تأمل في حياة الأب جوني صنصور بقلم المطران بولس ماركوتسو

نشرت بتاريخ: April 26 Mon, 2021

تأمل في حياة الأب جوني صنصور بقلم المطران بولس ماركوتسو متوفرة باللغات التالية:

الأب القانوني جوني جودة صنصور

من كهنة البطريركية اللاتينية القدس

بيت جالا ١٩٤٦ – القدس ٢٠٢١

"أنا الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل حياته في سبيل الخراف"

(يوحنا ١٠: ١١)

في ١٤ شباط عام ٢٠٢١، عاد إلى بيت الآب السماوي أخونا الأب القانوني جوني صنصور، في مستشفى القديس يوسف في مدينة القدس. كان، لأكثر من عشر سنوات، يعاني من شبه شلل حدّ من قدرته على السير والكلام. وقد كان يقيم، قرابة خمس سنوات، متقاعدًا في "بيت أفرام" للمسنين في بلدة الطيبة (رام الله). لقد أصيب العديد من المسنّين المقيمين في هذا البيت بفيروس كورونا Covid-19، مما أدى إلى وفاة سبعة منهم، ومن بينهم أيضًا أبونا جوني صنصور.

لم تسمح تقييدات فيروس كورونا للكثير من الناس حضور الصلاة الجنائزية. لكن، على الأقل، نحن الكهنة والراهبات والمؤمنون في القدس، يجب أن نودع بصورة مناسبة هذا الكاهن البارز من كهنة كنيسة القدس الأمّ، وأن نتأمّل بشكل مناسب ومفيد في شخصية هذا الراعي الذي عمل بجدّ من أجل الجماعة المسيحية في الأرض المقدسة. وإننا نقوم بهذا الواجب الأخوي والمقدس في ذكرى الأربعين لوفاته.[١]

بيت جالا في الكتاب المقدس، ومقرّ المعهد الإكليريكي البطريركي

ولد جوني صنصور في بيت جالا (على التلّة الغربية المحاذية لبيت لحم) في ١٢ تشرين الثاني ١٩٤٦، لعائلة من الطقس اللاتيني، مكوّنة من عشرة أطفال (خمسة أشقاء وأربع شقيقات)، في بلدة متجذّرة في تاريخ الكتاب المقدس: جيلو، وطن أَخِيتُوفَلَ (Achitophel)، مستشار داود النبي (٢ صموئيل[٢]١٥.١٢ ؛ ١٥.٢٠-٢٣ ؛ ١٦ ، ١٥ ؛ ١٦.٢٣ ؛ ١٧.٢٣) ، الذي كُتب عنه: " وَكَانَتْ مَشُورَةُ أَخِيتُوفَلَ الَّتِي كَانَ يُشِيرُ بِهَا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ كَمَنْ يَسْأَلُ بِكَلاَمِ اللهِ " (٢ صموئيل ١٦: ٢٣). في العصر الحديث، اشتهرت بيت جالا بأعمال البطريرك اللاتيني يوسف فاليرغا (Giuseppe Valerga) الخاصة بإعادة تأسيس البطريركية اللاتينية؛ وبإنشاء الإكليريكية البطريركية اللاتينية التي لا تزال نشطة ومزدهرة على الجانب الشرقي من التلّة حتى أيامنا هذه.

نال جوني الصغير سرّ العماد يوم ١٩ كانون الثاني ١٩٤٧، على يد الأب يعقوب بلتريتي، الكاهن المساعد للأب بونافنتورا حبش. والأب يعقوب أصبح بطريركا بين عام ١٩٧٠ و١٩٨٧، أي أنه شغل الكرسي البطريركي أثناء السنوات الاولى من الخدمة الكهنوتية للأب جوني. لقد التحق بمدرسة الرعية الابتدائية، وعند بلوغه سنّ الحادية عشرة، شعر جوني بالرغبة في الالتحاق بالمدرسة الإكليريكية اللاتينية، الّتي كثيراً ما كان يرى تلاميذها يأتون ويذهبون أمام منزله عبر الوديان والتلال في بيت جالا الخلّابة (على ارتفاع ٧٥٠- ٩٢٣ م).٢

في عام ١٩٦٣ التحق جوني بالإكليريكية اللاتينية الكبرى (كلّية الفلسفة واللاهوت)، وتميّز على الفور بذكاء حيوي، وبتفضيلات دراسية معيّنة، وبموهبة غير عادية لإتقان اللغات. بالإضافة إلى اللغات التي يتمّ تدريسها ضمن البرنامج الدراسي للمعهد (العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية واللاتينية)، تعلم بمفرده العبرية واليونانية والألمانية والإسبانية، كما تعلم أيضًا أساسيات الأرمنية والآرامية. لقد كان قبل كل شيء متذوقاً رفيعاً للغة العربية وشعرها. وكان من دواعي سروري أن أكون تلميذا له للغة العربية، وأتذكر شخصيًا أنه كان حريصًا على جعل الناس يحبّون اللغة، وكان يسلّط الضوء على الجوانب التي يمكن أن تجعل اللغة جذّابة، وكان يكرّر باستمرار: "يتم تعلم اللغة العربية بالقلب أكثر منه بالعقل!"

