الفاتيكان والأرمن

العهد القديم من الكتاب المقدّس يولي أرمينيا مكاناً مرموقاً فقد وضع في حدودها جنّة عدن، وجعل سفينة نوح ترسو على جبل أرارات. وذكر على ألسنة الأنبياء نداءات الاستنجاد بشعوب أرارات (أورارتو سابقاً).

من أسباب زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى أرمينيا في 24 يونيو 2016: “لقاء الجماعة الكاثوليكية المحلّيّة”، و “التعبير عن المحبّة والدعم والصداقة للشعب الأرمني بأكمله”.  وسوف يزور كنيسة “إتشميادزين” أوّل كنيسة في العالم.

عبّر الفاتيكان، وتحديداً قداسة البابا بندكتوس الخامس عشر، عن تعاطفه مع الأرمن، حينما استقبل أربعمئة يتيم في مصيف “كاستل جوندولفو”، إثر الإبادة الجماعية سنة 1915م،  ووضعهم تحت رعاية الكنيسة الأرمنية لسنوات كثيرة .

عندما يرد ذكر الأرمن يخطر على البال فوراً مأساتهم، وفي يناير 2015 كشف قسم الأرشيف في الفاتيكان عن وثائق سرّيّة تُثبت الإبادة ، وأعلن أنّه سيتمّ نشرها في كتاب، ويبدو أنّ الكتاب رأى النور قبل عدّة  أيام.

بداية المسيحيّة والاضطهاد في أرمينيا

وُجدت بعض الجماعات المسيحيّة في أرمينيا في القرون الأولى للميلاد، وبشّر الرسولان  “تدّاوس” و”برتلماوس” الأرمن بالدين المسيحيّ في منتصف القرن الأوّل الميلادي.

وفي نهاية القرن الثاني، لجأت إلى أرمينيا مجموعة من المتبتِّلات هرباً من اضطهاد الإمبراطور الرومانيّ ديوقليتيانوس، ومنهنّ القدِّيستان “هرِبسيمه” و”كاياني”. الفتاة الجميلة “هربسيمه” حاول ديوقليتيانوس إغواءها فهربت مع رفيقاتها إلى أرمينيا، وهناك اجتذب جمالها انتباه الملك “تيريداتس” ولمّا صدّته أهلكها هي ورفيقاتها.

كان هذا أوّل استشهاد للأرمن،  تبعته عذابات القديس غريغوريوس المنوّر، ثمّ استشهاد الأمير “فارتان ماميكونيان” ورفاقه، الذين رفضوا الديانة المجوسية وعبادة النار، فخاضوا معركة “أفاراير” سنة 451م أمام الفرس، دفاعاً عن إيمان الشعب الأرمني، ومع أنهم استشهدوا في المعركة لكنّهم انتصروا بعدم نكرانهم الإيمان المسيحي.  اذن المعموديّة الأولى لأرمينيا كانت معموديّة الدم.

اعترفت الكنيسة الأرمنيَّة بالمجامع المسكونيَّة الثلاثة الأولى، ورفضت الاعتراف بمجمع خلقِدونية لأنّها لم تشارك فيه، إذ كان الأرمن في العام 451 يدافعون عن إيمانهم المسيحيّ  أمام هجمات الفرس كما ذكرنا سابقاً.

الملك تيريداتس (284 – 305)

لما تولّى الملك تيريداتس الحكم ، تحالف مع الإمبراطور ديوقليتيانوس، واستطاع إبعاد الفرس عن الحدود الأرمنية. وكان في خدمته شاباً يُدعى كريكور(غريغوريوس) يُتقن اليونانية والفارسية وغيرها. وفي يوم عيد الآلهة رفض غريغوريوس تقديم القرابين، وجاهر بإيمانه المسيحي. ووشى البعض للملك أنّ غريغوريوس هو ابن الملك الذي قتل والده. فنكّل به وأمر بإلقائه في بئر تجتاحها الحيّات، انتقاماً لوالده، لم يخرج أحد منها حيّاً من قبل.  وبقي في البئر لمدة ثلاث عشرة سنة، وكانت العناية الإلهية تُرسل له الطعام عن طريق أرملة.

