متّى ١، ١٨ – ٢٤

المقطع الإنجيلي الّذي استمعنا إليه، في بدء بشارة متّى، يأتي مباشرة بعد ذكر نسب يسوع البشري، الذي به تبدأ رواية اليوم.

يريد متّى أنّ يُحدّد منذ البداية هويّة يسوع، ولهذا يُشير إلى أصله. تقول سلسلة أنساب يسوع بوضوح أنّه مُتأصّلٌ في تاريخ شعبه، وأنّه بمثابة قمة هذا التاريخ. ومع ذلك، فإنّ قصّة اليوم، الّتي تتحدّث عن مولده، تُدخل على هذا التاريخ عنصراً عامودياً جديداً. يُكرّر متّى مرّتين، في عدد قليل من الآيات، أنّ المولود من مريم، إنّما هو من الروح القدس” (١: ١٨ و ٢٠).

وتأكيداً لذلك نجد تعبيراً مهمّاً يؤكّد على تدخّل الربّ في التاريخ. يقول متّى في الآية ١٨ أنّ مريم وُجدت حُبلى من قبل أن يتساكنا“. ما حدثهو أنّ يسوع دخل في التاريخ قبل أن يتمكّن الإنسان من أن ينسب أبّوة يسوع إلى أصل بشري. إنّه أبديّ، وهو من عمل الآب. هو الأوّل، وهو البدء

سوف يصبح أصل يسوع الإلهي المُثبت في الإنجيل مصدر تلك السلطة الّتي يذكرها الإنجيلي مراراً وتكراراً (راجع ٧: ٢٩), والّتي سيتحدّاها خصومه (٢١: ٢٣). وهذه السلطة ذاتها سوف يتمّ نقلها، في وقت لاحق، إلى الكنيسة، في اللحظة الّتي سوف يترك فيها يسوع خاصّته كي يعود إلى الآب (متّى ٢٨: ١٨ وتابع).

لكنّ المقطع الإنجيلي يحملنا أيضاً، بهذا الشكل، على فهم ما يُعطينا إيّاه يسوع، وما جاء يحمله إلينا، وما يُشاركنا به، والجديد الّذي أدخله في التاريخ البشري الطويل: لقد أدمجنا في ديناميكية علاقته البنويّة بالآب، لقد طعّم التاريخ بألوهيّته.

تضع الليتورجيا أمامنا هذا المقطع الإنجيلي، ونحن نقترب من اختتام مسيرتنا المجيئيّة، كي تجعلنا نرى كيف يتدخّل الله في حياة البشر، أي في حياتنا. وللقيام بذلك، يُدخلنا في لحظة معينة من تاريخ رجل، اسمه يوسف، مدعوّ إلى أن يتبنّى (لوقا ١: ٢٠) سرّ الإله المُتجسّد في حياة خطّيبته.

دعونا نتوقّف عند عنصرين من هذه القصّة: يوسف البار وأحلامه.

يبدو هذا العنصران متنافرين.

يوصَف يوسف أنّه بارّ صدّيق (١: ١٩)، غير أنّ برّه كان، إلى حدّ ما، من نوع خاصّ. كان من المفروض أن يُعرّض خطيبته الحامل للرجم. وكان الرجم، وفقاً لشريعة موسى، تمام البرّ والعدل (راجع تثنية ٢٢: ٢٠- ٢١). ولكن يوسف لم يفعل ذلك. ومع ذلك، اعتبره متّى رجلاً بارّاً.

ولفهم نيّة الانجيلي يجب استقراء كافة فصول انجيل متى. إن المصطلح (بارّ/ برّ) هو غالٍ على قلب الإنجيلي الأول بدلالة أنّه يتكرّر أكثر من ٢٠ مرّة.

ولكنّ البرّ في نظر متّى، أي ذلك البرّ الخاصّ بملكوت السموات، ليس مجرد برّ بشريّ بسيط، ولا هو مجرّد مُكافأة. إنّه البرّ السامي (متّى ٥: ٢٠)، ذلك البرّ المذكور في العظة على الجبل، برّ الآب السماوي، الّذي يُمطر على الأبرار والأشرار (متّى ٥: ٤٥): ذلك البرّ الّذي يضع الشخص وليس الشريعة في مركز الاهتمام….

