بدأنا بحول الله سنة جديدة والله وحده يعلم ما ستكون. وبين الأمل والألم، بين رجائنا لرحمة الله التي لا يجدر بنا أن نيأس منها، وإدراكنا كما يقول القدّيس بولس لسرّ الإثم، نتقيّد بأمر السيد المسيح: “اصحوا واسهروا لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة“(متّى ٢٥ : ١٣). ونعلم القول المأثور: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا ولآخرتك كأنك تموت غدًا“.

الكنيسة الرسولية العريقة ما تنبّأت قَطّ بنهاية العالم

بما أنها أي الكنيسة عروس المسيح وعمود الحقّ وركنه، فما كانت لتعلّم الضلال، أو لترهب الناس وهي واثقة من إعلان المسيح أن نهاية العالم غير معروفة. وهذه حكمة إلهية. وهنالك جماعات نشأت في القرن التاسع عشر بالذات وخصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية، يتوهّم أتباعها بحسن نيّة أنهم الكنيسة المسيحية الصحيحة، مع أنّهم أتوا بعدالمسيح بأكثر من ألف وثمانمئة وأربعين عامًاوأنهم ممثّلو الله الحقيقيينوالعبد الأمين الحكيمالذي يعطي عيال الله مكيال القمح في حينه، وأنّهم يقومون بتدريس الكتاب المقدّس بالتفسير الوحيد الصحيح، وأنّهم مُعلنو الملكوت السماوي الحقيقيون. وتخفي رئاساتهم اليوم تعاليمها القديمة الواضحة التي تكررها في ايامنا بأسلوب غير مباشر ومبطنّ، ومفادها أن ذلك الملكوتالسماوي الرباني يتحقّق عن طريق دولة عبرانية من اليهود ولليهودفي الأرض المقدّسة.

لن تقوى أبواب الجحيم (أي الضلال والاضمحلال) على الكنيسةالحقيقيّة (متى ١٦: ١٨)

إذا كانوا ينتمون إلى الكنيسة الحقيقية الوحيدة، وينطقون بصوت الله الحقيقي، إذن أقوالهم ينبغي أن تكون صحيحة ولا سيّما في النبوءة، وبالذات عندما يتعلّق الأمر بالتنبّؤ بالمستقبل، وبنهاية العالم. لنتتذكّرنّ ما ورد في تثنية الاشتراع ١٨ : ٢٢ عن الأنبياء الكذبة : “إنْ تكلّم النبي باسم الرب ولم يتمّ كلامه ولم يحدث، فذلك الكلام لم يتكلّم به الربّ، بل للإعتداد بنفسه تكلّم به النبي، فلا تَهَبْه“. إذا تنبّأ أحدهم بنبوءة كاذبة، وقد زعم أنّه نبيّ الله، إذن هو نبي كاذب ولا ينبغي الاستماع إلى أقواله. هذا ما رأينا تطبيقه منذ القرن التاسع عشر أي عشرات النبوات الأجنبية ولا سيما الأمريكية غير الصادقة عن نهاية العالم.

على سبيل المثال لا الحصر، تقدّم جميعة برج صهيون للمراقبة تعريفًا لمفهوم النبيّ” “… حتّى يكون ليهوه نبيّاً لمساعدتهم، لتحذيرهم من المخاطر، ولإعلان الأمور المستقبليّة ؟ وإذا كان الردّ على هذه الأسئلة بالإيجاب. من هو هذا النبي؟ . . . هذا النبيما كان رجلاً واحدًا، ولكن عبارة عن مجموعة من الرجال والنساء. مجموعة صغيرة سمّوا أنفسهم أتباع يسوع المسيح، والمعروفة في ذلك الوقت باسم طلاّب الكتاب المقدّس الدوليّة“. اليوم تغيّر اسمها فرعها الرئيسي منذ سنة ١٩٣١ وانقسمت في الغرب إلى أكثر من عشر جماعات منها أصدقاء الإنسانو كنيسة الملكوت“.

وفيما يلي بعض التنبّؤات الخاطئة التي قدّمها الفرع الرئيسي على مرّ السنين.

