الأحد الثّاني للمجيء ب سنة ٢٠١٧

القدس عاصمة المسيح والمسيحيّة

(أشعيا ٤٠ : ١ – ١١)

أوروشالم مدينة الملك العظيم” (متّى ٥: ٣٥)

هذا المليك العظيم هو الرّبّ المتجسّد في يسوع النّاصريّ. عرشه الصّليب على الجلجلة وقصره القبر الفارغ ورعيّته في العلّيّة أي الكنيسة الأولى، أمّ جميع الكنائس“. والقدس عاصمة المسيحيّة الوحيدة الوجدانيّة، ورائحتها كالأمّ تلمّ وتجمع. هي العاصمة الوحيدة التي يتّفق عليها كلّ المسيحيّين (لأنّها لا تسيطر على أحد خارج حدود فلسطين والأردنّ!) بخلاف العواصم الإداريّة أي روما وإنطاكية والإسكندريّة والقسطنطينيّةومن المحزن والمؤسف أنّ المسيحيّين يخافون أن يقولوا أنّ القدس عاصمة المسيحيّة، وهم يعملون حسابًا لغير المسيحيّين، بحيث يُغفلون حقيقة مؤثّرة مأثورة جوهريّة يؤكّدها المسيح الملك الدّاخل منتصرًا إلى المدينة المقدّسة والمرتفع مليكًا على الصّليب وفوق القبر الفارغ!

وهكذا نسمو على الاعتباراتالسّياسيّة والدّنيويّة كلّها، وفوق كلّ تحيّز أو تحزّب لصالح العرب أو اليهود“. ومن المؤسف جدًّا في الحديث عن القدس الإعلان أنّها تعني اليهود والمسلمينكأنّ لا وجود للمسيحيّين ولا للمقدّسات المسيحيّة التي هي أقدس مقدّساتنا. مصدر هذا الإغفال في الغرب هو الفكر الملحد العلمانويّ الّذي يتذرّع بفصل الدّين أي الكنيسة عن الدّولة، وفي الشّرق يأتي خوفًا من المسلمين، كأنّ احترامنا لحقوقهم يلغي حقوقنا. وجاء إعلان الرّئيس الأمريكي عن القدس عاصمة لإسرائيل دليلاً على استهتار أمريكا وإسرائيل بالشّرعيّة الدّوليّة. ومن مصادره التي لا سبيل إلى إصلاحها التّفسير البروتستنتي المتطرّف للكتاب المقدس ولأرض الميعاد وللشّعب المختار وهيامه غير العقلانيّ ولا العادل باليهود، مع أنّهم لا يعترفون بيسوع مسيحًا ولا مخلّصًا ولا ربًّا.

أوروشالمحسب الكتاب المقدّس

لم تكن أصلاً مدينة يهوديّة ولا تابعة لأيّ من الأسباط الاثني عشر. أصلها مدينة كنعانيّة اسمها يبوسأو أورو شالماي مدينة المعبود شالم“. أمّا اللّفظة العبريّة المركّبة يروشالايمفلا تعني شيئًا، وغريبة صيغة المثنّى في آخرها. ولا تعني رؤية سلامولا يرون سلامًا،بل قد تعني يخافون سلامَين، وهذا غير معقول. احتلّها داود الملك احتلالاً عسكريًّا نحو سنة ألف قبل الميلاد السّيّديّ. وفي العهد الجديد يميّز دومًا الإنجيليّون وأعمال الرّسل بين أوروشالم اورشليمو مقاطعة اليهوديّةأو يهوذا” (متّى ٣: ٥، أعمال ١: ٨) التي من أرفع مدنها شأنًا بيت لحم.

صحيح أنّ الإمبراطوريّة أو الخلافة الإسلاميّة ما اتّخذت بيت المقدس” (وهو نقل للعبارة العبريّة بيت همقداش“) عاصمة، بخلاف الصّليبيّين وإنّ اسم القدسكمدينة (ولا اسم فلسطين“) غير وارد في القرآن. ولكن هذه ليست ذريعة لاحتلالها وتشريد سكّانها وسائر سكّان فلسطين.

عزّوا عزّوا شعبي، يقول الرّبّ“!

