٤ كانون الأوّل

كما هو الحال في كلّ عام، تعرض علينا الليتورجيّا، في الأحد الثاني من زمن المجيء، شخصيّة يوحنّا المعمدان، الشخصيّة الأولى من بين شخصيّتين عظيمتين ترافقان مسيرتنا المجيئيّة.

من أجل مساعدتنا على التعرّف عليه، يُخبرنا متّى، في البداية، عن ثيابه: “كان لباس يوحنّا من وبر الإبل، وعلى حقويه مِنطقةٌ من جلد” (متّى ٣، ٤). وهذا ليس مجرّد عبارة بسيطةً، أو صفة مُمّيزة لا أهميّة لها، وإنّما إشارة واضحة إلى ملابس النبي إيليّا، الّذي تمّ وصفه، تحديداً، في بداية مهمّته، بأنّه رجل اشعر متنطّق بمنطقة من جلد على حقويه(٢ ملوك١، ٨).

بهذا الإقران بين لباس الشخصيّتين، يبدو أنّ الإنجيليّ يريد أن يقول لنا: أنظروا، لقد عاد إيليّا، وهذه هي العلامة المُنتظرة منذ قرون مضت، وهي العلامة الّتي ئُؤكّد، دون لبس، أنّ المسيح آتٍ. لأنّه، بحسب نبوءة ملاخي (ملاخي ٣، ٢٣)، قبل أن يجيء يوم الربّ العظيم الرهيبسوف يكون الربّ قد أرسل النبي إيليّا.

فيما بعد، في بشارة متّى (متى ١١، ١٠ و ١٧، ١٠١٣)، سوف يؤكّد يسوع نفسه هذا التماثل بين إيليّا ويوحنّا في مناسبتين.

وهذا يعني أنه، مع ظهور يوحنا في الصحراء، فإنّ كل التوقعات المسيحانيّة لشعب إسرائيل كانت على وشك أن تتحقّق، وأنّ شيئاً عظيماً على وشك الحدوث.

ينتج عن هذا الخبر حركة وانتظار ورجاء: يذهب الناس إلى الصحراء، وهي مكان الإرتداد والتوبة، ومكان الإصغاء، من أجل رؤية إيليّا الجديد هذا، المُرسل من السماء.

يعظ يوحنّا في الصحراء، مؤكدًا بقوّة أن ملكوت السماء قد اقترب“.

وهذا يعني أنّه يؤكّد البشرى السارّة، تلك البشرى الّتي كان الجميع ينتظرها، وهي أنّ الربّ قريب، و يُحافظ على وعوده، وأنّه على وشك زيارة شعبه. يقول يوحنّا (٣، ١١) “يأتي بعدي مَنْ هو أقوى مني …”.

فإذا كان الأمر هكذا، وإذا كان الملكوت قريباً، فهنالك، بالتالي، حاجة لإعداد أنفسنا لاستقباله، وهذه، بالضبط، هي مهمّة المعمدان: يحرص الإنجيلي متّى على تضمين نبوءة أشعيا هنا (أشعيا ٤٠، ٣) حيث يطلب صوتٌ غامض وغير معروف من الشعب إعداد الطريق الّتي ستشهد عودة الربّ.

حسنا، لا تذهبوا أبعد من ذلك، فإن هذا الصوت يمكن سماعه الآن، وهو صوت المعمدان. وكلّ شيء صار له لهجة الوفاء بالوعد الّذي يبدأ بالتحقّق.

إنه زمن الإستعداد. كيف؟

يُقدّم المعمدان بعض المؤشّرات البسيطة والأساسيّة.

فهو يُحذّرنا، في المقام الأوّل، من خطر كبير: الظنّ بأنّنا جاهزون منذ الآن.

وهذا هو خطأ الفرّيسيّين والصدّوقيّين (متّى ٣، ٧ وتابع)، الّذين يظهرون هنا للمرّة الأولى في الإنجيل. يُفسّر يوحنّا فكرهم، المرتكز على هذه المقولة وهي أنه يكفي مُجرّد الانتماء إلى شعب ما، وإلى تقليد معيّن، كي يشعر الفرد بالأمان، وبأنّ كلّ شيء على ما يرام: لا يَخطُرَنّ ببالكم القول في أنفسكم: “إنّ أبانا إبراهيم!” (متّى ٣، ٩). لا جدوى من اللجوء إلى مثل هذا الزعم.

وبالتالي، فإنّه من المحيّر القول إن العائق الحقيقيّ للقاء الربّ، ليس هو الخطيئة، بل الافتراض أننا أبرار.

إضافة إلى هذا، فإنّ يوحنّا لا يطلب عمل أيّ شيء خاص: لا داعي للصيام، ولا لممارسة التزهّد، ولا القيام بالطقوس الدينيّة. ولكن، أوّلاً وقبل كلّ شيء، ببساطة، لا بدّ من التوبة.

إنّ كلمة توبة هي الكلمة المركزيّة في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم وتتكرّر ثلاث مرّات.

ماذا تعني كلمة توبة أو ارتداد؟ هي ما كان يفعله الناس، المتزاحمون على يوحنّا، بشكل عفوي: كانوا يعتمدون على يده في الأردنّ معترفين بخطاياهم” (متّى٣، ٦). تعني التوبة تبنّي موقف متواضع يُقرّ بعدم الاستحقاق الشخصي، وبالشرّ الّذي يسكن فينا، والحاجة الشخصيّة للخلاص الّذي ينفتح على رحمة الربّ.

إنّ هذا، بالنسبة للبشير متّى، هو الشكل الوحيد لإعداد طريق الربّ.

قد يبدو لنا في غاية البساطة، ولكن نحن نعلم أنّ الأمر ليس كذلك….

وأخيراً، فإنّ المسيح الّذي كان ينتظره يوحنّا المعمدان هو في المقام الأوّل قاض، ونحن نفهمه بهذا الشكل من الصور الّتي يستخدمها المعمدان لوصفه: الفأس الّذي يوضع على أصل الشجر والّذي يقطع الأشجار الّتي لا تُعطي الثمر (آية ١٠)؛ والمذراة الّتي تُنقّي البيدر وتحرق التبن (آية ١٢). وهذه صور لقاضٍ لا يُظهر الرحمة، ولكنّه يَحُلّ مشكلة الشر والخطيئة تماماً كما كان الجميع يتوقّعون، وكما الإنسان، وحده، يُمكنه أن يتخيّله: القضاء على الخطيئة وعلى الخاطئ. إنّها كلمات مشحونة بالعنف.

لن يكون الأمر كذلك، وأول من يُعبّر عن دهشته من هذا المسيح الجديد كلّياً سوف يكون يوحنّا ذاته (متّى ١١، ٣).

وسوف تكون هذه توبته الشخصيّة. وربّما ينبغي أن تكون توبتُنا بشكل ما أيضا.

+ بييرباتيستا

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X