ودّع هذه الأيّام غبطة البطريرك فؤاد بطرس الطّوال دار البطريركية اللاتينية في القدس بعد أن انتهت ولايته لبلوغه السنّ القانونيّة، وكتب رسالة مؤثّرة وأعلن أنه سيستمرّ في الخدمة ككاهن للمسيح: كأخ ومواطن وصديق. ولا بدّ من كلمة حقّ تنصف السنوات الخمسين الطويلة التي قدّم فيها ابن مادبا البار زهرة شبابه وحادّ ذكائه ومرهف إحساسه – واسمه على جسمه– وقد بقي الوحيد من الإكليريكيين أبناء صفّه في خدمة الكنيسة الجامعة الرسولية. وقد ضحّى بالكثير منذ نعومة أظفاره وحمل راية السيد المسيح والكرسي الرسولي في مواطن بعيدة عن وطنه وعن أهله وعشيرته. ولا يجوز للمرء أن ينسى خدمته البطولية في إحدى رعايا عمّان تحت القصف سنة 1970. وتميّز الكاهن فؤاد بلطفه وبشاشته ودماثة أخلاقه وخفّة ظلّه وبروح مرح نمّت عن حكمة كبيرة أنقذت كثيرين من الإحراج والمواقف الصعبة المهينة.

وتسامت روح اللطف والتواضع والبساطة بعد ارتقائه إلى الدرجة الأسقفية ثم البطريركية. وأتى تعامله مع الكهنة بمودّة وتفهّم. ووقف معهم في الأفراح والأتراح مقتديًا بالسلف الصالح الذي ما ترك مناسبة عائلية عزيزة على كاهن من غير مشاركة شخصيّة بطريركيّة.

ورسخت في قلب المنسنيور فؤاد الطّوال، خصوصًا في أعوام إقامته في روما الثمانية عشر ، في السلك الدبلوماسي التابع للكرسي الرسولي، المحبة للكنيسة الجامعة والولاء البطرسيّ. ومهما كان يجاري الناس ويسايرهم في الخير ويحترم مشاعرهم، غير أنّ سيادته ما جارى أحدًا على حساب العقيدة ولا  هادن أحدًا لضرر الكنيسة. وهكذا حافظ على الاتّزان بين “المسالمة لجميع الناس” و”حفظ الوديعة” التي تسلّمها “أمام شهود كثيرين”.

مشقّات إداريّة بين نارين…

لمّح غبطته إلى “الصعوبات الإدارية التي لا تخفى على أحد”. ويدرك المرء بسهولة حدوثها. والحقّ أنّ فكرة جامعة للبطريركية اللاتينية في الاردن الشّقيق ما أتت من المطران الطّوال بل سبقته. وبمنتهى الصّراحة، تطرح هنا مسألة شائكة نفسها في شأن الأمور الماليّة في الأبرشيّات والأديرة والمدارس والمؤسسات الكنسية والرهبانيّة. المعضلة قديمة: من ايام الرسل اي الحواريين، في سِفر أعمال الرسل الفصل السادس: أيجوز للرسل أن يتركوا خدمة الكلمة أي إعلان الإنجيل لكي يخدموا الموائد؟ ردّ الرسل كان: لا، ولذلك عيّنوا سبعة خدّام أو شمامسة.

بصراحة ربّنا، في هذا المضمار، مشكلتنا نحن الإكليروس هي الأمور الإدارية! فإمّا نتسلّمها نحن ونهمل أحيانًا رسالتنا الروحانية ونضمن ألاّ “يضحك علينا” علمانيون من “ابناء هذا الدهر” ونحن غافلون وغير خبراء بأمور هذه الدنيا، أو نعظي التوكيل علمانيين مخلصين أو غير مخلصين، فيهرب أحدهم إلى  “صربيا” (على سبيل المثال الخياليّ) بملايين الدولارات أو يقوم بعمل هندسي غير سويّ أو يهزأ بنا في صفقة لقلّة درايتنا أو لسذاجتنا ونحن مثل “المحبّة” “نصدّق كلّ شيء” ونحن نتوهّم الكلّ مثلنا صادقين؟  ومع الأسف لا يخلو الأمر ايضًا عندنا –كما كانت تنبّه جدّتي- من  “كاهن تاجر” أو  “حاكم ماكر”. أمّا الوالد، رحمه الله، خرّيج المدارس الرهبانية، فكان ينتقد “حسن نيّة” نفر من الإكليروس وسلامة طويّتهم إلى حد تسليمهم أمورهم لقوم ما كانوا يستأهلون ثقتهم العمياء، وقد “وضعوا المعروف في غير أهله”.

