بولندا يشارك أكثر من ٧٠٠ شاب وشابة من أبرشية القدس في أيام الشباب العالمي الذي يجري هذا العام في مدينة كركوفيا البولندية. في التقرير التالي، نود أن نعرض لكم يوميات الشاب جورج (اسم مستعار)، وهو فلسطيني مسيحي يشارك في هذه الرحلة، ويختبر إبان تواجده هناك تجارب غنيّة ومؤثّرة تصقل تدريجياً روحه المثقلة نتيجة العالم المادي والأناني الذي يعيشه.

اليوم الأول – الإثنين ١٨ تمّوز ٢٠١٦ : التحضير للسفر، من القدس إلى مطار بن غوريون

لا أستطيع النوم هذه الليلة. إن التحضيرات الأخيرة لهذه الرحلة، التي ستستمر لأسبوعين في بولندا، تؤرقني! لا أريد أن أنسى شيئاً! بما أن وقت الذهاب إلى المطار سيكون الساعة الثانية صباحاً، فلا أرى أي هدف من النوم. إن رحلتنا هذا العام ستكون من مطار بن غوريون وليس من عمّان. يدفعني ذلك للتساؤل: هل كان هذا أفضل القرارات؟ تتفاوت الآراء حول هذه القضية لأن بعض الشباب المتواجدين معي يشير إلى صرامة التفتيش الذي يمر به الفلسطينيون في مطار بن غوريونعند وصولنا هناك، تم تفتيش حقائبنا مرتين قبل أن تفحص جوازات سفرنا.

مع بزوغ الفجر، يقودني تفكيري إلى الله. أطلب منه أن يبارك رحلة حجّنا، نحن المئة وثمانين فلسطيني المشاركين في أيام الشباب العالمي.

لقد كنّا المجموعة الوحيدة عند صعودنا على متن الطائرة. هنالك بعض من الشباب الذين يسافرون للمرة الأولى في حياتهم. بعد أربع ساعات ونصف، حططت الطائرة في العاصمة البولندية وارسو، تلك المدينة العصرية التي سنزورها لاحقاً. في الوقت الحالي، جميعنا نفكر في شيء واحد فقط: الراحة لتعويض ما فاتنا من نوم.

من مدينة وارسو يجب علينا الآن أن نستقل الحافلة للتوجه إلى مدينة توران التي تبعد ثلاث ساعات عن العاصمة، والتي ستستضيفنا هناك لثلاثة أيام. يمكن سماع بعض التذمّر لكن استقبال أصدقائنا البولنديين لنا هدأنا ومنحنا الصبر. على متن الحافلة ينشغل الشباب إما بتبادل أطراف الكلام أو بأخذ قيلولة قصيرة. أما أنا فأستغل وقتي للتفكير قليلاً أو حتى للصلاة. بالنسبة لي يمثّل أيام الشباب العالمي محوريْن أساسيْن هما الصلاة والأخوّة.

لقد كان استقبالنا في توران مؤثراً. أعتقد أن الشعب البولندي قد قام بواجبه على أتم الوجوه. إن تجربتنا خلال هذه الرحلة تشكّل لنا كفلسطينيين فرصة لنتعلّم القليل من الشعب البولندي، كالتحلي بروح الانضباط في العمل والالتزام الجاد والعمل للمصلحة العامة.

بعد الاستقبال، شاركنا في قدّاس إلهي في كنيسة مبنية على النمط القوطي مكرّسة للقدّيسة كاترينا.

في نهاية اليوم الأول، يجب أن ننال قسطاً من النوم لأن برنامج  يوم غد مليء بالنشاطات. شكراً يا ربي لكل النعم التي عشتها خلال هذا اليوم الطويل والمليء بالأمور الجميلة وفرص الصداقة. امنحني القلب الحكيم لكي أعيش الأيام المقبلة بحضورك ومحبتك. اشف روحي وامنحني سلامك.

اليوم الثاني الثلاثاء ١٩ تمّوز ٢٠١٦: جولة في توران والتعرف على الحياة البولندية

بعد تناولنا وجبة الإفطار شاركنا في مؤتمر صحفي نظّمته محافظة المدينة والتقينا خلاله مع المحافظ. توجّهنا بعدها إلى البلدة التي اكتشف فيها تمثال نيكولاس كوبرنِك. كما وزرنا متحف الأب جرزي بوبيلوجكو، الذي عُرف بمقاومته وتضحيته من أجل تحرير بلده من الشيوعيّة في ثمانينات القرن الماضي.

بعد تناولنا وجبة الغداء قمنا بزيارة بلدة بولندية تعود إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر الميلادي. شاركنا بعدها في حفلة موسيقية نظّمهتا قوات من الجيش وفنان فلسطيني من نابلس، والذي شكّل مع أصدقائه البولنديين فرقة موسيقية تُدعى بكراتجمع بين الطابع الشرقيّ والغربيّ.

عند العودة لمكان إقامتنا توزعنا إلى مجموعات من ١٠ أشخاص، وانطلقنا مرة أخرى لاستكشاف المدينة. برفقة الأب مارتن سميت، الذي نظّم برنامج ضيافتنا، تمكّنا من تذوّق البيرة البولندية وزيارة ما تبقى من مدينة توران القديمة.

شكراً يا ربي على هذا اليوم. علّمني أن أفرح في الجمال والبساطة والاعتدال. علّمني أن أنتبه للآخرين ولاحتياجاتهم وضعفهم. إجعلني أتوق إلى النزاهة والمثابرة. آمين.

اليوم الثالث الأربعاء ٢٠ تمّوز ٢٠١٦: مدينة غدانسك على بحر البلطيق 

بعد حضور القدّاس الإلهي، ذهبنا إلى مدينة غدانسك في شمال بولندا. أستغل وقت وجودي في الحافلة لأفكّر قليلاً. إنه لمن المهم في بعض الأوقات التكلّم مع الله لتجنب الجفاف الروحي. إن الصلوات والليتورجية وحتى القدّاس ليسوا كافيين لمن يبحث عن التقرّب إلى الله. لذلك يجب على كل مسيحيّ أن يخصّص وقتاً معيّناً من يومه يلتزم فيه الصمت ويفحص ضميره من أجل استيعاب ما يعيشه، وبالتالي استخلاص المعاني العميقة من تجاربه بالرغم من المغريات العديدة التي يمكن أن تمنعه من ذلك.

بعد ساعتين السفر، وصلنا إلى المركز الأوروبي للتضامن وهو متحف مكرّس لتاريخ تحرير بولندا من استبداد النظام الشيوعي في ثمانينات القرن الماضي. لقد تأثرت كثيراً بعد رؤيتي لهذا المكان وكيف لعب التضامن والمثابرة دورين مهمين في تحقيق المشاريع النبيلة والعظيمة للإنسان الذي يطوق دائماً إلى الحرية والعدالةيجب علينا أن نأخذ من ذلك العبرة للتكاتف والعمل سوياً واعتماد طريق الحوار. وكما يقول المثل: يد واحدة لا تصفق.

في المساء عدنا إلى توران، متعبين ولكن سعداء بعد هذا اليوم الشيّق. غداً سنذهب إلى وارسو إذ سنقضي أربعة أيام قبل أن ننضم إلى قداسة البابا وثلاثة مليون شاب كاثوليكي من كركوفيا.

يتبع

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X