عظة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا في قداس الحج المسيحي لموقع معمودية السيد المسيح ٢٠٢١

نشرت بتاريخ: January 14 Thu, 2021

السيد عماد حجازين، أمين عام وزارة السياحة والآثار، وزملائه الكرام

سيادة المطران وليم شوملي، النائب البطريركي في الأردن

رؤساء وممثلي الكنائس في الأردن

أعضاء مجلس النواب الأردني

أعضاء السلك الدبلوماسي في الأردن

فرسان القبر المقدس،

ضيوفنا الأعزاء،

الإخوة والأخوات الحاضرين والمتابعين عبر وسائل الإعلام

١. إن عماد يسوع في نهر الأردن هو علامة على بدء رسالته العلنية. سيمضي يسوع ثلاث سنوات متتالية في التبشير والاعلان عن ملكوت الله. يتحدث الإنجيل عن كل ما جرى في هذه السنوات الثلاثة، لكنه لا يقول شيئًا عن حياة يسوع خلال السنوات الثلاثين التي سبقتها. توجد لدينا فقط بعض الآيات، في انجيل القديس لوقا، حول هذا الموضوع: "ثم نزل معهما، وعاد إلى الناصرة، وكان طائعًا لهما... وكان يسوع يتسامى في الحكمة والقامة والحظوة عند الله والناس" (لوقا ٢:٥١ -٥٢).

ما قيل للتو هو أن يسوع كان ينمو وفقًا لمشيئة الله، وأنه كان مطيعًا لوالديه، وما من مزيد على ذلك. فكيف عاش يسوع وماذا كان عمله (بإمكاننا الافتراض أن عمله كان مثل عمل والده، لكننا لا نعلم ذلك حقيقة)، ومع من كان يمضي وقته... لا نعلم من هذا شيئًا. عاش في الخفاء التام، مثله مثل أي انسان آخر من فقراء ذلك العصر، مجهول الإسم. كان فقط ينمو في الحكمة والنعمة أمام الله والبشر، ومن هذا نعلم أنه كان محبوبًا من قبل الله ومن قبل البشر.

كذلك لم يظهر يسوع للبشرية في سن البلوغ، ولم يأتي مع رتب الملائكة لوضع نظام في العالم، بل ولم يظهر نفسه بطريقة مفاجئة خلال هذه السنوات الثلاثين، كي يشرع في التبشير بملكوت الله. بل إنه وُلد مثله مثل أي طفل آخر وعاش مثله مثل أي انسان آخر، ينمو أمام الله وأمام الناس، متعلمًا الصلاة والعمل والدراسة. ولم يكن سوى بعد هذه الفترة الطويلة من الحياة الخفية والتحضير، أن يسوع قد بدأ الإعلان عن الملكوت.

كذلك نحن، في هذا العام، قد اختبرنا الحياة في الخفاء، التي تشبه حياة يسوع خلال سنواته الأولى. تم تقريبًا تعليق كافة نشاطاتنا الرعوية، وللمرة الأولى منذ عدة أجيال، كان من المستحيل علينا عيش حياة عامة كالمعتاد. حتى احتفالنا هذا، في هذا اليوم، الذي يتم عادة بحضور أعداد كبيرة من المؤمنين، قد اقتصر على الحد الأدنى والأساسي. وإننا لا نزال نجهل كيف ومتى سوف تنتهي فترة الصمت هذه الطويلة.

إلا ان هذه الأمور، يجب ألا تحملنا على الاعتقاد بأن حياتنا يجب أن تبقى معلقة بسبب الكورونا، تمامًا كما أن حياة يسوع نفسه لم تبقى معلّقة. فقد عاش هو حياته بملئها، وعاشها حتى النهاية، في كل وقت، ووفقًا لما كان عليه أن يعمل في كل لحظة بالذات، أي: النمو بصمت، عندما كان الوقت وقت الصمت والخفاء، مطيعًا لوالديه؛ ومن ثم القيام برسالته العلنية حين بدأ زمن الرسالة.

كذلك الأمر بالنسبة لنا. ففي هذا الزمن، زمن الاغلاقات والصعوبات الجمة، يجب ألا نعتقد بأن حياتنا معلّقة. في هذه الأوقات الصعبة، التي لا يتاح لنا بها الاشتراك في الليتورجيا العلنية، يجب أن نعود ونقوي الصلاة في العائلة، ونُحَسِّنَ علاقاتنا العائلية، ونتعلم ما تتطلبه الدراسة في البيت من فن الانضباط. فنسأل أنفسنا، كل واحد وفقاً لظروف حياته الخاصة، عما يطلبه الرب منا الآن. وبنوع ما، فإننا نحن أيضاً مطالبون بالنمو في الحكمة والنعمة أمام الله وأمام الناس. فإن عدم تمتعنا بحياة علنية واضحة، لا يعني التوقف عن العيش، ولكن أن نعيش بنمط آخرـ مثل يسوع. إن رسالة يسوع العلنية، قد تغذّت من ثلاثين عاماً قضاها في الخفية والدراسة والصلاة والعمل.