سنة ١٨٩٩م : “بالفعل بدأت معركة اليوم العظيم لله القدير (أي نهاية العالم) (رؤيا ١٦ : ١٤ ) التي ستنتهي في عام ١٩١٤م مع الإطاحة الكاملة بحكّام الأرض الحاليين” (الوقت في متناول اليد، طبعة عام ١٩٠٨، ص ١٠١ ) . الرؤيا التي استندوا عليها من الكتاب المقدّس تقول: “فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات، تخرج على ملوك العالم وكلّ المسكونة، لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم، يوم الله القادر على كلّ شيء“.

سنة ١٩١٦م : “التسلسل الزمني الظاهر في الكتاب المقدّس هنا يُعلن أنّه تمّ انتهاء الأيام الستّة العظيمة في الألف سنة التي بدأت بآدم، وفي سنة ١٨٧٣م، بدأ اليوم السابع العظيم، أي حكم المسيح الذي سيدوم ألف سنة ” (الوقت في متناول اليد، ص ١١ ) .

سنة ١٩١٨م : “ولذلك نتوقّع بثقة بأنّ العام ١٩٢٥ سيشهد عودة إبراهيم واسحق ويعقوب والأنبياء المؤمنين السابقين، لا سيّما أولئك الذين ذكرهم الرسول في الرسالة إلى العبرانيين ١١، إلى حالة الكمال البشري، (الملايين التي تعيش اليوم لن تموت أبدًا، ص ٨٩ ) .

سنة ١٩٢٢م : “في الكتاب المقدّس، تتمّ الإشارة إلى نهاية العالم عام ١٩٢٥ بشكل أكثر تمييزًا من ١٩١٤ “(برج المراقبة، ١ سبتمبر ١٩٢٢، ص ٢٦٢).

سنة ١٩٢٣م : “بالتأكيد تمّ تسوية عام ١٩٢٥ في الكتاب المقدّس. فيما يتعلّق بنوح، يستند المسيحي اليوم إلى قاعدة متينة يبني عليها إيمانه، استعدادًا للطوفان القادم (نهاية العالم)، أمتن من تلك التي كانت في حوزة نوح” (برج المراقبة، ١ أبريل ١٩٢٣، ص ١٠٦).

سنة ١٩٢٥م : ها هي سنة ١٩٢٥م. يتطلّع المسيحيّون إلى هذا العالم بأمل كبير. ويتوقّع الكثيرون بثقة أنّه سيتمّ انتقال المؤمنين إلى المجد السماوي خلال هذا العام (نهاية العالم). وهذا يمكن تحقيقه، أو قد لا يمكن. في الوقت المناسب سوف يحقّق الله أهدافه بشأن شعبه. لا ينبغي على المسيحيين أن يبالغوا في القلق إزاء ما قد يحدث في هذه السنة “(برج المراقبة، ١ يناير ١٩٢٥، ص ٣).

سنة ١٩٢٥م : من المتوقّع أن يحاول الشيطان ضخّ فكرة ما في عقول المكرّسين، وهي أنّ عام ١٩٢٥ سوف يرى نهاية للعمل “(برج المراقبة، سبتمبر، ١٩٢٥م، ص ٢٦٢).

سنة ١٩٢٦م : يتوقّع البعض نهاية العمل في عام ١٩٢٥م (نهايةالعالم)، ولكن الرب لم يذكر ذلك. الصعوبة أن الأصدقاء بالغوا في الخيال وتجاوزوا المنطق، وعندما انفجر بهم الخيال، كانوا يميلون إلى التخلّص من كلّ شيء“(برج المراقبة، ص ٢٣٢ ).

سنة ١٩٣١م : “كان هناك قدر كبير من خيبة الأمل استحوذت على جماعة يهوة المؤمنين على الأرض فيما يتعلّق بسنة ١٩١٧ و ١٩١٨ و ١٩٢٥م، خيبة الأمل هذه استمرت لفترة ماثمّ تعلّموا أيضًا أن يتوقّفوا عن تحديد التواريخ ” ( الدفاع، ص ٣٣٨ ).

