في لغة الكتاب المقدّس لا تقتصر المحبة على الجانب العاطفي، بل تتعداه. المحبة هي تجربة تربطنا بحياة الآخرين. المحبة لا تعني امتلاك مشاعر وأحاسيس فحسب، بل الدخول في منطق شخص آخر نمنحنه الحق في أن يسكن في حياتنا ونترك له حيّزاً داخلنا.

لذا فإن المحبة تُحدث تغييراً جذرياً لوجودنا، وتعيد تشكيل هويتنا: فمن دون الآخر ليس لكَ وجود. يكفي التفكير في العبارة التي قالها القديس بولس في رسالته إلى أهل غلاطية إذ تكلم عن نفسه: ” صُلبتُ مع المسيح، فما أنا أحيا بعد، بل المسيح يحيا فيَّ. وإذا كنتُ أحيا الآن في الجسد. فحياتي هي في الإيمان بابن الله الذي أحبّني وضحّى بنفسه من أجلي.” (غلاطيّة ٢، ٢٠).

المحبة هي تجربة نحافظ من خلالها على ذكرى الآخر في داخلنا، ويحيا فينا جميعُ مَن نحبهم. وبهذه الطريقة تصبح الحياة اصغاءً وطاعةً وأمانة.

إن لم نفهم جيداً هذا الأمر فمن المستحيل أن نفهم ما جاء في إنجيل اليوم. عندما كانت الجموع الكثيرة ترافقه، أظهر يسوع لها بآيتين (آية ٢٧ و٣٣) كيف يمكن أن يكونوا من تلاميذه. من يرغب في أن يصبح واحداً من تلاميذ المسيح، ف قد أعاد الرب ترتيب العلاقات، بحيث أن مَن لا يُحبّه أكثر من حبّه لأبيه وأمّه وأفراد عائلته، بل أكثر من حبّه لنفسه، لا يمكن أن يتبعه.

الترجمة الاعتيادية لهذا النص هي عادة: “من أحبّني أكثر من حبّه لأبيه وأمهلا يقدر أن يكون لي تلميذاً.” في الحقيقة، الترجمة اللفظيّة أقوى من ذلك وهي تتضمن فعل أبغض“. (من جاء إليّ ولم يُبغض أباه وأمّه، لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً…).

إن هذا التعبير قويّ ويدفعنا إلى التساؤل: ماذا يقصد يسوع؟

هنالك ملاحظتان:

الأولى تتعلق بالسياق العام لهذا المقطع. في الفقرة السابقة (لوقا ١٤: ١٥ ٢٤) يسرد يسوع مثلَ المدعوّين الى العرس، المتخلّفين عن الدعوة، والذين اعتذّروا عن المجيء الواحد تلو الآخر. هؤلاء المدعوّون، المنغمسون في شؤونهم ومشاعرهم الخاصة، لم يأتوا ساعة الوليمة، لأنّهم لا يفكّرون سوى في مصالحهم الشخصيّة.

أما الملاحظة الثانية فهي مستمدة من المنطق العام للإنجيل: من الواضح أن يسوع يغتنم جميع الفرص لإعلان وعيش نمط جديد من المحبة غير المشروطة والمجانية. ذلك مطلوب من الجميع.

من خلال استعراضنا للنصوص، نرى أن الفعل أبغضتم استعماله في الإنجيل بطريقتين: إما للمقارنة: “سمعتم أنّه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم: أحبو أعداءكم، وصلوا لأجل الذين يضطهدونكم…متى ٥: ٤٣ – ٤٤أو في صيغة المجهول، للتدليل على العدائية التي ستنزل بالتلاميذ: “….ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي” (لوقا ٢١: ١٧).

من الواضح أن يسوع لا يطلب منّا أن نبغض الآخرين. بالعكس….

