الخامسة تعاليم يسوع التي يمكننا التحدث عنها بلا حرج، فهي تعاليم سامية لا أحد أتى بمثلها. ففي كلامه تكمن الحكمة المتجسدة، وهي إعجاز تام، تجلت قمتها بعظة الجبل. وبين المطران شوملي أن كثيرًا من المشاهير أعجبوا بتعاليم السيد المسيح وذكر منهم: غاندي واغسطينوس ولاون الكبير ويوحنا فم الذهب وتوما الأكويني وجاك ماريتان إديث شتاين اليهودية العلمانية، وسرد قصة الأخيرة بشيء من التفصيل. كما أضاف المطران وليم أن أشخاصًا ذوو ثقافة متواضعة تذوقوا تعاليم المسيح وذكر منهم: تريزا الأفيلية وتريزا الصغيرة ومريم بواردي وماري ألفونسين غطاس، داعيًا إلى قراءة أمثال الزارع أو الابن الضال أو القاضي الظالم وغيرها. وقال يكفينا فخرًا أن كلام الإنجيل مترجم إلى ٢٠٠٠ لغة. وهو أكثر كتاب نال حظًا من الترجمة والانتشار، وما يزال يترجم إلى لغات جديدة حتى يصل إلى كل أنحاء الأرض وفقًا لرغبة يسوع.

العلامة السادسة معجزات يسوع، حيث قال المطران وليم أن المعجزات ليست فقط للدلالة على ألوهية يسوع، ولكنها استباق لما يحدث لنا في الأسرار السبعة. فكل سر من هذه الأسرار هو استمرارية لمعجزات يسوع. فقد ذكرت الأناجيل العديد من المعجزات التي عملها الرب يسوع أثناء حياته على الأرض، ولكنها لا تستوعب كل ما صنع من معجزات، فقد جال يصنع خيرًا، ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس” (أع ١٠: ٣٨). ويقول البشير يوحنا: “وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع، إن كتبت واحدة واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يو ٢١: ٢٥). لذا فإن عدد المعجزات لا يعد ولا يحصى، إلا أن عدد المعجزات المدونة في الأناجيل هي ٣٥ معجزة، وأعظمها قيامته المجيدة من بين الأموات. وهذه المعجزات مصنفة كما يلي: هنالك ١٧ معجزة منفردة بمعنى أنها ذكرت منفردة في إنجيل واحد وهي: ثلاثة منها ذكرت منفردة في إنجيل متى، وستة منها ذكرت منفردة في إنجيل لوقا، واثنتان منفردتان ذكرتا في إنجيل مرقس، وستة منفردة ذكرت في إنجيل يوحنا. وهنالك ١١ معجزة مشتركة ما بين ثلاثة أناجيل (متى ومرقس ولوقا). وواحدة مشتركة ما بين الأربعة أناجيل. وستة مشتركة ما بين إنجيلين (٣ بين متى ومرقس واثنتان ما بين متى ولوقا وواحدة ما بين مرقس ولوقا). وهذه المعجزات الخمسة وثلاثين مذكور منها ٢٠ في متى و١٨ في مرقس و٢٠ في لوقا و٧ منها في يوحنا. ويؤكد المطران وليم أنه يؤمن بيسوع لأن معجزاته السابقة والحالية تؤكد صحة تعاليمه، إذا يقول ويفعل، ويفعل ما يقول.

العلامة السابعة نبوءات يسوع وهي كثيرة وخاصة التي تحققت في حياته. فقد ذكر الإنجيل ٣٠٠ نبوءة من العهد القديم تحققت في السيد المسيح، مثل الحبل البتولي، وميلاده في بيت لحم، وآلامه وجلده وتكليله بالشوك وطعنه بالحربة وموته وقيامته. كما تنبأ يسوع عن المستقبل وتحقق كل ما تنبأ عنه.

العلامة الثامنة جمال الكتاب المقدس وسحره. يقول المطران وليم إن الكتاب المقدس يحوي أسفارًا ذات قيمة أدبية تفوق بلاغة وسحرًا كل كتب الكون، لأنها ثمرة تعاون بين مؤلفها الإلهي، الروح القدس، ومؤلفها البشري. فجاءت بمضمون سامٍ ونبيل وفي حلة جذابة لكل زمان ومكان. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: سفر المزامير، وأسفار أشعياء وحزقيال وأيوب، والأسفار النبوية والحكيمة، وإنجيل يوحنا ورؤيا يوحنا.

العلامة التاسعة معجزة انتشار الكنيسة واستمراريتها. فالكنيسة، وهنا ينقلنا المطران وليم إلى البداية حيث يقول، تصوروا طفلاً صغيرًا يلد في مغارة، ويموت على الصليب وبعد ثلاثة قرون، وعلى عهد الامبراطور قسطنطين، تصبح ديانته، وبشكل لا يفسر، ديانة الإمبراطورية الرومانية، بدون سيف أو سلاح أو عنف، وتستمر مسيرتها لتتجاوز ألفي سنة، وما زالت سفينة بطرس تبحر بحر التاريخ ويسوع يهدي العواصف من حولها. يحدث هذا بالرغم من تنبؤ الكثيرين في القرنين الثاني والثالث بانتهاء الكنيسة ولكنها استمرت وهي تستمر مرورًا بعصر النهضة والثورة الصناعية والتكنولوجية.

العلامة العاشرة وهي قداسة الكنيسة، حيث يقول المطران وليم أن القداسة ضرورة لنهوض الكنيسة بعد كل أزمة. فمنذ القرن الأول وحتى القرن الحادي والعشرين يعبق تاريخ الكنيسة بشذا القديسين. فالقديسين فخرنا وأبطالنا وآباؤنا في الإيمان، ونماذجنا وهم أصدقاء الله، وينتمون إلى كل القارات والبلدان وفئات المجتمع. منهم الأطفال الرضع والأولاد والفتيان والرجال والنساء، المتزوجون والمكرسون، العلماء وغير المتعلمين، الأغنياء الفقراء. هم بستان تنمو فيه كل أنواع الورود. والقديسون هم أولاً الصالحون الذين ماتوا وأعلنت قداستهم رسميًا بفضل معجزة تمت بشفاعتهم، هم أيضًا شهداء الإيمان وعددهم بالملايين ونجهل الكثيرين منهم لكثرتهم وبسبب ظروف استشهادهم. يقول المطران وليم: يجوز أن نسمي قديسين بالمعنى الواسع الأحياء الذين يشع منهم نور المسيح. إنهم يعيشون إنجيله بفرح وقناعة وأحيانًا بشكل خافت وخفي. هم نماذج حية في رعايانا يعيشون بيننا ويعطوننا المثال الصالح ويدعوننا إلى أن نكون مثلهم.

وينهي المطران وليم العلامة العاشرة بقوله أؤمن بيسوع المسيح بسبب هؤلاء القديسين، فقداستهم هي ثمرة الفداء والخلاص الذي استحقه لنا يسوع بموته على الصليب. ويضيف أن قداستهم معجزة أدبية غير مسبوقة وهي استمرارية لقداسة السيد المسيح وبرهانٌ على أنه حاضر في الكنيسة وما يزال يقدس المؤمنين بالأسرار المقدسة.

وأنهى سيادة المطران وليم الشوملي محاضرته بقوله: لا بد من وجود علامات أخرى ذات طابع شخصي لأن لها علاقة بالمؤمن نفسه وبخبرته الروحية. كل واحد فينا لا بد وقد اختبر رحمة ربنا وصداقته وعدله وعنايته بشكل خاص به بدون غيره.

المصدر: abouna.org

 

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X