عظة البطريرك بيتسابالا بمناسبة الرسامة الكهنوتية للشمامسة رامز الطوال ووجدي سهاونة ولويس سلمان

نشرت بتاريخ: August 13 Fri, 2021

عظة غبطة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا بمناسبة الرسامة الكهنوتية للشمامسة

 رامز الطوال ووجدي سهاونة ولويس سلمان

عمّان - كنيسة الراعي الصالح

١٢ آب ٢٠٢١

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء

أصحاب السيادة والأساقفة

الإخوة الكهنة

أهالي الشمامسة المترشحين للكهنوت، لويس ورامز ووجدي،

سلام المسيح معكم،

أخيرًا، لقد وصلتم أنتم أيضًا إلى اليوم الذي طال انتظاره. بعد سنوات طويلة من الدراسة والاستعداد، وبعد الكثير من الأفراح والمصاعب وسوء الفهم، بعد أن عملتم على تطوير ذواتكم، وقبل كل شيء بعد الكثير من الصلاة، حان الوقت لنيل ’نعمكم‘ النهائية لله وللكنيسة. دعونا نحاول بإيجاز أن نفهم، بناءً على المقطع الإنجيلي الذي اخترتموه، بعض الحقائق المهمة للخدمة التي ستحملونها في كنيسة الله ككهنة للمسيح.

يرافقنا في هذه الرحلة الرسول بطرس، الذي نلتقي به في لحظة صعبة من تاريخه: أولاً، خلال مراحل درب الصليب حين أنكر يسوع وصديقه ومعلمه، وتركه في أيدي من قادوه إلى الموت. وقد فعل كل هذا بعد أن وعد بالولاء الكامل. وبعد القيامة، وجد بطرس الرب حيًا، فقام وفرح مع الرسل الآخرين في هذا الانتصار على الموت، لكن شيئًا من الخجل بقي في قلبه. لا يمكن لبطرس أن ينسى تلك اللحظة، وهذا ما يذكرنا به مقطع إنجيل اليوم.

أول ما يقال لنا اليوم هو أن كل تلميذ -وبالتالي أنتم أيضًا- على مثال بطرس، هو إنسان غير قادر على المحبة بشكل كامل، أو أنه قادر على المحبة حتى تصبح حياته على المحك، وقادر على الحماس الكبير والهروب الكبير في الوقت ذاته، ولكنه قادر أيضًا على التوبة العظيمة والدموع الحقيقية. لا يختار الرب بطرس والتلاميذ لأنهم أفضل من الآخرين، أو لأنهم رجال مختلفون. لا، إنهم أناس عاديون كغيرهم من الأشخاص، وفي قلوبهم ما في قلوب الآخرين، أي مزيج من الخير والشر والإخلاص والخيانة.

وهذا ينطبق عليكم. لا تظنوا بأنه تم اختياركم لأنكم أفضل من الآخرين. لا تفكروا أن لحظة الفرح والحماس هذه لن يتبعها التعب وخيبة الأمل. تذكروا إذًا أنكم هنا لأنّ الرب قد اختاركم وأحبكم أولاً. أنتم لستم أبطال هذه اللحظة، لكن الرب هو الذي يجعلكم له. ومع ذلك، فإن الوعي بمحدوديتكم وصغركم لا ينبغي أن يكون سببًا للإحباط أو النظر إلى الوراء. كما هو الحال مع بطرس، يجب أن يكون ذلك أيضًا سببًا لتعزيتكم. على الرغم من كونكم خطأة، فقد تم اختياركم من قبل الله -مثل بطرس- لتكونوا خدامًا له. لذلك، فإن بطرس والآخرين هم رجال ضعفاء ذوو هشاشة، يعالجهم الرب باستمرار ويجعلهم جددًا، ليس لأنهم يستحقون ذلك، ولكن لأن الرب هو فعلا الشخص الذي يتوجه دائمًا في طريقه إلى الآخر، ولا يتركه إذ يلتقيه ويحبّه كما هو.

أسئلة يسوع الثلاثة لبطرس (يو ٢١: ١٥-١٧) التي سمعناها في الإنجيل هي تذكير واضح بالإنكار الثلاثي (يو ١٨: ١٦-٢٧). لذا، يبدو الأمر كما لو أن يسوع أراد أن يعيد بطرس إلى تلك الليلة، لا لإذلاله أو لومه، بل لأنه يحبّه حقًا، وبالتالي لا يستهزئ بخطيئته ولا يستهين بها، ولكنه لا ينساها. هناك طريقة يغفر بها الرب وهي ألا ننسى، بل أن نُبقي ذكرى الخطيئة فينا، في محدوديتنا، حتى لا يتم استبعاد هذا الحدّ من العلاقة معه ويصبح بالفعل مكانًا للحب والمغفرة، بداية جديدة. أيها الإخوة الأعزاء، إذا شعرتم بأنكم محبوبون ومن ثم غفر لكم الله، يمكنكم أن تصبحوا خدامًا حقيقيين وصادقين لمغفرته. فمن خلال الاعتراف بأنكم خطاة، بإمكانكم أن تصبحوا مبشرين للآخرين بمغفرة الله التي هي أعظم وأجمل ابداع في المسيحية.