أصيب الملك تيريداتس بمرض نفسي غيّر أطباعه ومعالم وجهه، ولم يُشفَ منه إلاّ حين أمر بإخراج غريغوريوس من البئر، بوحي من السماء. استعاد الملك صحّته بشفاعة القدّيس غريغوريوس، وأدرك أن إله غريغوريوس هو الإله الحقيقي، فاعتنق الديانة المسيحية سنة 301م وأعلنها دين الدولة.  ويفتخر الأرمن بأنّ أرمينيا  أوّل دولة اعتنقت المسيحية في العالم. أمّا الإمبراطورية  الرومانية فقد أعلنت ذلك سنة 380م.

يُدعى القديس غريغوريوس بالمنوّر، لأنه أدخل نور المسيح إلى أرمينيا. ولمّا كان غريغوريوس علمانياً، فإن الملك والشعب أصرّا على إعلانه بطريركاً عليهم. فذهب إلى قبدوقيا حيث نال الرسامة الأسقفية في قيصرية.  ويعود الفضل إلى القديس غريغوريوس في تنظيم الكنيسة الأرمنية من حيث التعليم الديني والطقوس الليتورجية .

 شاهد القديس غريغوريوس في رؤيا “ابن الله المتجسّد”، فبُنيت كنيسة “إتشميادزين”  (أي نزول الأبن الوحيد) سنة 303م.  كان غريغوريوس متزوّجاً، ولكنه بعد رسامته، ترك بيته وتفرّغ للعمل الرسولي، وترأس الكنيسة الأرمنية طيلة ربع قرن. توفّي   سنة 325م.

من هم الأرمن ؟

الصلة التي تربط الأرمن بالكتاب المقدّس عميقة الجذور متأصّلة حتّى النخاع ، تجسّدت في إيمان الشعب الأرمني وثقافته ومثله العليا وآماله وآلامه ، وأوحت كتابات آبائه القديسين والأدباء، كما زيّنت فنونه الجميلة بزخارف وأناشيد وتراتيل بيبليّة. ونحت الأرمن في الصخر صلباناً حجريّة وأغصاناً ترمز إلى القيامة.  ويرى الشعب الأرمني في الكتاب المقدّس مرآة تعكس أحداث حياته بحذافيرها، ويتمثّل ذلك في أقوال الكاثوليكوس كاريكين الأوّل: “عندما أتأمّل في دور الكتاب المقدّس في تاريخ الكنيسة الأرمنيّة وفي حياة الشعب الأرمني، أفكّر بدور الدم الذي يسري في جسم الإنسان.”

أطلق الأرمن على الكتاب المقدّس اسم “أسْدْفادْزاشونْتْش” أي “نَفَس الله” بمعنى روحه تعالى ، أليست كلمة الله “روح وحياة”؟ (يو 6 : 36). وهل من تعبير أجمل وأصدق من هذه التسمية ؟ كلمة الله ليست حبراً على ورق أو أحرف مطبوعة في كتاب … والأبجديّة الأرمنيّة أوجدتها الحاجة إلى نقل (ترجمة) الكتاب المقدّس إلى الأرمنيّة كي يكون في متناول الشعب!

الأرمن شعب ينتمي إلى العرق الآري (الهندوأوروبي). ووجودهم في أرض أرمينيا العظمى التي تقاسمها جيرانها، يعود إلى الألف الثالث ق.م. كانت مساحة أرمينيا التاريخية اثني عشر ضعف مساحة جمهورية أرمينيا الحالية.  وتنبع من أرمينيا عدّة أنهار رئيسية منها دجلة والفرات.

جبل أرارات وفُلْك نوح

لجبل أرارات قدسيّة وحضور مميّز في تاريخ الأرمن.  يقع جبل أرارات في أرمينيا في الأراضي التي احتلّها الأتراك.  ومن أجمل الأسماء التي أطلقها الأرمن على الجبل هو “داباناكير” أي حامل الفُلك. وردت لفظة أرارات في العهد القديم خمس مرّات بمعنى أرمينيا. تَستخدم الترجمات السبعينيّة والفولغاتا كلمة أرمينيا بدلاً من أرارات. وأحياناً كثيرة استخدم آباء الكنيسة  لفظة أرمينيا عوضاً من أرارات.

نبذة تاريخية

من أشهر ملوك هذه الحقبة الملك  ديكران الثاني (95 – 55 ق.م) الملقّب بـ (ديكران الكبير)، وقد ضمّ إلى مملكته أجزاء من بلاد فارس وشمال العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان وفلسطين.

