لقد بدأنا زمن المجيء بالاستماع إلى كلمة الربّ، الّذي دعانا إلى السهر والترقّب.

لقد عبرنا زمن الانتظار، برفقة جميع أولئك الّذين كانوا يرجون ويتوقون إلى رؤية يوم الخلاص. وتوقّفنا عند اللحظة الحاسمة من التاريخ، تلك اللحظة الّتي تمّ فيها تسليم عهدة هذا الانتظار إلى امرأة مؤمنة من الجليل وإلى خطّيبها، وهو رجل بارّ، مُتجاوب مع إرادة الربّ، التي هي دائماً إرادة حياة وسلام.

نحن، في هذه الليلة موجودون، مرّة أخرى، برفقة جماعة معتادة على السهر: “وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية، يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم” (لوقا 2، 8): هؤلاء تبلّغوا بشرى فرح عظيم.

قد يجعلنا كلّ هذا نظنّ بأنّنا قد وصلنا إلى الغاية وأكملنا المسيرة. غير أنّ الأمر ليس كذلك: فإلى جانب بشرى الفرح العظيم، هناك أيضاً الدعوة إلى استئناف المسيرة، للبحث، على وجه الأرض، أين استقرّ هذا الفرح. وبالتالي، فإنّ الانتظار يتحوّل اليوم إلى سَيْر. يجب البحث عن الميلاد.

هذا الطفل يولد، وهذا الملكوت يأتي، ولكن ليس بشكل واضح أو باهر ومُلفت للنظر. إنه لا يشدّ الانتباه. إنّه ليس في مُتناول اليد، وليس مضمونا، وليس شيئاً تجاريّاً يُشترى ويُباع، ولا يظهر حالا وبصورة دائمةإنما يأتي ويختفي.

إذا كنّا نرغب في العثور على الفرح فيجب أن نبحث عنه. ينبغي أن نخرج من ذواتنا، وأن نبدأ بالتحرّك. لا يمكن العثور عليه سوى في السير تجاهه. نحن، في واقع الأمر، صُنعنا لأجل هذا الهدف. خُلِقنا كي نبحث عن الحبّ والفرح والحياة والحقّ. نجدها لدى طفل بيت لحم: “تجدون طفلاً….” (لوقا 2، 2).

ولكن أين نبحث؟ يمكن العثور على الأشياء الجميلة، دائماً وفقط، عندما نعيش التجرد والفقر، هناك حيث المقوِّمات الأساسيّة للحياة، حيث لا نلتمس سوى ما هو ضروري، حيث لا يوجد شيء يدعو إلى التشتّت. ويتحقق ذلك في الإسطبل والمذود حيث تصل مقوّمات الحياة الى حدها الأدنى.

ومن حسن حظنا أن الأشياء الجميلة تكون قريبة: لا داعي للذهاب بعيداً للبحث عنها. صحيح أن الّذي سوف نجده سيكون شيئاً مألوفاً: كألفة الإسطبل لدى للرعاة. لن تبهرنا العلامة، لأنها تحملنا إلى أجواء منزليّة مألوفة. بالمقابل، تخطر على بالنا فكرة البحث عنه في قصر ملكي أو في الهيكل، ولكن ليس في إسطبل. ولهذا السبب فهو نفسه الّذي يجب أن يقودنا، ويعطينا علامة.

إليكم هذه العلامة” (لوقا 2، 12): طفلٌ مقمَّط في مذود. هذه علامة بسيطة ولا تستثني أيّ شخص من الوصول إليها. ماذا سوف نجد؟ السلام في الأرض للناس أهل رضاه” (لوقا 2، 14). إذا شرعنا في السير، وإذا بحثنا عن عيد الميلاد، وإذا أعرنا العلامات انتباهنا، فسوف نجد السلام.

نجد أعظم عطيّة مُمكنة: قد يبدو الخلاص أيضاً شيئاً قليلاً جدّاً، إذا كان الموضوع يتعلق بخلاصي وحدي. إنّ السلام هو الخلاص عندما يُصبح علاقة وحياة وشأنا يوميّا، عندما يُصبح لقاءً حقيقيّاً، مُجرّدا من جميع أشكال العنف، ومن جميع أشكال القمع، ومن جميع أشكال الغطرسة. لقاءً لا يمكن القيام به سوى في بساطة إسطبل. لذلك، هلمّ بنا نذهب إلى بيت لحم، فنرى ما حدث، ذاك الّذي أخبرنا به الربّ” (لوقا 2، 15).

لقد أخبرنا الربّ عمّا حدث، وحتّى أكثر من ذلك، أخبرنا عن ذاته. وهكذا علمنا أنه أرسل ابنه، واسمه عمانوئيل أي الربّ معنا، فصار جسداً، كي يكون مُستطاعاً، مرّة أخرى، معرفة ما قد أصبح الإنسان في ابتعاده عن الله، ومن هناك أعاد الرب صياغة التاريخ وجدّد المعرفة.

عسى أن يكون هذا هو ميلادنا: بحث عن الربّ، وفي نهاية المطاف، السماح له بأن يجدنا هو.

هذه هي بداية معرفة الذات من جديد: وهي تتضمن التعرف على ذواتنا وعلى الله، وبالتالي على بعضنا البعض.

+ بييرباتيستا بيتسابالّا

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X