ربما كان الرسول بطرس يفضّل أن يُنسى إنكاره، لكن يبدو أن الرب يقول له إن الشيء الأهم ليس هو خطيئته، بل صداقته معه، وأن هذه العلاقة، إذا قبل بطرس بفقره، لا يمكن أن تفشل أبدًا. هناك ولد بطرس من جديد، وولد من جديد فقيرًا ووديعًا ورحيمًا، لأنه لم يعد مضطرًا لإثبات أي شيء لأي شخص. لا يسعه إلا أن يشكر. فليكن ذلك لكم أيضًا. ليس عليكم إثبات أي شيء. ليس عليكم إثبات مهارتكم وقدرتكم على فعل الأشياء. بدلاً من ذلك، اجعلوا من حياتكم فعل شكر جزيل. عبّروا دائمًا عن الفرح والامتنان لله الذي أحبكم وغفر لكم وخلصكم.

علاوة على ذلك، عندما يفعل الرب شيئًا جديدًا، فإنه يفعله بطريقة وفيرة: في الواقع، يعهد يسوع إلى بطرس بمسؤولية جديدة، وهي أن يكون راعٍ لخرافه. في الإنجيل الذي سمعناه، هناك صلة واضحة بين الحب والخدمة. لا يطلب يسوع من بطرس تبريرات لخيانته، ولا يسأله عن ولائه ونواياه الصحيحة، ولكنه يسأله ببساطة عمّا إذا كان يحبه. ويوافق بطرس على البقاء في هذا الحوار الذي هو بالتأكيد صعب عليه، والذي يعيده بوضوح إلى خيانته، إلى فشله المؤلم. يجيب بطرس دون تهرّب، بل إنّه يقبل تلك المواجهة الصعبة مع الحقيقة. وفي هذا السياق، ولهذا السبب بالتحديد، عهد إليه يسوع بالخدمة، وهو ما تحصلون عليه أيضًا اليوم، لا لأنكم لم تنكروا المسيح أبدًا أو كنتم دائمًا أمناء ومخلصين، ولكن لأنكم تحبون الرب. في كل مرة يغفر لنا ويحبنا، يحمّلنا مسؤولية جديدة. نحن مدعوون مرة أخرى كي نكون أطفالًا، بالاستماع بطريقة جديدة لكلمة ’اتبعني‘ التي قالها القائم من بين الأموات، والذي يغفر دائمًا من جديد ولا يترك أحدًا دون فرصة للحب.

أنتم أيضًا ستكونون رعاة، وستُعهد إليكم مسؤولية رعاية القطيع. ستقودون الخراف بحكمة إذا بقيتم راسخين في محبة الله، وإذا أحضرتم إليه الخراف بدلًا من أن تجعلوها تعتمد عليكم. اليوم يحل عليكم الروح ليمنحكم أسلوب الحياة الذي يتميز به الرب. لا تنسوا حدودكم وخطيئتكم، لكن رحبوا بها، مثل بطرس، مع الرب، ودعوا أنفسكم محبوبين بهذه الطريقة. هذا هو الشيء الأكثر ثوريّة الذي يمكنكم القيام به. ثم تعلموا بتواضع، يومًا بعد يوم، أن تحبوا أيضًا بهذه الطريقة: من خلال الاقتراب من الآخرين، دون إصدار الأحكام، بل عليكم أن تشهدوا في جميع الحالات أن كل موت، وكل ألم، وكل تعب، وكل دمعة يمكن أن تتحول إلى حياة، وأن الرجاء موجود دائمًا. هذا ما يجب أن يسمعه الناس منكم، لا بأفواهكم فحسب، بل بشهادة حياتكم.

هذا أصعب بكثير من إلقاء عظة جيدة أو تنظيم لقاءات في الرعية أو تقديم التعليم المسيحي: لأنه أمر لا يمكن قوله بالكلمات، بل في الحياة فقط. إنها مسألة محبّة: محبّة للرب والإخوة معًا، لأنه لا يوجد سوى محبة واحدة. بهذه الطريقة فقط ستشهدون للرب. من الضروري الحفاظ على هذه العلاقة، قبل كل شيء، في الصلاة والزهد، وفي اهتمام القلب بكلمة الله. وحتى عندما يبدو لكم أحيانًا أنكم فقدتم هذه العلاقة، لا تخافوا! هناك ستتمكنون من سماع كلمة الرب مرة أخرى: "هل تحبني؟ (يو ٢١، ١٥)، ثم مرة أخرى: اتبعني (يو ٢١، ١٩).

أعزائي، سترافقكم الكنيسة كلها في هذه المغامرة الرائعة التي هي خدمة المسيح في الكنيسة ككهنة أعزاء له. مبروك لكم جميعًا وتحية خاصة لعائلاتكم التي هي معنا هنا اليوم، تحتفل بالرب وتسبحه على هذه الهدية العظيمة التي وضعت اليوم بين أيديكم.

+ بييرباتيستا