لا يرضى أحد منا أن يكون في المرتبة الأخيرة.

كما أننا، دون استثناء، ننتظر التقدير مقابل العمل الذي نقوم به نحو الآخرين. نحب أن نحتلّ المراتب الأولى. ونحن سعيدون عندما نحصل على عرفان الجميل والاحترام والتقدير. ونحاول دائماً الفوز بشيء أو على الأقل ألا نخسر شيئاً.

قد تبدو تعاليم السيد المسيح في إنجيل اليوم غريبة. فهو يعيدنا مرة أخرى إلى المنطق المعكوسالذي تكلّمنا عنه الأحد الماضي. يستعمل المسيح هنا مثليْن حدثا أثناء تناوله الطعام في بيت فرّيسي غني. المثل الأول قد يبدو غريباً. عندما لاحظ يسوع أن بعض المدعوّين اختاروا المقاعد الأولى حثّ على خلاف ذلك: ” إذا دعيت فاجلس في آخر مقعد، حتى إذا جاء صاحب الدعوة قال لك: “قم إلى فوق، يا صديقي.” قد يبدو هذا خياراً انتهازياً، أو حيلة مدروسة أو بكل بساطة مسألة متعلقة بآداب الضيافة. لكن المعنى غير ذلك تماماً. فهنالك حقيقة مخبأة وراء هذا الكلام الغريب تدلنا على أبعد من ذلك، على النهج الصحيح.

يريد السيد المسيح أن يقول لنا بكل بساطة أن الوصول إلى المراتب الأولى يتطلب المرور بالمراتب الأخيرة، وأن من اكتشف النعمة وخفّض نفسه سيتمكّن من الإرتفاع. لأن يسوع يعرف أن آخر مقعد يمثّل نعمة. نعمة من يعرف أن هناك ما هو أبعد من الوظيفة أو المكان الذي يشغره. إنها نعمة من لا يتوهم بأنه شخص رفيع المستوى من خلال الامتيازات التي يحصل عليها. إنها نعمة من ينظر إلى الحياة كهبة. كما وهي نعمة من يعرف الخدمة.

نحن لا نصل الى هذه النتيجة وحدنا، إذ نمضي جزءًا من حياتنا في التمسك بمناصب القوة والسلطة. إن العديد من صراعاتنا والمشاكل الناجمة عن علاقاتنا مع الاخرين تتأصّل في بحثنا عن المراتب الأولى.

نحن لسنا الوحيدين في ذلك. فقد واجهت الجماعة الأولى التي عاشت مع يسوع نفس المشاكل. تتفق الأناجيل الإزائية بأن التلاميذ عادة ما وقع بينهم جدالات في من يكون أكبرهم (لوقا ٢٢: ٢٤)، وحدث أيضآً أن أم يعقوب ويوحنا ابني زبدي طلبت من يسوع أن يحلّ ابناها في المراتب الأولى (متى ٢٠: ٢٠٢٤).

إنها تجربة انسانية، واحدة من ثلاث تجارب جرت يسوع في الصحراء. إن الحياة كفيلة بأن تُظهر لنا أن هذا المجد باطل وزائل، وربما نلنا نعمة التواضع التي تدعونا الى النزول.

وقد يكون هذا بداية الخلاص، لأن الرب شاء أن يحدث ذلك بهذه الطريقة، واضعاً في التاريخ البشري هذا المنطق المعكوس. منطق مؤلم في العادة ولكنه فعّال. من يخفض نفسه يرتفع، ويختبر تجربة تحرير حقيقية ونعمة اكتشاف القيمة الحقيقة للبشر والأشياء والحياة. هناك، من منظور المرتبة الأخير، نبدأ بالعيش الجدّي.

يحدّثنا المثل الثاني عن حقيقة بسيطة، محفورة مسبقاً في قلب الإنسان. في هذا المثل يخبر يسوع الشخص الداعي الى الوليمة أن الغبطة ستكون نصيب من يدعو إلى الوليمة من يدعو الذين لا يقدرون أن يبادلوا الدعوة. “طوبى لك إذا فعلت ذلك لأنهم لا يقدرون أن يكافئوك” (لوقا ١٤: ١٤). فإن أعطينا بقصد المكافأة فلن يحدث أي شيء في حياتنا. لا ربح في ذلك ولا خسارة. انها مسألة مقايضة ومتاجرة. ولكن إن أعطينا من دون أن ننتظر مقابلاً، فسنقدِّر ونكرِّم هذه المجانية التي تفسر وجودنا وتجعلنا ننمو في الإنسانيّة. سنعيش حينها حياتنا بطريقة حقيقية تفتح حياتنا على آفاق الأبدية. لإن المجانية هي كنز أبدي يوجه الحياة نحو القيامة: “فتكافأ في قيامة الأبرار” (لوقا ١٤: ١٤).

ويعد يسوع أمراً مهماً لمن لا ينتظر مقابلاً، وهي الغبطة واكتشاف الفرح الحقيقي. بابتعادنا عن عالم المصالح والحسابات الشخصية الذي نعيش فيه، وبممارستنا للمجانية سنختبر فرحاً عميقاً مستمراً.

لا يكتفي يسوع بالقول. في الفصل ١٣ من إنجيل يوحنا وقبل دنو ساعته يقدّم لنا يسوع مشهدا تاريخيا: يأخذ، هو السيّد والمعلّم، المرتبة الأخيرةويخلع ثوبه ويغسل أرجل تلاميذه ومن بينهم الذي خانه وسلّمه. وبعد غسل أرجلهم، كرَّر يسوع الوعد بالسعادة لمن أدركوا الحكمة المخبّأة في المراتب الأخيرة : “والآن عرفتم هذه الحقيقة، فهنيئاً لكم إذا عملتم بها” (يوحنا ١٣: ١٧).

 

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X