عالم أكثر تعقيدًا وبطريركية أكثر استعانة بالعلمانيين

تطورت الأمور في عالمنا وتعقدت، على المجتمع وعلى الكنيسة. فالمدرسة “اللاتينية” في فلسطين والأردنّ التي كانت مكوّنة قديمًا من كاهن وراهبتين وثلاثة معلّمين تتكون اليوم من مدير(ة) ونائب(ة) مدير وخمسين معلّمًا ومعلّمة وراهبتين. فكيف يشكو أحد أصدقائنا من “تهميش” العلمانيين في البطريركية وهم تقريبًا “الكل بالكل” في مدارسنا؟ أمّا دار البطريركية اللاتينية في القدس، فإنّ الداعي وابناء جيله يذكرون أن كان فيها ثلاثة موظّفين لا رابع لهم : الأول كاتب في المحكمة الكنسية والثاني في المطبعة والثالث بوّاب “سفرجي”. منذ عهد البطريرك ميشيل صبّاح اصبح عدد العاملين العلمانيين في دار البطريركية نحو أربعين ، وذلك لدعم المسيحييين المحليين وصمودهم، مع ثلاث راهبات وكاهنين أجنبيين. واليوم، كل شهر، يأخذ نحو ألفي إنسان راتبًا من البطريركية اللاتينية التي –على صعوباتها ومشقاتها وضيقاتها ومنغصات عيشها– ما تأخرت يومًا في دفع الرواتب، بخلاف غيرها. أمّا إدارة مدارس البطريركية اللاتينية فكانت مكوّنة من كاهن واحد هو نفسه “مفتّش التعليم المسيحي”. وأذكر المنسنيور المرحوم البيتجالي سليم الحذوة عندما كان من غير اليوم يأتي إلى مدرسة الفرير في القدس لفحصنا في التعليم المسيحي. منذ عهد البطريرك الصبّاح وإدارات مدارسنا في فلسطين والأردن تزخر بعشرات العلمانيين خصوصًا بعد أن تنحّى عدد من الكهنة عن إدارة المدارس لعدم كفايتهم (حسب مقاييس وزارات التربية والتعليم) أو لمرض أو كبر السنّ. وتحلّت بطريركيتنا بالحكمة في تعيين مديرات ومدراء مؤمنين أتقياء أفاضل – غير ملحدين – حملوا الشعلة وما يزالون بكل إخلاص وتقوى.

مؤخّرًا شكا أحد الكتّاب عدم إشراك الإكليروس للعلمانيين في المسؤوليات. الكمال هو لله فقط، ونحن البشر خصوصًا في الكنيسة الكاثوليكية حيث الرقابة الدائمة والهرميّة المنهجية منذ عشرين قرنًا من الزمان مستعدّون لمراجعة النفس والإصلاح والتجديد للأفضل، كما يسعى الفاتيكان. نجتهد، فنفلح يومًا ونخفق يومًا. أوّل مسؤولية للعلمانيين ليست أن يحكموا الكنيسة بل أن “يتعاونوا مع خدمتنا الرسولية”. فمن المحزن غياب مربّين مسيحيين كثيرين نسبيا عن قداس الأحد ونشاطات الكنيسة.

بنفس الصراحة، الكاهن العازب -على علاته كإنسان- هو في خدمة الكنيسة بلا تحفّظ ولا عائق. هو متعلّم مثقّف معدّ بأفضل تربية في المدرسة والإكليريكية. ولكنّ يداً واحدة لا تصفّق. يحتفل الكهنة بالقداس: أول واجب وحقّ للمؤمنين الحضور والمشاركة. فأين المعلّمون واين العلمانيون خصوصًا اصحاب المسؤوليات الكبيرة في المجتمع؟ تطبع الكنيسة بنفقات خيالية الكتب والنشرات: وعتبك على الذي يقرأ! يقيم الكهنة خصوصًا في مواسم المجيء والصيام محاضرات، ومن يحضر؟ تنشر تقريبًا كل رعية “نشرتها” الاسبوعية: من يشترك فيها؟ ومن يطالعها؟ وكان يحلو لقدس الأب العبقري الراحل ألفريد عظيّة كاهن رعية جفنا أن يقول على لسان مؤمنينا، بشيء من الفكاهة الظّريفة الواقعيّة: “البطريرك بطريركنا والمدرسة مدرستنا والدير ديرنا، ولكن المصاريف ليست علينا!” ولا يبدو أنّ مؤمنينا “اللاتين” في فلسطين بنوا ايّة كنيسة على نفقتهم (بخلاف الاردن). وينسى المنتقدون للإكليروس والكنيسة أنها هي التي حمت المسيحيين لقرون طويلة في أزمنة عسيرة. وربّما لهذا السبب بقي بعضهم اتّكاليًّا لا يقدّم من نفسه أو من ماله شيئًا ليقينه أنّ “الفاتيكان في ظهرها”.

أيا صاحب الغبطة، “لا تقل الوداع، فغدًا نلتقي… لم أبع زورقي”

لن تترك الشبكة، أيا أيّها البطريرك الصّياد ابن بطرس، وكسلفك الفاضل لن “تتقاعد” بل ستبقى متّقد الغيرة دائم الابتسامة، تكتم في النفس ما تكتم وتكظم وتغفر، “في لطف المسيح” الوديع متواضع القلب” الذي تلمذت له فوجدت غبطتك “الراحة لنفسك”. وكما كتبت غبطتك في رسالتك الأبويّة: “أتممتَ شوطك وحفظت الإيمان”، أنجزت الشوط والمهمّة الرسميين وبقي “قبل إكليل العدل المحفوظ لك” بعد عمر طويل – “مشوار” من الصلاة والتأمل والكتابة والخدمة والمشورة التي تحتاج إليها أبرشيتك وقومك وعشيرتك والكنيسة الجامعة التي لا تنسى أتعابك في أربع قارّات وسهرك مع الكنائس المحلية بمعضلاتها المستعصية وأعاصيرها على السفينة البطرسية. نعم، هذه الباخرة التي تمخر عباب البحار منذ عشرين قرنًا باقية مهما تقاذفتها الأمواج ومهما طغى الضعف والخبث البشريّان، إذ لها موعد السيد المسيح أنّ “أبواب الجحيم لن تقوى عليها”!

“ولسنين كثيرةـ يا سيّد!”

بقلم الأب بيتر مدروس

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X