(يوحنّا ١٤)

يُضطرّ المرء في هذا الأحد أن يركّز فقط على قراءة الإنجيل الطّاهر،في حرفه الرّابع، كما أوحى به الله وألهمه إلى التّلميذ الرّسول المحبوب يوحنّا. ويزيد هذه الضّرورة واجبنا وفي نفس الوقت حقّنا أن ندافع عن سبب الرّجاء الذي يعمر قلوبنا، وذلك (أي الدفاع) بوداعة ووقار” (عن ١ بطرس ٣ : ١٥)، وقد سمعنا مؤخّرًا التُّهمة أو الشّبهة أنّ العقيدة المسيحيّة فاسدة“.

التّفسير الصّحيح حول شخصيّة المسيح                                   

في مقاطع الإنجيل المقروءة في الطّقس اللاتيني لهذه الآحاد يرد ذِكر الآب“. ونقرّ، كما يفعل بطرس البستانيّ في معجمه المحيط، أنّ الوجه هو الأبُبهمزة قطع لا بألف المدّ. وقد تسرّبت هذه الصّيغة من الآراميّة السّريانيّة آبا، آبو“. وترفض المسيحيّة، كما سيرفض القرآن نفسه لاحقًا، فكرة أبوّة جسديّة لله. وإذا كانت هنالك في الماضي فئات – يجهلها تاريخ الكنيسةتتوهّم مثل تلك الأبوّة الجسديّة الفيزيولوجيّة، وإذا اعتقد ذلك معشرالمورمونفي أيّامنا، فهذا التّخيّل مخالف للإنجيل الطّاهر، لأنّ  الله روح، كما أعلن السيّد المسيح للمرأة السّامريّة (يوحنا ٤). فلفظة الآبفي الإشارة إلى الله تعني أنّه تعالى الخالق والمصدر الذي عطف كلّ الآباء، وحنان كلّ الأمّهات قطرة في محيط محبّته وحنوّه ورحمته.     وعليه، يكون الأب والابنكناية عن الله وكلمته” (يوحنا ١ : ١)، لا عن كائن ما ونجله أو نسله الجسديّ! وبما أنّ المسيحيّة، في أَثَر التّوحيد اليهوديّ (من تكوين ١ : ١ وتابع)، تحسب روح القدس” (مضاف ومضاف إليه، لا الروح القدسوهو خطأ لغويّ شائع) “روح القداسةأي روح الله القدّوس ذاته، فليست عندنا ثلاثيّةبل ثالوثأو وحدة ثلاثيّةفي الله وكلمته وروحه. ولا يجد المرء أفضل من الكلمة اللاتينيّة المركّبة ترينيتاس ومنها ترينيتي Trinitas, Trinity,  Trinidad…للتّعبير عن هذه الوحدة الثّلاثيّة“. وللأمانة، لا يجوز لمسيحيّ أن يستشهد لإثبات الثالوث الواحدبنصّ سورة النساء ٤ ، ١٧١ لأنّ معنى اللّفظتَين كلمةو روحيختلف فيه عن المعنى المسيحيّ.

ولاهوتيًّا وحصرًا، لا يقول الإنجيل بأنّ الله هو عيسى بن مريمبل أنّ للمسيح طبيعة إنسانيّة بشريّة خاضعة للألم والموت، وفيها يسكن جسديًّا كلّ ملء اللاهوت” (قولسّي ٢ : ٩)، بحيث أنّ المسيح والآب واحدكالله وكلمته، وأنّ الآب أعظم من المسيح الإنسان“.

ليس الله في المسيحيّة ثالث ثلاثة

رُبّما وُجد في الماضي السّحيق من اعتقد ذلك من المنشقّين الهراطقة، ولكنّ المسيحيّة تقول أنّ الله هو الواحد الأحد. وما الأقانيم” (وهي كلمة سريانيّة مستوردة من اليونانيّة) سوى أوجه ثلاثة للإله الأحد الخالق العاقل بكلمته والحيّ بروحه. ويُنكر عيسى بن مريم، في سورة المائدة ٥، ١١٦، أن يكون قال للناس اتّخذوني وأمّي إلهَين من دون الله“. ولا دليل في التّاريخ لوجود بدعة مريميّة“. وإن وُجدت، فقد زالت منذ زمن بعيد. ولا تعبد المسيحيّة السيّدة العذراء، حاشى وكلاّ، بل تكرمها وتهنّئها، وهي التيمنها السلام – هتفت: “تعظّم نفسي الرّبّ وتبتهج روحي بالله مخلّصي” (لوقا ١ : ٤٧ وتابع).

