بيرغامو – نضع بين أيديكم عظة الكاردينال ليوناردو ساندري، عميد مجمع الكنائس الشرقية، في السيامة الاسقفية للمونسنيور بييرباتيستا بيتسابالا، رئيس أساقفة فيربه الفخري، والمدبر الرسولي للبطريركية اللاتينية في القدس، في كاتردائية بيرغامو، السبت 10 أيلول 2016:

العزيز الأب بييرباتيستا

استمعنا قبل قليل لهذه الكلمات: إن أمنا الكنيسة الكاثوليكية تطلب أن يسام أسقفًا الأب بيير باتيستا بيتسابالا. قبل 26 سنة، قبلت السيامة الكهنوتية، مع زملائك، في كاتدرائية بولونيا، من يدي المطران بيفي. وقال المطران إذّاك في عظته: “إن الكنيسة، عروس المسيح، وأم المؤمنين، تطلب. التشبيه يشير إلى الأمانة الزوجية وإلى اهتمام الوالدة. ما ستكونه بعد قليل، ستكونه إلى الأبد. ما يحدث اليوم، يحدث مرة وللأبد“. نعم، الكنيسة هي عروس المسيح وأم جميع المؤمنين. وإننا نعيش اليوم معا خبرة فريدة تظهر حقيقة الكنيسة الجامعة الكاثوليكية. فالبابا فرنسيس خليفة القديس بطرس يرسلك. وعائلتك، وكنيستك المحلية، كنيسة برغامو، ترحِّب بنا في كاتدرائيتها. وجمعية الرهبان الفرنسسكان، ولا سيما رهبان حراسة الأرض المقدسة، والآن ابرشية القدس البطريركية، وبعض السفراء البابويين، والأساقفة، والإخوة من الكنائس المختلفة، والكهنة، والمؤمنون العلمانيون المجتمعون هنا، كلّهم جاؤوا يصلّون معك ويبتهجون بنعمة الله وبالعمل الذي أتمَّه الله فيك، وفيهم بواسطتك وبحضورك وبرسالتك.

 

1- في سر الكنيسة، مع الأسقف بييرباتيستا، ندرك أنه على أساس الكنيسة لا يوجد إنسان، بل نعمة الله هي التي عملت وستعمل بصورة فعّالة فيه. القديس بولس قال لنا، وكلماته التي قرأناها الآن أصبحت شعاره: “تكفيك نعمتي“. وهي عبارة لا تنمّ عن مشاعر مبهمة، بل عن إيمان متجسد في الواقع. بولس الرسول افتخر بضعفه، لتتكوّن قدرة المسيح فيه، أمام الصعوبات الجمة التي واجهته، في حمل الرسالة التي وكلها إليه الرب. توصل بولس الرسول، من خلال تجاربه الأليمة، إلى الإدراك البسيط أن المسيح هو الرب، وأنه يمكنه بقوته أن يحمل رسالته، إذا ما تحرَّر من كلّ ما يمكن أن يبدو له وكأنّه نجاح شخصيّ. بهذا التحرر، يصبح أداة مناسبة للعمل في يد الله. بعد فترة سوء الفهم مع جماعة قورنتس، استعاد بولس فهمه لسر الله المطلق والمتعالي الذي لا يوصف. لما ظهر يسوع المسيح لبولس على طريق دمشق، صار سرُّ الله قريبًا منه حتى إنّه خيِّل إليه أنه أمر يمتلكه، بينما الواقع هو أن سرّ الله يبقى فوق كلّ قوة بشرية، فلا يقدر إنسان أن يصفه أو أن يتصرف به. ولكن ألم التجربة الإيمانية حمل بولس على توجيه رسالته إلى أهل قورنتس كتبها بالدموع، وأدرك في الوقت نفسه سمو وعمق خدمة العهد الجديد والمصالحة: فهي خدمة للإخوة في الإيمان وتعاون معهم لتثبيتهم في فرحهم. نسأل شفاعة بولس الرسول على الأسقف بيير باتيستا، حتى تكون الخطوة الجديدة التي تطلبها منه الكنيسة في حياته الإيمانية مساعدة له لتعميق خبرته الإيمانية ولتجعله حقًّا راعيًا بحسب قلب الله.

2- في القراءة من النبي أشعيا يتكلم النبي عن التعزية، ويضع الإنسان في كل زمان قبل كل شيء أمام سؤال: “لماذا تنفق مالًا لما لا يشبع ولا يروي؟ وأنت شعب مشتَّت ومجلوٌّ في بابل؟ والجواب من عند الله ليس حكمًا بالهلاك، بل وعد بالأمانة والعهد الأبدي. وهنا نؤكِّد مرة ثانية أنّ العمل هو عمل الله الذي يخلّص، ويجمع المشتَّتين، ويحِبُّ ويعتني بشعبه. ولكن الله بحاجة إلى النبي ليبلِّغ صوته إلى الناس، الى نبي يعيش بين الناس ويقدر أن يوقظ فيهم الجوع والعطش إلى مبدع الحياة. الأسقف، بعد أن يتجاوز مشاعر الضعف فيه وعدم كفاءته، وبعد أن يعرف مؤكَّدًا أولوية النعمة المطلقة، وقد اختبرها في نفسه من قبل، ينطلق مبشِّرًا بالعزاء الذي يأتي من الله: “تعزَّوا، تعزَّوا، يا شعبي. ما أجمل على الجبال أقدام المبشِّرين، المبشِّرين بالسلام“. قلوب الكثيرين في الأرض المقدسة، وبالتحديد في أبرشية البطريركية اللاتينية، متعطشون إلى العدل والسلام: وهما حقّان أساسيّان في كلّ إنسان، وقبل أن يطلبهما من الآخرين، يجب أن يكونا موضوع شوق وعمل في داخل الكنيسة وبين الكنائس، ومع جميع المؤمنين بالله، اليهود والمسلمين.

