عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: العشية الفصحية ٢٠١٨

نشرت بتاريخ: March 31 Sat, 2018

عظة رئيس الأساقفة بييرباتيستا بيتسابالا: العشية الفصحية ٢٠١٨ متوفرة باللغات التالية:

العشية الفصحية

٣١ آذار ٢٠١٨

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء

سلام المسيح معكم.

بهذا الاحتفال الجميل والمليء بالرموز في هذا الصباح، وصلنا إلى قِمّة احتفالات السنة الليتورجية. نحتفل بعشيّة العيد، ولكن في الصباح، قد يبدو ذلك غريبًا. ولكن، أيًّا كان عمل التاريخ هنا، فقد منحنا الله النعمة والمسؤولية لنحتفل بعشيّة الفصح في المكان المقدس بامتياز، وأن نلمس بيدنا ونشهد أن ما سمعناه قبل قليل في الإنجيل المقدس هو الحقيقة، ونحن عرفناها.

مرَرْنا في قراءاتنا هذا الصباح بكل تاريخ الخلاص، من التكوين حتى القيامة، وكرّرنا مثل لازمة أن الله اختارنا. خطيئة ومغفرة، الإنسان يخطأ والله يغفر. هذا هو عهد الله معنا. وهذا هو في الواقع تاريخ كل واحد منا وتاريخ جماعاتنا المؤمنة.

الاختيار هو أن الله خلق الإنسان على صورته، وجعله شبيهًا به، ثم دعا ابراهيم وموسى والأنبياء وجمهرة من الأشخاص، من خلالهم أبقى الله حية رغبته الدائمة في التواصل مع الإنسان، بالعهد الذي أبرمه معه. ولكن الإنسان لم يبق أمينًا. بالرغم من التزامه بالعهد كانت مواقفه عكس ذلك، خطيئة وعدم أمانة. ولكن الله غفر لنا وخلَّصنا. المغفرة في الله هي أسمى أشكال العدل، وبها أعادنا الله الآب إلى شركة كاملة معه.

هذا ما نحتفل به في هذه العشيّة: أمانة الله للعهد ومغفرته للإنسان. مرت الدهور وظل الله يغفر ويعيد صلته بالإنسان، آدم ثم ابراهيم وحتى يسوع المسيح، الذي قهر الموت والخطيئة، وأعادنا إلى تلك الشركة الكاملة مرة وللأبد. “لأنه بموته قد مات عن الخطيئة مرة واحدة، وفي حياته يحيا لله. فكذلك أحسبوا أنتم أنكم أموات عن الخطيئة أحياء لله في يسوع المسيح” (روما ٦: ١٠–١١). والآن نحن نعيش على هذا الرجاء، والذي هو أمر أكيد: يسوع قام من بين الأموات. نعيش فيه وهو فينا. لم يعد الموت يخيفنا، فقد هُزِم إلى الأبد.

لا أتكلم على رجاء بشري، رجاء محدود، مرتبط بتوقعاتنا المحدودة ضمن آفاقنا المحدودة. أتكلم على الرجاء الذي ينير الحياة ويتجاوزها، ويتجاوز الموت ولهذا فهو يضيء حياة اليوم. الرجاء في الواقع يفتح حياتنا الأرضية على آفاق جديدة : فهو لا يعدنا بالغد حتى نهرب من التزامنا اليوم. بالعكس، إنه يدفعنا على العمل هنا، اليوم والآن، لنعطي معنى لكل توقعاتنا الصغيرة في زمننا. رجاء بعطي معنى ومذاقًا لكل ما نعمل هنا، للخبز الذي نكسره للجياع، لكأس الماء الذي نقدمه لأخوتنا الصغار، وكل ما نعمل من أجل إخوتنا الصغار: ذلك كله مقدمة لعالم سوف يأتي، ونحن جزء منه منذ الآن، وليس فيه ما يخيّب آمالنا، لأنه قائم باقٍ بالرغم من عدم أمانتنا وخياناتنا.

ولكن المحزن في الأمر هو أن نركع هنا في هذا المكان المقدس أمام القبر الفارغ، علامة رجائنا، ثم نتجاهل رجاء إخوتنا وتوقعاتهم. المسيح رجاؤنا وقال لنا إنه يسبقنا، وسنلتقيه بعد هذا القبر. الرجاء ليس هنا، في القبر: ولكن فيه هو الحي مع الآب. والرجاء هو أن نفكر في كل عطشان وجوعان، وفي كل عريان ومشرّد من غير مأوى ومريض وسجين. القبر يثير فينا الشفقة على من مات، ولكن المسيح الحي يأمرنا أن نذهب، أن نسبقه في كل مكان في العالم. ماضينا، تقاليدنا، طقوسنا قد تكون هي القبر لنا، المكان الذي وضعناه فيه، إن لم نر ونفتح أنفسنا على ما بعده، على اللقاء وحمل البشرى. إنه يسبقنا إلى الجليل، أي إلى كل مكان في العالم. من هنا إذًا يجب أن نخرج ونركض لنبشر ونشهد لهذا الأمر العظيم الجديد.

والآن أفكِّر في كنيستنا. لا نحصر إيماننا في موقف شفقة على ميت في القبر. لا ننغلق على أنفسنا وعلى مشاكلنا وعلى توقعاتنا وآمالنا البشرية الصغيرة أو الكبيرة. لا نجعلْ مستقبلنا في قدُراتنا وخططنا. إننا نبني هيكليات كنسية ورعوية وأمورا أخرى كثيرة، لا فائدة لها. نقطة الانطلاق ليست فيها. ذهبت النساء إلى القبر وفي قلوبهن رحمة وشفقة، وكن منشغلات بهمومهن الصغيرة. ولكنّهن عُدْنَ راكضات مرتعبات.

أمامنا أمر كبير، مذهل علينا أن نخبر به: “إنه ليس هنا… اذهبن إلى الجليل، هناك يسبقكم“. حيثما ذهبنا سنلقاه، لأنه هو الذي يسبقنا حيثما نذهب. علينا أن نؤكد أن لا شيء يرجوه إنسان إلا وينعشه ويحييه الرجاء الكبير، وأن فرحًا يغمر قلبنا ويمكن أن يملأ قلب كل واحد منا. وأننا نعيش في سماء وأرض جديدة، ليس لأنها تبدّلت، بل لأننا نحن تبدّلنا، وأصبحنا الآن نرى كل شيء بعيون جديدة.

لم تأت المسيحية بشيء جديد، ولكنها تقرأ وترى بطريقة جديدة حقيقة العالم، وتفسره بطريقة جديدة. السماوات والأرض الجديدة هي في الواقع نفسها كما كانت دائما، ولكنها تصبح جديدة لأن الذي يراها هو جديد. ويصبح جديدا من يعرف أن يستقبل الحب الذي يبذل نفسه، والذي يعرف أن يستقبل المسيح فصحنا.

هذه أمنيتي، أن يصنع فينا هذا الفصح هذه المعجزة. لا أن يحل مشاكلنا البشرية ويقدم الجواب لكل توقعاتنا الصغيرة والكبيرة. بعد هذه الاحتفالات، سيبقى العالم تماما على ما هو، وكما عرفناه قبل أيام. أمنيتي هي أن يجعلنا هذا الفصح قادرين على أن نرى رؤية جديدة أنفسنا ومشاكلنا الخاصة، رؤية من التقى الرب وخلاصه.

+بييرباتيستا بيتسابالا
المدبر الرسولي