في الأحد الأول من زمن المجيء، نبدأ سنة ليتورجية جديدة ترافقنا خلالها قراءة إنجيل القديس متى.

ومقطع اليوم مأخوذ من الفصل ٢٤ وهو جزء من خطاب يسوع الإسكاتولوجي عن نهاية الأزمنة، وهو أيضا الخطاب الخامس ليسوع وقد ورد قبل قصة الآلام.

وتقدّم لنا الليتورجيا هذا المقطع بالذات لكي تهيئنا لزمن المجيء، الزمن الذي يوجّه اهتمامنا لقدوم الرب.

تعال أيها الرب يسوع: عندما تتذكر الكنيسة مجيء المسيح الأول، تجعلنا نتطلع إلى مجيئه الثاني، مرحلة انتهاء الأزمنة والتاريخ.

لذا هو وقت الأمل والانتظار واليقظة. وفي الآحاد القادمة سنكون مدعوّين مراراً إلى السهر والاستعداد.

ومنذ اليوم نسمع على لسان يسوع: “اسهروا، لأنّكم لا تعرفون أيّ يومٍ يَجيءُ رَبُّكم.” (متى ٢٤: ٤٢)

يردد يسوع هذه العبارة في كل مرّة يتكلّم عن عودته، وفي كل مرة يوجَّه له سؤال عن نهاية الأزمنة: لا يدري أحد متى سيحدث ذلك. ومرة أخرى، يقول يسوع أن موعد انقضاء الأزمنة لا يعرفه أحدٌ، لا ملائكة السماوات ولا هو نفسه، إلا الآب وحده. (متى ٢٤: ٣٦)

في الواقع يُخبرنا يسوع أنه ليس بوسعنا معرفة الأزمنة الأخيرة، ويجب عدم السعي إلى معرفة ذلك، بل بالأحرى العيش وقت الانتظار بشكل لائق. في هذا الصدد، تبدو الآيات الأخيرة من المقطع (٤٢٤٤) غير منطقية. قال يسوع: لو عرف رب البيت في أية ساعة من الليل يجيء اللص، لسهر وما ترك بيته ينقب. اذا السهر مربوط بمعرفة موعد السارق. وأضاف يسوع أننا لا نعرف زمن مجيء الرب. وخلص بالقول: “كونوا أنتم أيضاً على استعداد!” إلا أن هذا يتعارض مع ما سبقه لأن الاستعداد يفترض معرفة الموعد. بينما نحن نجهله. نستنتج أننا لا نسهر لأننا نعلم موعد مجيء الرب، بل لأننا نعرف أن الرب سيأتي بكل تأكيد وفي ساعة لا ننتظرها، تماماً كمجيء اللص.

السهر هو سلوك من لا يعرف وقت انتهاء الدهر: إن كنت أعلم متى سيأتي الضيف، لما سهرت وقتاً طويلاً لأنه من غير الضروري أن أمضي وقتاً طويلاً في التحضير قبل أن يأتي. يمكن أن أُتحضّر في اللحظة الأخيرة. وهكذا لن يكون ضرورياً أن أقضي وقتي كله في الانتظار. ولكنه يمكن أن يصل الضيف في أية لحظة، لذا يجب علينا أن أكون دائماً جاهزا لاستقباله.

ولكن كيف يمكننا السهر والبقاء يقظين من دون فتور أو توان؟

تملأ الحكمة إنجيل القديس متى، وعندما تسنح له الفرصة يذكّرنا أنّه ليس كل من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ يدخل ملكوت السماوات، بل منْ يعمل بمشيئة أبي الذي في السماوات” (متى ٧: ٢١)، وأيضاً عند حلول يوم الدينونة، ستتم ليس بناءً على نياتنا الصالحة بل على أعمالنا التي أنجزناها بكل محبة تجاه الذين يحيطون بنا. (متى ٢٥: ٣١)

لا يعني الانتظار أن نتوقف عن مواصلة أعمالنا اليوميّة، بل بالأحرى السهر والانتباه إلى ما نفعل.

لا يعني الانتظار أن نتعمّق وندقق في علامات مجيء المسيح، بل إعطاء معنى للوقت الذي نمتلكه.

نحن نحضر أنفسنا لمجيئه، ليس في احتساب علامات انتهاء الأزمنة بل بالعيش حياة تتسم باليقظة الدائمة.

ينبغي علينا السهر على حياتنا حتى نصبح بارعين في فن السهر (أية ٣٩) وفن الانتباه. صحيحي أننا نقوم جميعنا بالأشياء ذاتها، ولكن ما يميزنا عن بعضنا البعض هو أن البعض يعيش كما لو لم يكن هناك أمر غير الزمن الحاضر بينما ينتبه البعض الآخر إلى ما يجري حولهم. ما يميزنا عن بعضنا هو سلوكنا تجاه السهر وليس اختلاف أشغالنا وأحوالنا: “يَكون رَجلان في الحقل، فيُؤخَذُ أحدُهُما ويُترَك الآخر.” (الآية ٤٠ ٤١)

إن السهر المسيحي هو فن تمييز علامات الأزمنة: أن نقوم بما وسعنا لفهم مصدر هذه العلامات من أجل أن يتقاطع تاريخ الإنسان مع مخطط الله أي ملكوته. علينا أن نتعلّم التحلي بالصبر ووضع ثقتنا بالله، والبحث عن الخير، وأن ننظر إلىى التاريخ مهما كان مؤلماً، على أنه فرصة معطاة لنا كي نبارك الله ونعمل من أجله، وأن يكون عملنا متقنا.

يذكرنا يسوع هنا أن نوح، على عكس الرجال في وقته، كان ينتظر الخلاص، وكان قد أدرك أنه بالرغم من الشر الذي أحاط به، كشف الله له طريقاً للحياة.

في الخاتمة، ينبغي علينا تعلم الانتباه والشعور بأن الرب سيخلّصنا. كما وعلينا أن ننتظر كيف ومتى سيجري هذا، في حياتنا وعملنا. نحن نتعلم هذا الانتباه من خلال الممارسة والعمل: يذكرنا الإنجيل بذلك، عند حديثه عن الرجلين العاملين في الحقل والمرأتين الجالستين وهما تطحنان وكذلك من خلال حديثه عن رب البيت.

الانتباه يعني القيام بنفس الأعمال التي يقوم بها غيرنا، ولكن تكون أعمالنا بنكهة الرجاء والخلاص القادم. فلتعبِّر أعمالنا عن الخلاص الذي اختبرناه والخلاص النهائي الذي ينتظرنا.

لهذا السبب، يمثّل الصالحون” (الذين سينالون الخلاص فيما بعد) نموذج الذين ينتظرون كما جاء في متى ٢٥. هذه هي خاتمة الخطاب الاسكاتولوجي الذي نحن في صدده: الصالحون هم من الذين أطعموا وسقوا وآوا وكسوا وزاروا وذلك لأنهم كانوا على علم باحتياجات من يعيش بقربهم. وستكون مفاجأتهم كبيرة عند قدوم الرب في مجده، لأن خلاصهم مرّ من خلال أعمالهم. سيدركون عندها أنهم قد سهروا فعلاً.

عندما نكون يقظين ورحماء، سنكون من دون أن نعلم جاهزين لمجيء الرب.

+بييرباتيستا

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X