عمّاد الربّ

ينقسم المقطع الإنجيلي المُعلن في قدّاس عيد عمّاد الربّ (متّى ١، ١٧) إلى قسمين متميّزين: في الجزء الأوّل نقرأ حدث العمّاد (الآيات ١٦١٧) وفي القسم الثاني، وصفا لأحد تجليات الربّ.

إنّ هذا الطرح المزدوج بليغ جدّا ونحن نبقيه في الخلفيّة، كمفتاح لقراءة الحدث: حيث أنّ اللحظة الأولى هي حركة انحدار نحو الأسفل، حركة نزول وتواضع ؛ واللحظة الثانية، على العكس من ذلك، هي خبرة مجد ورفع وانفتاح. انها ديناميكية فصحية: العبور من الموت الى الحياة.

دعونا ننطلق من اللحظة الأولى.

يتوجّه يسوع إلى يوحنّا ويطلب منه أن يُعمّده. متّى هو البشير الوحيد الذي يخبرنا عن ممانعة يوحنّا في أن يُعمّد يسوع وعن ردّ يسوع بخصوص البرّ: “دعني الآن وما أريد، فهكذا يحسن بنا أنّ نُتمّ كلّ برّ” (الآية ١٥). إنّ ممانعة يوحنّا قويّة جدّاً: أراد أن يمنع يسوع من الاعتماد، لأنّه لم يعتبر هذا العمل برّاً.

كان يوحنّا يريد أن يُتمّم واجبه الشخصي، وهو إعداد الطريق أمام المسيح. وعلى المسيح، حال وصوله، أن يأخذ الموقف بين يديه وأن يتمّم مهمّته . وهي مهمّة، كما كنّا قد رأينا في زمن المجيء، ترتكز على الفأس والنار والغربال (راجع متّى ٣، ١٢). لم يكن ممكنا، بحسب منطق يوحنّا – أن ينحني الربّ أمام الإنسان: بل الإنسان هو الّذي يجب أن ينحني أمام الربّ. “أنا أحتاج إلى الاعتماد عن يدك، أو أنت تأتي إليّ؟“.

هنا انقلاب تامّ أوّليّ للتوقّعات، وهذا ما يُفاجئ ويُحيّر ويُقلق: إنّ يسوع، المسيح وابن الربّ، والمخلّص، هو الّذي يصطفّ مع الخطأة من أجل الحصول على مغفرة الخطايا وعلى معموديّة التوبةوهذا شيء لم يتمكّن يوحنّا من فهمه.

سوف نجد شيئاً مماثلاً في سياق لاحق، في لحظة العشاء الأخير حسب بشارة يوحنّا، (يوحنّا ١٣، ١ وتابع)، حين ينزع يسوع ثيابه، كما هو الحال في مقطعنا، ويُتمّم مبادرة مُحيّرة هي غسل أرجل تلاميذه. وفي هذه الحالة سيحتاج بطرس الرسول، كما المعمدان الآن، إلى كثير من الجهد لقبول هذا المنطق.

يسوع، في دخوله إ سن الرشد، في دخوله التاريخ، يختار أن يقوم بذلك بطريقة جديدة. بطريقة متواضعة ومتضامنة، تضعه قريباً من مسيرة الإنسان، ومن جهوده، ومن خطيئته، وقريبا، كذلك، من رغبته في التوبة، ومن حاجته إلى الخلاص. يختار يسوع أن يبدأ من هناك: الذهاب للبحث عن الإنسان حيث يوجد. وهذا، وفقاً ليسوع، هو ما يُحقّق البرّ.

لقد رأينا قبل بضعة آحاد، في حادثة بشارة يوسف (متّى ١، ١٨٢٥) أهمّية كلمة برّ. لقد كان يوسف بارّاً ليس بسبب تقيّده الصارم بالشريعة، بل بسبب وجوده في حالة من الإصغاء المتواصل لمشيئة الربّ؛ وهي مشيئة إله يقف دائماً إلى جانب خلاص الإنسان.

وهذا هو الحال في مقطعنا الإنجيليّ: كان برّ الشريعة يفترض أن يبقى يسوع، لعدم كونه خاطئاً، بعيداً عن الخطأة. إنّ البرّ الجديد، برّ الملكوت، البرّ الّذي يُتمّمه يسوع، لا يبتغي سوى خلاص الإنسان، ومن أجل أن يُخلّصه ها هو يتضامن معه، ويذهب للقائه حيث هو.

هكذا يحسن بنا أنّ نُتمّ كلّ بر” (متّى ٢، ١٥): هذه هي كلمات يسوع الأولى في بشارة متّى. وهي كلمات مهمّة وبرنامج عمل، وتحتوي علىتوجهات يسوع، ورسالته، وهي أن يُتمّم فقط مشيئة الآب. وتُشبه الكلمات الأولى الّتي نطق بها يسوع في بشارة لوقا: “لما بحثتما عنّي؟ ألم تعلما أنّه يجب عليّ أن أكون عند أبي؟” (لوقا ٢، ٤٩). وهذه الكلمات قالها أيضاً أمام اثنين من المحاورين الحائرين، مريم ويوسف.

وبالتالي، فإنّ البرّ في بشارة متّى، لا يتحقّق عندما يتمّ التقيّد به، بل عندما يتم تجاوزه والتفوّق عليه بشكل ما، وعندما يتمّ الذهاب إلى ما هو أبعد من البرّ ذاته، من أجل الدخول إلى حيّز المجانيّة والمحبّة.

وهذا ما يفعله يسوع، معلناً جاهزيّته الفوريّة للمبالغة في المحبّة. إنّ قصّة المعموديّة هي إعلان أوّل لمحبّة الإنسان.

نحن موجودون في المشهد الثاني وفيه ينافس الاب ابنه في السخاء. هو مشهد غير متوقّع ومثير للدهشة بنفس القدر. هو كذلك مشهد مجانيّ. بينما يسوع يتدخل في تاريخ الإنسان مُعلنا عن حبّه له، يتدخل الآب في تاريخ يسوع ويقوم بنفس العمل، معبّراً له عن حبّه: “هذا هو ابني الحبيب الّذي عنه رضيت” (متّى ٢، ١٧). هذه كلمات تكشف عن رقّة وحنان نحن لسنا معتادين على سماعها، وسوف تُدوّي على الأرض للمرّة الأولى في قلب إنسان، يقولها الربّ لمخلوق بشريّ، ليسوع، وهو كامل الجهوزيّة لتقبلها.

وهكذا، حين يحدث هذا، فمن الواضح – لا بل إنّه حق وعدل – أن يتجدّد كل شيء ويتمّ: يرفّ الروح على وجه المياه مرّة أخرى، كما كان الحال في بداية الخلق؛ وأخيراً تتحقّق رغبة الإنسان بأن تنشق السماوات من جديد (أشعيا ٦٣، ٧ و ٦٤، ١١) ويتمكّن الربّ من النزول كي يقود شعبه الى خروج جديد نحو الحرّية.

إنّ دور يوحنّا، في كلّ هذا، أساسيّ، وهو الّذي تركه يعمل ما أراد” (الآية ١٥). وهذا هو واجب التلميذ: إتّباع الربّ في البر والقداسة؛ وتركه يعمل ما يريد، حتّى بذل حياته من أجلنا؛ آنذاك سنرى السماوات تنفتح ويبدأ تاريخ جديد، وخلق جديد.

+ بييرباتيستا

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X