بين الدّين والعلِم

 

تكرّم هذا المنبر الأغرّ ونشر مقالتنا في التّوافق بين الدّين والفلسفة. وتأتي هذه السّطور لتجيب على استفسار أو على اعتراض مفاده أنّ الخلاف ما بين الدّين والعلم أكبر وأهمّ من الصّراع بين الفلسفة والدّين“.

يقرّ المعترضون أنّ الفلسفة والدّين يشتركان في الحقل الأخلاقيّ وتفسير الوجود ومعنى الحياة“. والأقرب إلى الصّواب القول: تحاول الفلسفة تفسير الوجود ومعنى الحياة، ولكنّ الفلسفة الملحدة لا تجد سببًا لوجودنا ولا معنى، منذ البداية. بما أنّ الفلسفة، على الأقلّ في المفهوم اللاتينيّ الرّومانيّ الكلاسيكيّ، هي معرفة الأمور (أو: الكائنات ) بأسبابها” “Scientia rerum per causas”، فالفلسفة الملحدة عقيمة انتحاريّة تقطع الغصن الّذي تجلس عليه، بخلاف الفلسفة المؤمنة. بعبارة أخرى: إذا كانت الفلسفة معرفة الكائنات بأسبابها، وبما أنّ عند الملحدين لا سبب (إلهيّ) للكائنات (خصوصًا العاقلة )، سوى المادّة” (وهذا غير منطقيّ، بما أنّ ما من كائن يعطي ما يملك بمعنى أنّ المادّة لا تعطي العقل والضّمير والإحساس )، فلا معنى للفلسفة على الإطلاق، كقولك في منطقة نائية: فلان يصلح سيّارات، ولا تُوجَد سيّارات! بعبارة أخرى: عالم وإنسانيّة بلا سبب عاقلتنسف الفلسفة التي هي معرفة الكائنات بأسبابها والتي تقضي أنّ ما ليس في السبب لا يمكن أن يوجَد في النتائج: فكيف تنتج طبيعة مادّيّة بحتةكائنات عاقلة؟

في شأن المسيحيّة التي نقصر عليها تفكيرنا، احترامًا لأتباع الديانات الأخرى الأكفاء فيها، أسلفنا أنّ لا صراع بين المسيحيّة والفكر. والآن، بخصوص العلم، نجيب عن المسيحيّة – لا عن غيرها – دفعًا للتّطفّل والشّطّ. تفتح المسيحيّة أبوابها للعلم والنّقد والتّاريخ. وفعلاً، بإمكاننا أن نثبت وجود يسوع النّاصريّ تاريخيًّا من خارج الكتب المقدّسة. ثانيًا : لا نحسب الكتاب المقدّس فوق العقل والعلم والمخطوطات واللغات. ولقد نشأ من أيّام بولس الرّسول وهو اليهودي الفرّيسيّ المتعصّب أشرس النّقد والفحص والتّمحيص والتّنقيب وراء أيّ ضعف أو كذب في تعاليم يسوع النّاصريّ“. واستمرّ الجهد العقليّ المسيحيّ إلى أيّامنا، من عهد يوستينوس الفيلسوف وأوريجانس الإسكندريّ عالم الكتب المقدّسة ومليتون أسقف سارديس وهييرونيموس الدلماتيّ أمين سرّ البابا دامازوس الذي سأل الكاهن هييرونيموس الذّهاب إلى فلسطين ونقل الكتاب المقدس إلى اللاتينيّة من لغاته الأصليّةولا تخفى على أحد علوم الكتاب المقدّس وسيطرة النّقدعليها، بصرف النّظر عن الإيمان به ككلمة الله: نقد النّصوص أي ثبوتيّتها في المخطوطات، ثم النقد العلميّ ثمّ الأدبيّ ثمّ التّاريخيّ. ونجد هذا النّقد قويًّا لا هوادة فيه لدى اليهود غير المتزمّتين (الّذين تعلّموا النّقد من الغرب المسيحيّ ) وعلماء الكتاب المقدّس المسيحيّين، خصوصًا في الكنيسة الكاثوليكيّة وطوائف مسيحيّة غربيّة ما خلا الأصوليّين“. ولكن، بما أنّ هؤلاء القوم لا علاقة لهم بالأصول والجذور، فإنّهم حرفيّونلا أصوليّون“.

تاريخيًّا، الكنيسة الكاثوليكيّة اللاّتينيّة هي الّتي برهبانها أنقذت مخطوطات العلوم المختلفة بعد أن أخضع البرابرة امبراطوريّة روما. ويمكن تأكيد حقيقة موازية مشابهة عن فضل الكنائس الشّرقيّة في المشرق. فالأديرة القديمة قلاع الحضارة والعلوم والآداب والفنون، بالإضافة إلى الكنوز الدينية الأخلاقيّة التي حفظتها وما زالت تحفظها.