أسقف للقدس للكنيسة اللاتينية، مدبِّرًا لها باسم قداسة البابا، وقائد لمجلس الأساقفة الكاثوليك في الأرض المقدسة، رسالته صعبة، ولكن يمكن القيام بها بفرح وبحزم وصفاء، واضعًا ثقته في كلمة الرب، وليس على أي مشروع بشري. الكلمة ليست مقيّدة ولا مهزومة، ولكنّها فاعلة ومثمرة، كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان من غير أن يرويا الأرض، ويخصباها، فتُخرِج نبتًا، لتعطي الزارع زرعًا والآكل طعامًاكذلك تكون الكلمة التي تخرج من فمي: لا تعود إليّ فارغة، بل تصنع ما أريد، وتتمِّم ما أرسلتها له“.

3- في الأرض المقدسة حيث سكنتَ، أيها الأب بييرباتستا، وخدمت مدة 26 سنة، الكلمة صار جسدا وأظهر لنا إرادة الآب أي خلاص البشرية. هناك، كلمة الآب أكمل الوحي “, كلَمنا كأصدقاء“. وكما يقول المزمور نحن أيضًا نقول: “كلنا ولدنا هناك“. بالإيمان نريد أن نجدّد وعينا وإدراكنا أنه في تلك الأماكن، تحت الأنقاض التي هي ثمرة الخطيئة، والعنف، وقصر النظر عند أناس كثيرين وسلطات كثيرة في هذا العالم، هناك، تحت كل هذه الأنقاض، ينبوع وضعه الله، ما زال يتفجر ليمنح العزاء والخصب. يسوع نفسه حاضر هناك. هو الحي. وعلى الكهنة والمؤمنين بهداية الأسقف أن يتشجعو ويبحثوا في أعماق قلوبهم، عبر تقلبات التاريخ، ليجدوا المسيح الذي هو سيد التاريخ. إن الجماعة المسيحية التي تريد أن تبقى، وتريد سندا وحمى، ستبقى وتكون هي هبة للجميع، لمن سكنوا منذ قرون طويلة في تلك الأرض، وأيضًا للحجاج ولألوف العمال المهاجرين إليها، والذين اصبحوا جزءا ثابتًا فيها. الأداة الوحيدة بين أيدينا حتى لا يهاجر مسيحيو الشرق الأوسط، أو حتى لا يهجَّروا بسبب مشاريع مشبوهة غير واضحة، هو أن يكتشف المسيحيون في كل يوم أنماط حياة جديدة وقديمة، فيخرجوا من ذواتهم ليلاقوا ويبحثوا عن مساحات لقاء ومصالحة.

الأسقف في الكنيسة المحلية يترأس المحبة ويقوم برسالة التقديس ويكسر خبز الكلمة والإفخارستيا، فيبني الجماعة المسيحية الراسخة مثل البيت المبني على الصخر. وهو يعلّم ويربّي أن هذا الثبات مستمد من الله، وهو هبة منه تعالى ويُلزِمنا أن ننظر إلى الأمام إلى من يتألم، وإلى من يبحث عن الأمل لتثبيت حياته ومصيره، وذلك بتضامن الكنائس في العالم. وهنا أفكر في الكثيرين من الحاضرين بيننا اليوم، وغيرهم، من الذي يعملون على دعم كنيسة الأرض المقدسة.

يصف البابا القديس غريغوريوس الكبير في القانون الراعوي شخصية الراعي فيقول: “الحق نفسه لما ظهر بيننا متخذا بشريتنا صلى على الجبل وصنع العجائب في المدن، مبيِّنًا بمثاله للرعاة الحكماء أن يهتموا بمحبة لآلام المحزونين، فيما يبقى نظرهم متّجهًا إلى الأعالي. المحبة تعانق الأعالي عندما تنحدر إلى أدنى حاجات الفقراء، وبقدر الانحناء على المتواضعين، يكون الصعود إلى الله“.

4- لتشفع بك العذراء القديسة، والقديس فرنسيس، ومعهم جوق الملائكة في بيت لحم. ابدأ مسيرتك الأسقفية، أيها الأب، مثل المجوس المصوَّرين في كنيسة المهد في بيت لحم، لتسير بالرعية الموكولة إليك إلى لقاء كلمة الحياة ومعرفته وخدمته. كن شجاعا ومدَّ يدك مثل توما إلى جنب الرب المطعون والمصلوب والقائم من بين الأموات، لتثبُتَ أنت في الإيمان وتثبِّت إيمان إخوتك. لتكن رسالتك نورًا وبهاء، لا تهاب أمام التحديات التي ستواجهك. ولترافقك في رحلتك التي تبدأها اليوم كلمة قداسة البابا: “يمكن أن يغطي الصدى المتراكم وجه جماعاتنا المسيحية، بسبب القضايا المختلفة والخطايا. لكنّنا يجب أن نحمل رسالتنا ونحن متأكدون أنه تحت التراكمات المادية والأدبية، وتحت الدموع والدماء التي تسببها الحرب، وبالرغم من العنف والاضطهاد، تحت هذه التراكمات التي تبدو وكأنها لا يمكن أن تزول، هناك وجه مضيء مثل وجه الملاك الذي عثر عليه في ترميم الفسيفساء في بيت لحم. ساهم أنت أيضا في بناء الكنيسة، مثل فرنسيس في القديم، حتى يظهر ويضيء وجه المسيح الكلمة المتجسد.

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X