في أثناء الحكم العباسي استقدم العباسيون شعوب كثيرة أسكنوها في تخوم أراضي الأرمن، منهم السلاجقة الأتراك الذين حاربوا البيزنطيين واحتلّوا خلال هذه الحروب أراضي أرمنية كثيرة .

سنة 1514 استولى السلطان سليم الأوّل على أرمينيا. ونقل الملك الفارسي أكثر من ثلاثين ألف أرمني إلى أصفهان لإحياء المدينة، وليتعلّم الفرس الحِرَف المختلفة نظراً لمهارة الأرمن الحرفيّة المميّزة. ويعود الفضل إلى الأرمن في شهرة السجاد الإيراني وغيره.

العصر الذهبي 

تحدّث الأرمن لغتهم ولم تكن مكتوبة . وكانت رغبتهم شديدة ل “ألف باء” أرمنيّة كي ينقلوا (يترجموا) بها الكتاب المقدّس. في سنة 406 م، أوجد الراهب القدّيس “ماشدوتس” الأبجدية الأرمنية. وبذلك بدأ عصر الثقافة الأرمنية الذهبي، وتمّ نقل (ترجمة) أغلب المؤلّفات العلمية والثقافية والتاريخية والدينية الموجودة آنذاك إلى اللغة الأرمنية، حتى أنّ أصول بعض هذه المؤلّفات قد فُقدت وبقيت ترجماتها الأرمنيّة مثل كتب أيريناوس وأفرام وأفلاطون …

وقد سبق الأرمن عصر الترجمة في الدولة العربية الإسلاميّة بعدّة قرون، ونقل (ترجم) الشعب الأرمني الكتاب المقدّس قبل  (مارتن لوثر) بنحو 1100 سنة.

الفن القوطي (gothic) منقول من الهندسة الأرمنية

منقول من المباني الأرمنية في بداية العصر المسيحي. وفي مدينة آني، تمثّل الأنقاض الحجرية لكاتدرائيّتها الكبرى، تحفة الهندسة المعمارية الأرمنية في العصور الوسطى،  وكنيسة القديس غريغوريوس تشهد بصمت على الأسلوب المعماري القوطي.

بعض مشاهير الارمن

بناءً على طلب بعض الأصدقاء، أورد أسماء بعض المشاهير الذين خدموا الإنسانية، على سبيل المثال لا الحصر:  هوفانس آدامیان: مخترع التلفزيون الملوّن.

 لوثر سمجيان: يمتلك 200 اختراع ومنها: الصرّاف الآلي، وجهاز محاكاة الطيران، آلة الأشعة السينية الملوّنة، جهاز محاكاة الغولف وغيرها.

 “دارون أسموغلو” : تصدّر قائمة أشهر الاقتصاديين في العالم (عددهم 2223 ) ، حاز فيما بعد على جائزة نوبل.

ميكائيل دير بوغوصيان: عالم فيزياء اخترع جهاز التصوير المقطعي بصور ثلاثيّة الأبعاد ، يُستخدم اليوم للكشف عن أمراض الدماغ والأورام السرطانية وبعض أمراض القلب، والعمليات الوظيفيّة في الدماغ  والجهاز الهضمي والكلى والكبد.

رايموند تاماتيان : اخترع جهاز تصوير الرنين المغناطيسي (MRI) .

روجر ألتونيان: باحث لمرض الربو، صيدلي، كان رائدًا في استخدام الصوديوم كرومولين كعلاج استنشاق لمرض الربو.

خاتمة

قامت الكنيسة الأرمنية مشكورة ، بدور بارز في الحفاظ على الثقافة والهوية الأرمنية. ويكوّن الأرمن جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي أينما وُجدوا، ويقومون بالمساهمة في نهضة أي دولة يعيشون فيها، حاملين معهم غنى قيمهم الأخلاقيّة ، وتألّق علمهم، مع الأمانة في العمل والتضامن والاحترام وسائر أسس التعايش السليم، حسب تعاليم الكتاب المقدّس : “كُن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة.”(رؤ 10:2). ندعوه تعالى أن يزداد رباط المحبّة بين جميع الفئات المسيحيّة “ليكونوا بأجمعهم واحدا”.

أشخين ديمرجيان

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X