سنة ١٩٤١م : تلقّى الأطفال الهدية، وتمسّكوا بها، ليست لعبة أو ألعوبة للمتعة الخاملة، لكنّها الأداة التي وفّرها الرب لعمل فعّال أكثر من ذي قبل، في الأشهر المتبقّية قبل هرمجدون (أي نهاية العالم) “(برج المراقبة، ١٥ سبتمبر ١٩٤١، ص ٢٨٨ ).

سنة ١٩٦٨م : صحيح، تنبّأ أناس في الأوقات الماضية عن نهاية العالم، حتى الإعلان عن موعد محدّد. ولم يحدث أي شيء. لم تأتِ النهاية‘. إنهم أذنبوا بسبب تنبّؤاتهم الكاذبة . لماذا؟ ماذا كانوا يفتقدون؟ . . . افتقد هؤلاء الناس إلى الحقائق والأدلّة بأنّ الله كان يستخدمهم ويوجّههم، “(إستيقظ ، ٨ أكتوبر، ١٩٦٨ ).

سنة ١٩٦٨م : لماذا تتطلّع إلى عام ١٩٧٥؟ ” (برج المراقبة، ١٥ أغسطس ١٩٦٨م، ص ٤٩٤).

وكان الأمريكي رافض تعميد الأطفال توماس ميلر والسيدة هلن هرمن وايتوهما من السابقين للحركات المنكرة لمعظم العقائد المسيحيةقد أعلنا عن نهاية العالم لسنة ١٩٤٣ و ١٩٤٤ كموعد نهائي. وهم من القوم الذين لا يعتقدون بأبديّة العذاب في الآخرة، وبضرورة المحافظة على السبت.

أمّا الكنيسة فقد حذّرت دومًا بوداعة ووقارمن التنبؤات غير الصحيحة لنهاية العالم، وذلك في نهاية كلّ قرن، وأشارت بشكل خصوصيّ إلى خطورة تلك التكهنات آخر كلّ قرن ووصفتها بالحركات الألفيّة“.

نتيجة منطقيّة نسوقها بمحبّة للتوعية

نبيّ الله لا يُخطئ في التنبّؤ أبدًا. يخطىء فقط النبي الزائف. والجماعات التي تدّعي أنّها نبيّ الله، هي حقاً نبي كاذب. وحذّرنا يسوع حين تنبّأ : “سيَظهر مُسحاء دجّالون وأنبياء كذّابون، يأتون بآيات عظيمة وأعاجيب حتّى أنّهم يُضلّون المختارين أنفسهم لو أمكن الأمر. فها إنّي قد أنبأتُكم“. (متّى ٢٤ :٢٤ ).

خاتمة

كم فقدنا السنة الماضية من عظماءمنهم الثوري الأسطوري فيدل كاسترووكم سنفقد! إذ كلّ ما على هذه الأرض فان. ولكن العبرة هي كما قال صاحب المزامير أن يعلّمنا الله أن نحصي أيامنا، فتبلغ الحكمة نفوسنا، هذه النفوس الأمّارة بالسوءالميّالة إلى الشرور ولكنها تبحث أيضًا عن الخير. وكان دائمًا مثلّث الرحمات قداسة بطريرك الأقباط الارثوذكس الألمعيّ الأنبا شنوده الثالث، يشير إلى النقاط المُضيئة في كلّ إنسان، حتى الخطأة“. وقد أوضح القدّيس العلاّمة أوغسطينوس هذا البصيص من الأمل، حتّى في أتعس البشر، وهو أنهم وأننا في الواقع نبحث عن الخير حتى في الشرّأو نرى الشرّ من وجهة نظر الخيرأي لا نريد الشرّ كشرّ ولا نفرح به، إلاّ لما نجد أو نتمنى أن نجد فيه من خير ومصلحة ومنفعة ومتعة وسعادة وسرور. لذا، لا ننغلبنّ للشّرّ، بل لنغلبنّ الشّرّ بالخير“! (رومية ١٢: ٢١).

وكلّ عام والكلّ بخيروفي الخير! وهنالك قول حكمة به نختم: “من أراد الخير لجاره وجده في داره“.


بقلم أشخين ديمرجيان

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X