الرّهبنة والكهنوت المتبتّل (او العازب ) هما أكبر بوتقة للعلوم – وكانت لقرون طويلة البوتقة الوحيدة والحصن الفريد – حيث قام رجال وقفوا كلّ تفكيرهم وحياتهم لخدمة الله والإنسان وواظبوا على البحث العلميّ والتّنقيب في كل مجالات المعرفة والأدب والفنّ. وهنالك العشرات من الأساقفة والكهنة والرّهبان الكاثوليك اللاّتين من العلماء في شتّى الميادين، منهم على سبيل المثال لا الحصر: كوبرنك (الذي سبق غاليليو غاليليي في مركزيّة الشّمس ) وميندل (في علم الوراثة ) والقدّيس ألبيرتوس الكبير وروجر بيكون وروبرت جروستيست وريتشولي وأثناسيوس كيرشروتفوّق الرّهبان اليسوعيّون الّذين لُقّبوا بـجنود اللهفأتحفوا البشريّة بالكثير من الاختراعات والاكتشافات. وقد وُصفت السيسموغرافياأي علم الهزّات الأرضيّةبأنها علم اليسوعيّين“! وحلّقوا في اختراعات منها البارومتر والتلسكوب والكهرباء والسّعي إلى الطّيران عند البشرواللاّئحة طويلة تكاد تكون لا تنتهي، هذه بعض أسمائها أي أعضاء الإكليروس اللاتيني الكاثوليكي العلماء (من كتاب هذا هو الإيمانللقانونيّ فرنسيس ريبلي Ripley، ص ٣١٥ وتابع ): جوزيه ألجيه، برثلماوس الإنكليزي، جوزف يابما، روجيرو بوسكوفيتش، لويس بورهوا، بول كامبو، جورج كاميل، كورنوا، بونافنتورا كافالييره، كريستوفر كلافيوس، بروكوبيوس ديفيتش، يوزف إكيل، شارل ميشيل ده ليبيه، بيير كاسندي، أندرو جوردون، فرنشيسكو جريمالدي، رينيه هوي، لورنس هنجلر، بيير هود، توماس ليناكر، إدمه ماريوت، جوزيفيه بياتسي، جون بيكار، جون بيترا، برنردينو من ساهاجون، كرستوفر شاينر، برتهولد شوارتس، أنجلو سيكّي، لازارو سبالاّنتساني، نيلز ستيينسن، باسيل فالنتين، فرنتشيسكو ده فيتو.

وهذه بعض أسماء لعلماء يسوعيّين (نقطة من بحر! ): جوزيه ده أكورتا، فرانسيس من أجيلون، لورنسو ألباشيته، ألبرت من ساكسونيا، جوليو أليميو، جوفاني أنتونيلي، أريغيتي، أرتيغاس، بالدي، برسانتي، برتولي، بلغرادو، بيانكاري، ده بيلي، بوكونه، بورغونيوني، بوروس، بوفيه، برادفاردين، بروي، بروزيك، فا دي برونو، بوليادوس، بوزا، كابيو، كالان، كانتوس، دي كازالي….ولم نصل هنا في اللائحة حسب الأبجديّة اللآتينيّة إلاّ إلى ثالث حروف الهجاء اللاتينيّة وهو ال C ! فالطّريق طويلة إلى آخر حرف، ال Z

وفي الفاتيكان دوائر مختصّة في العلوم وفي أمور الفضاء. وزاد قداسة البابا فرنسيس، بعد سلفه بندكتوس السادس عشر، الاهتمام بالبيئة، والتّحذير من عواقب التلوّث البيئيّ وارتفاع درجة حرارة الأرض، وعبّر الحبر الأعظم عن هذا الهمّ في رسالته العامّة التي تبدأ بمستهلّ نشيد مار فرنسيس في تسبيح الخلائق للرب الخالق : “سبحانك يا ربّيLaudato si’, mi Signore”

معظم علماء الطّبيعة في كل مكان وزمان مؤمنون!

بالفعل، تحت عيون علماء الطّبيعة وبين أيديهم ما يكفيويزيدمن البراهين والدّلائل على وجود الخالق وحكمته تعالى ودقّة إبداعه إلى أصغر التّفاصيل. وهذه بعض أسماء علماء مؤمنين، دائمًا على سبيل المثال لا الحصر، كنقطة من بحر: كيبلر وغاليليو (الذي كانت الكنيسة تموّل أبحاثه، وما فقأت له عينًا، بخلاف ما ترويه بعض كتب التّاريخ المدرسيّ، من غير اطّلاع عميق! ) وليم هانوي (تألّق في الطّبّ ) وروبرت بويل (في الكيمياء ) وجون راي (في البيولوجيا أي علم الأحياء ) ونيوتن (في الفيزياء الكلاسيكيّة ) ولويس باستور (في الميكروبيولوجيا ) وتومسون كلوين (في ديناميكية الحرارة )…

خاتمة

صرخ نابليون: “يشهد على وجود الله كلّ ما يفرض نفسه على حواسّنا من الكائنات، بحيث أنّ الإنسان الشّريف لا يشكّ أبدًا بوجود الله“.

بقلم الأب د. بيتر مدروس

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X