الكاهن موضع الرحمة وخادم الرحمة، يقبل الرحمة ويمنحها

أيها الإخوة الأساقفة الكرام،

إخوتي وأخواتي،

كهنة، راهبات، مؤمنين

       يسعدنا جداً في عيد شهداء الاردن – زينون وزين ورفقائهم ان اترأس حفلة الرسامة الكهنوتية للأخوين: الشماس سلام حداد، والشماس ريمون حداد. كما يسعدنا ان نرى الكنيسة التي تحمل اسماء شهداء الاردن، قد اكتملت كتحفة جميلة جداً بفضل جهود ابونا حنا كلداني المشكورة وبفضل الكثيرين من الارادات الصالحة والمحسنين جازاكم الله خيراً وبركة.

في سنة الرحمة هذه، تريد أن تتأمل في سر الرحمة، اذ تدور حوله حياة الكاهن الشخصية، ورسالته نحو المؤمنين، أبناء الرعية.

 

الكاهن موضع الرحمة الإلهية

لقد أراد السيد المسيح أن يكون كهنته خدام رحمته وغفرانه، فأعطاهم سلطة الحل والربط, لما ظهر لهم في العليّة مساء أحد القيامة، نفخ فيهم وقال لهم: “خذوا الروح القدس. من غفرتم لهم خطاياهم تُغفر لهم، ومن أمسكتم عليهم الغفران يُمسك عليهم” (يوحنا 20: 22). وهذه السلطة نقلها الرسل إلى خلفائهم الأساقفة. ونحن بدورنا أشركنا الكهنة الذين رسمناهم بهذه السلطة. وسوف نمنح هذه السلطة للشماسين سلام وريمون. ولكن الكهنة أنفسهم بحاجة أولاً إلى قبول سر التوبة أو المصالحة قبل أن يمنحوه للآخرين.

 عندما يقترب الكاهن من سر التوبة ويطلب الغفران من الله، فإنه يختبر اختباراً شخصياً رحمة الله، كما يختبر حبّ الله له الذي اختاره. وبهذا الخصوص، للبابا فرنسيس تعبير جميل في البراءة التي أعلن فيها السنة المقدسة، عندما يقول: “لا يمكن للمُعرف أن يرتجل دوره، بل نصبح مُعرفين ناضجين ,عندما نكون نحن في المقام الأول تائبين معترفين بضعفنا، نبحث عن الغفران” (وجه الرحمة 17). “نحن مدعوون أن نرحم الغير، لأن الله قد رحمنا أولاً”. (نفس المرجع).

وهذه هي بالذات خبرة القديس بولس، كما يصفها هو نفسه لنا: “أشكر للمسيح يسوع ربنا الذي منحني القوة أنه عدّني ثقة فأقامني لخدمته، انا الذي كان فيما مضى مُجدفاً مُضطهداً عنيفاً، ولكني نلتُ الرحمة لأني كنت أفعل ذلك بجهالة، إذ لم أكن مؤمناً، ففاضت عليّ نعمة ربنا مع الإيمان والمحبة في المسيح يسوع ,الذي جاء إلى العالم ليخلص الخاطئين، وانا أوّلهم. فإني ما نلتُ الرحمة إلا ليُظهر المسيح يسوع طول أناته فيّ أولاً، ويجعل مني مثلاً للذين يؤمنون به، في سبيل الحياة الأبدية” (1 طيموتاوس 12-16). على غرار القديس بولس، نحن أيضاً جميعاً، أنا، أنت، كل واحد، نحن خطأة وموضع رحمة أولاً، لأنه غفر لنا، ويغفر لنا خطايانا بواسطة سر المصالحة، وثانياً، لأنه دعانا  نحن الخطأة، لنكون خدام رحمته، فيُظهر رحمته من خلالنا.