إنّ برّ يوسف هو من هذه الفئة.

يُبرز متّى كثيراً هذه الخاصيّة في حياة يوسف: يريد أن يقول أنّ هذا البرّ بالذات مكَّنه من الانفتاح على مشيئة الربّ، وهي دائماً مشيئة خلاص وحياة، وليس مشيئة موت أبداً. إنّ برّ يوسف وطيبته هما اللذان جعلاه جاهزاً لاستقبال سرّ الربّ الغامض والمدهش.

تحدث هذه الخطوة من خلال حلم. حتّى الأحلام مهمّة في بشارة متّى. ويسرد الإنجيلي خمسة منها. وهي تحديداً الحلم الّذي سمعناه اليوم؛ والحلم الّذي يُنبّه المجوس كي لا يعودوا إلى هيرودس (متّى ٢: ١٢)؛ والحلم الّذي يُنبّه يوسف كي يهرب إلى مصر (متّى ٢: ١٣)، والحلم (ويتكرّر مرّتين) الّذي يأمره العودة من مصر (متّى ٢: ٢٠ و ٢٢)؛ وأخيراً حلم زوجة بيلاطس (متّى ٢٧: ١٩)، الّتي تُرسل إلى زوجها من يقول له بأن لا يكون له أيّة علاقة مع ذلك البارّ، لأنّها حلمت به حلماً أقلقها كثيراً.

لذلك، فإنّ كلّ حلم هو خطوة تؤدي إلى خلاصيسوع من البرّ البشري ومن الموت.

وحيث لا تكفي الشريعة للانفتاح على مزيد من الحبّ ولا على حضور الربّ، يتدخّل الحلم، وهو عبارة عن فسحة في حياة الإنسان تحرّره من عبودية التقاليد والرأي السائد، وتكشف له إرادة أعظم. تكشف حضور الرب في الحياة الشخصيّة.

يُطيع يوسف الملاك في كلّ شيء، ويُرحب بكلّ شيء. من المؤكّد أنّه لا يفهم كلّ ما كان يجري. الشريعة تُفسّر كلّ شيء. أمّا الحب، فلا يفسّر، إنما يقدّم الحلول.

بيلاطس، على العكس من ذلك، لا يُعير حلم زوجته أيّ اعتبار ولن يُخلّص يسوع البارّ.

ولكنّ المفارقة هنا أنّ خلاص الربّ سوف يمرّ من خلال لامبالاةبيلاطس. بحكمه على يسوع، مكّنه من أن يقدم ذاته ذبيحة وقربانا على هيكل المحبة. وبذا حقّق الاسم، الذي كان يوسف مدعوّاً اليوم لإعطائه إلى هذا الطفل الّذي ليس ابنه: يسوع، عمانوئيل. الربّ يُخلّص، الربّ معنا.

في ختام زمن المجيء هذا نحن مدعوّون إلى الانفتاح على الحلم، تلك الفسحة المعطاة لنا، وعلى إرادة أعظم، تُخرِجنا من منطق عقلنا الضيق ومن برّنا المحدود. إنّ العدل البشريّ وحده، الموجود داخل إطار شرائعنا الخاصّة، يُصبح، في نهاية المطاف، ظالما، ولا يكون قادراً على استيعاب الجديد الآتي من يسوع وعلى الترحيب به. لا يمرّ الربّ من خلال عقلنا ومن خلال منطقه البشري.

يأتي الربّ من خلال الفسحة الجاهزة والمفتوحة من حياتنا. قد تكون الحلقة الأضعف والأقلّ ضماناً من حلقات حياتنا، ولكنّها الأكثر حرّية والأكثر صدقا. لقد قاد الربّ إليها يوحنّا المعمدان بشكل تدريجي، كما رأينا يوم الأحد الماضي، واليوم يقود إليها يوسف. ويريد أن يقود إليها كلّ فرد منّا.

+ بييرباتيستا


image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X