٢. يقول لنا الانجيل أن يسوع أيضًا قد انضم إلى جمع الناس الخطئة، لطلب المعمودية عن يد يوحنا المعمدان. هو الذي كان بدون خطيئة، قد انضم إلى جماعة الخطأة. ويقول القديس بولس في يسوع: "ذاك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير فيه بر الله" (٢ كورنثوس٥: ٢١). وكذلك المعمدان نفسه لم يفهم ذلك، فقال: "أنا أحتاج إلى الاعتماد عن يدك، أوأنت تأتي إلي؟" (متى ٣: ١٤). سيمضي يسوع وقتا طويلا مع الخطأة، وبهذا سيتهمه الكتبة والفريسيون، إلى أن يموت في النهاية على الصليب مثل فاعلي الشرّ، وبين فاعلي شرّ.

 

خطيئتنا لا تستطيع إيقاف يسوع ونعمته. وكذلك لا تستطيع خيانتنا للأمانة توقيف أمانته هو. ما يطلبه يسوع هو أن نقبله وأن ندعه يعمل في داخلنا: "دعني الآن وما أريد، فهكذا يحسن بنا أن نتم كل بر. فتركه وما أراد" (متى ٣: ١٥).  ليس الكمال الذي نُتِم به أعمالنا هو ما يجعلنا قديسين، بل رغبتنا في قبول يسوع، وفي تركه يعمل. نقبل يسوع حين نقبل الأسرار، وكذلك حين نفتح قلبنا لقبول الآخر. فالشقاقات والشجارات والنزاعات، لا تفتحنا على قبول يسوع.

 

٣. في حادثة عماد يسوع، نجد ولأول مرّة كشفًا عن سرّ الثالوث الأقدس. امامنا ظهور عظيم لله كآب وابن وروح قدس. "واعتمد يسوع وخرج لوقته من الماء، فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه. وإذا صوت من السموات يقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (متى ٣: ١٦–١٧). في العماد أيضًا، تلج حياتنا المسيحية، كحياة يسوع، في سرّ الثالوث الأقدس. وكذلك نحن أيضًا أضحينا أبناء لله، نلنا الروح القدس، واتحدنا بالمسيح. وكذلك قد رضي عنا الآب نحن أيضًا. فهل حياتنا هي مرضية حقًا لدى الرب؟ وهل شهادتنا المسيحية تعطي لله في الحقيقة مجدًا؟

 

٤. سنقبل بعد قليل الماء المقدس المأخوذ من نهر الأردن، ذاكرين معمودية يسوع ومعموديتنا نحن أيضًا. إن الماء هو علامة تشير إلى الروح الذي قبلناه، كما أنه علامة على مغفرة الخطايا. نحن هنا اليوم، جميعًا، لكي ننضم إلى جمع الخطأة، كما فعل يسوع، لطلب المغفرة عن خطايانا، ولطلب نعمة الروح القدس من جديد، حتى نصير نحن أيضًا في حياتنا، ممن يعلنون حضور يسوع، وهو الإله الذي أضحى طفلاً ظهر للرعاة يوم الميلاد، ومن ثم للعالم كله يوم عيد ظهوره (الغطاس)، وها هو اليوم قد بدأ بالعماد رسالته الخلاصية لفداء البشر، والتي ستحمله من نهر الأردن إلى القدس، حيث سيُظهر الله محبته مزيلاً عنها كل حجاب.

 

٥. في زيارتي الرسمية الأولى الى الأردن، أود أن أحييكم جميعًا الحاضرين معنا والمتابعين لنا عبر وسائل الإعلام، سأترك للأب عماد أن يشكر جميع الذين عملوا لإنجاح قداسي الأول في الأردن كبطريرك القدس. أطلب منكم اخوتي وأخواتي أن ترافقوا رسالتي بصلاتكم اليومية.

 

صلاتي اليوم تتوجه من أجل المرضى ومن أجل الذين يعملون هذه الأيام للحفاظ على صحة المواطنين. أصلي من أجل الأردن العزيز، تحت قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده سمو الأمير الحسين بن عبدالله، انني ممتن لجهود الهيئة الملكية لموقع المغطس وعلى رأسها سمو الأمير غازي بن محمد. في هذه المناسبة أتوجه في الشكر إلى السيد نديم المعشر والعائلة الكريمة والذي يضع امكاناته ووقته كل يوم لإتمام مشروع بناء الكنسية، سنعمل معاً بإذن الله لإنها هذا العمل المبارك، اصلي لك ولعائلتك وللمحسنين إلى هذا البيت المبارك.

 

ليبارك الرب جميعكم في زمن الحج المقدس الى موقع المعمودية. ليبارك الله الأردن وكل الأراضي المقدسة.