وعليه، أيها الإخوة الكهنة، يجب ان تكون الرحمة دليلنا، في تفكيرنا وتصرفنا وفي تعاملنا مع الناس. في الحقيقة، نحن مدعوون ان نفكّر كما يفكر يسوع الرحيم، وان نعمل كما عمل يسوع. إن يسوع هو الرحمة بالذات. وهذا ما يجب أن ينعكس أيضاً في كل تصرفاتنا: في أقوالنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا مع أبناء الرعية، يجب أن تتحول الرحمة إلى طريقة حياة. “طوبى للرحماء، فإنهم يرحمون” (متى5: 7).

الكاهن خادم رحمة الله: يمنحها

إن الكاهن هو أيضاً خادم أسرار الله. رحمة الكاهن ومحبته لأبناء الرعية، تظهر بشكل خصوصي في سر التوبة. عندنا في البطريركية كهنة أفاضل في الماضي والحاضر، قضوا ويقضون جزءاً كبيراً من حياتهم في كرسي الإعتراف، وعرفوا كيف يجذبوا النفوس ويستقبلوها بابتسامة وتواضع، كما عرفوا كيف يعيدوا الفرح للنفوس بمنحهم مغفرة الخطايا. لهم منّا ومن المؤمنين، كل تقدير واحترام.

أما القديس يوحنا فياني، فكان يبكي في كرسي الإعتراف، فقال له أحدهم: “ابتي، لماذا تبكي؟”، فأجاب: “إنني ابكي لما لا تبكون أنتم عليه”. ولآخر ساله: “يا أبتي، لماذا تعطي قانوناً سهلاً بعد الاعتراف؟ مرّة السلام ومرّة أبانا، يعني مش محرزة السولافة”. أجاب: “إنني أعطي قوانين سهلة، وانا أعمل الباقي”.

في هذه السنة المقدسة، سنة الرحمة، يدعونا البابا فرنسيس، نحن الكهنة، للعودة إلى كرسي الاعتراف لكي، نعترف نحن اولاً بضعفنا وانقساماتنا ثم نقبل اعتراف المؤمنين، وأن نخصص وقتاً لهذه الخدمة الرعوية الهامة. وينصح أيضاً بالا نكون فقط على أتمّ الاستعداد عندما نُدعى إلى كرسي الاعتراف، بل أيضاً أن نُطلِع المؤمنين على مواعيد الاعترافات. ونتحلى بالصبر، فنصغي وننصح ونُشجع ونُعزي، وألا نرفض أحداً ابداً، بل أن نكون مرحبين ومتفهمين ,وأن نعكس حنان الله.

 يأتي التائب إلى كرسي الإعتراف، طلباً للشفاء من جراحه الروحية، وليس لكي يُعامل بقسوة وبالتوبيخ. من الضروري فهم التائب، مع الأخذ بعين الاعتبار ما قد يشعر به من خجل. إن مجرد مجيئه طوعاً للاعتراف لهو دليل على رغبته في التوبة والرجوع لله. إننا خدام الرحمة، ولسنا أسياد الرحمة. إن كلام الكاهن يمكن أن يعمل الخير ويمكن أيضاً أن يسيء. لنذكر دائماً: إن الله اسمه الرحمة. إن وجه الرحمة الإلهية هو يسوع. ونحن المسيحيين جميعاً، ولكن بشكل بنوع خاص الكهنة، يجب ان نكون مرآة وجه الله وحبّه ورحمته. طوبى للرُحماء فإنهم يرحمون.

أيها الجمهور الكريم،

بمناسبة هذه الرسامة الكهنوتية،

نهنىء آل حداد،

نهنىء الإكليريكية والقائمين عليها،

نهنىء الأردن الغالي بمثل هؤلاء الشباب الذين قدّموا أنفسهم لخدمة الله والكنيسة.

نعدهم بصلاتنا، كي يبقوا كهنة قديسين، في مثل هذه الأوقات الصعبة بشفاعة شهداء الاردن زينون وزين وبصلوات كل اخواتنا الكهنة والراهبات وابناء الرعية الكرام.

مبروك وكل عام وأنتم بخير.

البطريرك فؤاد طوال

 بطريرك القدس للاتين

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X