تقع هذه الكلمات الإلهيّة من السّماء عزاء لنا، نحن الشّعب الفلسطينيّ العربيّ المسكين المستضعف المستهتر به الذي لا وزن له ولا ناصر وغريمه القاضي، يعاديه العمّ سامإكرامًا للّوبي اليهوديّ وانطلاقًا من الفكر المعوجّ والتّفسير المغلوط للكتاب المقدّس حول الشّعب المختار وأرض الميعاد. اليوم لا يعتقد اليهود، لا المتديّنون ولا العلمانيّون، أنّهم بحاجة إلى تعزيةولا إلى سلوى من الرّبّ، فإنّ سيّد هذا العالمأي الرّئيس الأمريكي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل” (وما كنّا نعرف عنه أنه كبروتستنتي يعترف!). طبعًا، عند بعض اليهود المتديّنين، غير المعترفين أصلاً بالدّولة، مثل ناطوري كارتاأي حرّاس أو نواطير المدينة، لا داعي للفرح، بما أنّ الدّولة يجب أن يؤسسها المسيح المنتظر الذي ما أتى بعد.

التّعزية الحقيقيّة : مغفرة الخطايا (أشعيا ٤٠ : ١ وتابع)

والاحتلال العسكريّ خطيئة والسّيطرة على شعب آخر خطيئة، والسّلب والمصادرات والقتل خطيئة. أمّا نحن المسيحيّين، فيعزّينا أنّ ملكوت يسوع ليس من هذا العالم” (يوحنّا ١٨ : ٣٦) وأنّه أتى ليخلّصنا” “وهو يخلّص شعبه من جميع خطاياهم“. هذا هو النّصر وهذه هي النّجاة، طبعًا مع حفظ حقوق الإنسان. فهو المليك العادل البرّ الّذي أحب البِرّ وأبغض الإثموالظّلم ، لذلك مُسح دون زملائه بزيت البهجة” (عن مزمور ٤٥ (٤٤): ٧٨، عبر ١: ٩).

ونحن نطالب بحقوقنا كمسيحيّين وفلسطينيّين وعرب، نطلب العدالة التي هي قوام عرش السيّد المسيح الملك. ولا نكتفي بالعدل والاستقلال (وإن كان يبدو حُلمًا حتّى الآن). وندرك من يسوع أنّ ملكوت الله في داخلنا” (عن لوقا ١٧: ٢١). وكيف يتمّ ملكوت الله أو يأتي في قلوبنا؟ لنستمعنّ إلى النّبيّ المقدسيّ أشعيا:

أعدّوا في البرّيّة طريق الرّبّ

إنه صوت يصرخ، ويصرخ في الصّحراء المادّيّة، صحراء نهر الأردنّ، سائلاً أن نُعِدَّ في الصّحراء المعنويّة طُرُق الرّبّ أي في الإماتة والتّقشّف والزّهد والقناعة والتّوبة طريق الاستغفار. حينها يمتلىء كلّ وادأي يرفع الله المتواضعين، ويُخفض الله كل جبل وتلّمن الكبرياء والعُجب والغرور والأنانيّة والخيلاء، ووعر الطّريق يصير سهلاً“: وعر اللّؤم والقساوة والتّنكيل بالآخرين والبطش بهم، خصوصًا النّساء والأطفال والمسنّين والفقراء

خاتمة

كما كتب بطريركا القدس وسائر أساقفتها إلى الرّئيس الأمريكي: نستعدّ لعيد الميلاد بقلق وأيدينا على قلوبنا، ونحن نخشى اندلاع المنطقة واحتراق الشّرق الأوسط كلّه وامتداد الحريق إلى أمريكا. فالقدس مدينة تهمّ ليس فقط المسلمين واليهود بل إيّانا نحن المسيحيّين، وإن كنّا، كأتباع المسيح الوديع متواضع القلب، لا نؤمن بالعنف لتثبيت حقوقنا فيها.

حمانا الله من الرّصاص الطّائش ومن أعمال العنفولا ينغصنّ أحد أو شيء فرحتنا المسيحيّة الأصيلة التي لا يقدر أحد أن ينزعها منّا” (يوحنّا ١٦ : ٢٢) أي الاحتفال، من جديد ، وللمرّة الألفين والثّانية والعشرين، بميلاد المخلّص في بيت لحم، وقد تجلّى مجد الرّبّ، وعاينه كلّ جسد“.

وكلّ عام وأنتم بخير، كلّ يوم وكلّ ساعة، لأنّ كل يوم وساعة يذكّرانني بميلاد يسوع في التّقويم الميلاديّ !

ولسنين كثيرة، يا سيّد!”

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X