في البشارة بحرفها الرّابع الفصول ١٤ – ١٦: البارقليط هو روح الله، روح القدس

في كلّ الآيات من هذه الإصحاحات، لفظة البارقليط παράκλητος واردة في كلّ المخطوطات، وتعني: المحامي، المؤيّد، المدافع، المشدّد، المعزّي، الشّفيع. وحسب السيّاق والذِّكر الصّريح هو روح الله، روح القدس، روح الحقّأي روح الله ذاته، الّذي حلّ على العذراء والرسل والتلاميذ بعد صعود السيّد المسيح إلى السّماءبأربعين يومًا (أعمال الرّسل ٢ : ١ وتابع). ويجدر الإيضاح أنّ هذا الحلولليس حلوليًّابمعنى تأليه، حاشى وكلاّ، بل بمعنى غدق المواهب والنّعم عليهم. ولا توجد في أيّة مخطوطة لا قديمة ولا حديثة لفظة بريكليتسالتي تعني المشهور“. كما أنّ كلّ مشهورليس ممدوحًا“.

في الحوار مع المسلمين إخوتنا

في إطار هذه العظة التي اقتصرت حتّى الآن على الوجه التّعليميّ دون التشجيعيّ على الفضائل والأفضال، يمكن أن يزيد المرء نصوصًا إسلاميّة تصف الإنجيل بأنّه أو أنّ فيه هدى ونورًا، وأنّ معشر النصارى” “أهل كتاب، وهم يتلونه حقّ تلاوتهويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأنّه هداهم اللهبحيث يجب الاقتداء بهداهم، وبحيث أن ليس عليك هداهم“.

القول بأنّ العقيدة المسيحيّة فاسدة

وهنا  يسأل المرء المعترضين: كيف تكون عقيدة الدّين المسيحيّ فاسدة وأخلاقيّاته عالية، لا غبار عليها، تصل في جودتها وطيبتها ورقيّها ونبلها درجة تجعل بعضهم يتّهمها بالخياليّة؟ وبما أنّ الشجرة تُعَرف من ثمارها، فأخلاقيّات الإنجيل العالية (ولانتكلّم هنا عن المسيحيّين كبشر) هي الدّليل على حُسن عقيدتهم، إذ أنّ العقيدة مقياس الأخلاق، والدّين المعاملةفي الإسلام، وفي المسيحيّة ما يشبه هذا القول المأثور.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نستشهد بسيرة المسيحيين الأوّلين الحميدة، من يوم يومهم، وفي المسيحيّين العرب المشهود لهم بشكل عامّ بحسن المواطنة والمعاملة ودماثة الأخلاق.  وتعود بنا الذكرى النافعة إلى سنة ١١١م حين كتب إبلينيوس الفتى حاكم بيثينية (وأحسبها اليوم في تركيا) تقريرًا يرفع الجباه عن المسيحيين إلى الإمبراطور ترايانوسالذي وسوس إليه بعض المفترين الحاقدين بقتلهم وإفنائهم عن الوجود.

لا يتّهم النّص القرآنيّ المسيحيّة بالفساد، لا كعقيدة ولا كشريعة                      

بجولة سريعة، يُدرك المرء من نصوص قرآنيّة كثيرة أنّ المقصود في الفساد – وليس واردًا أي شيء عن العقيدة المسيحيّةهو الانحلال والانحراف عن الأخلاق ونشر الشّرّ والرّذيلة وتشجيعهما بالقول والفعل، بحيث يأتي الدّمار بسبب الذين يعيثون في الأرض فسادًا. وحسبُنا من عشرات النّصوص التي تشير كلّها إلى الانحلال في الرّذائل والشّرور كلمة سورة ص ٣٨، ٢٨  التي لا تترك للشّكّ مجالاً: ” أم نجعل الذّين آمنوا وعملوا الصّالحات كالمُفسدين في الأرض؟فنحن المسيحيّين نؤمن بالله واليوم الآخر ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكرونسارع في الخيرات، قدر الإمكان، وقد جعل الله في قلوبنا مودّة ورحمة ورهبانيّة…”

خاتمة

حفظنا الله من الفتنةالتي هي أشدّ من القتل“. وقدّرنا نحن المسيحيّين أن نؤدّي الشّهادة الحسنةشهودًا وشهداء، وأن نبقى للمسيح والإنجيل والكنيسة أمناء، وعلى علاّتنا وهفواتنا ملح الأرض ونور العالم“!

بقلم الأب بيتر مدروس

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X