لا شك أن هناك أمرا هاما مقصودا من استعمال القديس لوقا لهذا الفعل. انه يشير إلى أن التغيير الجذري الذي يجب أن يُحدثَه الرب في حياتِنا: فعندما يتفجر حبّه في قلب انسان، سيصبح هو الحدث الرئيس والمرجع الأخير في حياته، وهو ما يفسّر ويعطى معنى لكل شيء. انه ليس مجرد حدث يضاف الى أحداث أخرى ولا مرجعا من بين مراجع متعددة ومتساوية في القيمة.

ولا يمكن أن تكون الحالة إلا كذلك.

لا وجود لمرجعية اخرى يكون لها نفس الأهمية. إن محبة الله هي الشيء المطلق. إن حلّ شخصُ أو شيءُ آخر مكانه، فانه يتحوّل إلى صنم يتملّكني ويَستعبدني.

من الآن وصاعداً يجب أن ندرك أن علاقتنا مع الله تأتي في المرتبة الأولى لأنها وحدها تصنع هويّتنا، ووحدها قادرة على منح الحياة. لذا علينا أن نجعله أساساً لوجودنا وأن نختار شخصه، محتضنين أفكاره وأحاسيسه وقِيَمَه والمنطق المعكوسالخاص به، وأن نرضى بأن نُصلب معه كما قال القدّيس بولس.

عندما يدعونا يسوع هنا إلى حمل صليبنا، فهو يتكلم عن أمر يتعدى المعاناة التي تحملها لنا الحياة. حمل الصليب هو أن نحبّ بدون مقابل ومن خلال هذا الحب ندرك كيفيّة التخلّي عن حب الاستملاك، والتخلي عن كل ادّعاءٍ بأن يكافئنا الآخرون وأن يملأوا حياتنا. إنه الحب المجاني.

أن نحب بهذه الطريقة معناه أن نجعل أنفسنا عرضة لأن نُجرح، وأن نُبقي داخلنا فراغا، وأن نعيش في الانتظار والتارجح. هذا هو الحبّ المصلوب. إن أحببنا بهذه الطريقة سنخلق داخلنا حيّزا حرا ومفتوحا، وقادرا على محبة جميع الناس. هذا ما يريده لنا الرب: اختبار حبٍّ أعظم.

وبما أن هذا الأمر مستحيل، نظرًا لقدراتنا المحدودة، يسرد لنا يسوع مثليْن، مثل الرجل الذي يريد بناء برج والملك الذي يريد أن يخوض حرباً ضد ملك آخر. من المستحسن أن يقوم هذان الرجلان، قبل أن يباشرا في تنفيذ مشروعهما، بالتحقق من قدرتهما على فعل ذلك على أتم وجه.

لكن المفارقة في هذين المثليْن كبيرة. فلكي يحقق التلاميذ ما يريدونه، من غير المطلوب زيادة الوسائل والقدرات المادية، بل التخلي عنها كلها، لأن اتّباع الرب، وأن نحب مثله، يستلزم منا فقط قلبا فقيرا يترك حيزا للرب، قلبا مستسلما للحب. والباقي يُزاد لنا.

نستطيع أن نرى كيف أن المستحيل بات ممكنا في حياة الأم تيريزا التي يعلن قداسة الباب قداستها في الرابع من أيلول. إن من يقبل الاستسلام لحب المسيح وأن يستملكه هذا الحب، يتحرر قلبه من كل قيد يستعبدنا ويستصغرنا، ويصبح عضوا في عائلة كبيرة لامتناهية. سينال مائة ضعف من من الإخوة والأخوات والأبناء والبيوت ويغدو أداة خلاص لمن ليس له إخوة وأخوات وأبناء وبيوت….

هذا ما حدث لرجل كان في نهاية حياته، كانت قد وجدته راهبات الأم تيريزا على أطراف المدينة في قنوات الصرف الصحي. حملته الراهبات الى البيت وغسلنه واعتنين به. وقبل موته، صرّح: “طوال حياتي عشت بائسًا، لكني أموت الآن ملكًا“.

إن مَن يستسلم لخبرة الحبّ المصلوب لا يستطيع أن يُحبّ إلا بهذه الطريقة.

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X