بالنسبة للموضوعات اللاهوتية والفلسفية المنهجية، كان يُفضل الموضوعات المتعلقة بالتقليد والتاريخ وعلم الآثار والثقافة الشعبية (معرفة التقاليد والعادات في مجالات ومناطق الكتاب المقدس). على الرغم من أنه يبدو مغايراً لسهولة تملّك اللغات، إلا أنه كان يفضّل أساليب التعمّق والتفكير الحرّ. بالنسبة للامتحانات، على سبيل المثال، كان يفضل ما يسمى بـ "الموضوعات الانشائية"، بدلاً من قائمة الأسئلة والأجوبة الجافّة. أتذكر أنه في امتحان علوم الكتاب المقدس، على سبيل المثال، أثار إعجاب الأستاذ من خلال إجراء تحليل نقدي وتاريخي وكتابي ونفسي وشعبي لشخصية يهوذا الإسخريوطي![٣]

وغني عن الذكر أنه في المناسبات الأكاديمية في المعهد الإكليريكي، كان هو الشاعر والخطيب والمرجع للمحاضرات الرسمية. وكان أبونا جوني يحتفظ دائمًا بذكريات ممتازة عن المعهد الإكليريكي، وعن آباء قلب يسوع الأقدس (البيتاراميت Betharram, scj)، المسؤولين عن الإدارة والتدريس في هذا المعهد اللاهوتي. لقد كان يُقرّ بكونه محظوظًا جدًا لأنه كان لديه مدرّسون ممتازون في العلوم الفلسفية واللاهوتية في سنوات الستينيات تلك. وقد كان لديه نفس الامتنان لراهبات القدّيسة دوروتيا (من مدينة فيتشنز Suore Dorote) اللواتي كنّ يتولّين الإدارة العملية للمعهد. في فترة تقاعده في بلدة الطيبة، كان يسألنا دائمًا عن أخبار هذا الأب البيتارامي أو تلك الراهبة الدوروتيا، وكان دائمًا يتذكر بامتنان وسرور بعض الأحداث أو الحكايات من حياة المعهد الإكليريكي في تلك السنوات.

السيامة الكهنوتية تحت شعار الراعي الصالح

سُيّم جوني صنصور كاهناً في ٢٦ حزيران ١٩٧٠ في بازيليكا رقاد السيدة مريم العذراء على جبل صهيون في مدينة القدس، بمعية الأب الياس عودة والأب بييتر فيليت، بوضع يديّ البطريرك ألبرتو غوري (Alberto Gori)، وكانت السيامة الكهنوتية الأخيرة لهذا البطريرك. وقد اختار الاب جوني لتلك المناسبة شعار: "أنا الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل حياته في سبيل الخراف" (يوحنا ١٠، ١١)، وهو شعار تحقّق على مدى حياته الراعويّة حقّاً.   

 لمدة عام، عُيَن الكاهن الجديد السكرتير الخاص للبطريركَين ألبرتو غوري (Alberto Gori) ثم يعقوب بلتريتي (Giacomo Giuseppe Beltritti)، الذين تبعا أحدهما الآخر بالتحديد في ذلك العام ١٩٧٠، وكان أيضا مساعدا لأمين سر البطريركية، الأب كمال بطحيش. وفي عام ١٩٧١ عُيّن كاهنا مساعدا في رعية المصدار (عمان/الأردن) مع الأب ميشيل صبّاح. وفي عام ١٩٧٢ عُيّن في مدينة مادبا مع الأب جورج سابا، ومدبّرا راعويا لفرع ماعين. وفي عام ١٩٧٣ عُيّن في بلدة الطيبة (رام الله) مع الأب سيلفيو بريزولين (Silvio Bresolin). لذلك كان ابونا جوني محظوظًا جدّا لأداء تدريبه الكهنوتي مع كهنة ممتازين وفي ثلاث رعايا كانت تعتبر من بين الرعايا الأفضل في البطريركية في تلك السنوات.

خلال هذه السنين في رعية الطيبة، طلب أن يكون قادرًا أيضًا على أخذ دورات في التاريخ والجغرافيا وعلم الآثار الكتابي في " معاهد الكتاب المقدس والآثار" الشهيرة في مدينة القدس. وهي المواد التي استخدمها بشكل مفيد في الأماكن التي مارس فيها خدمته لاحقًا. كان يدور بين إخوته الكهنة هذه المقولة الودودة: " إذا رأيت عموداً أثريّاً في دير أو في مدرسة (كدعم لمذبح ما، أو عند المداخل ...)، معناه ان أبونا جوني قد مرّ هناك"!

في عام ١٩٧٥، عند مغادرة الأب سيلفيو بريزولين إلى إرسالية ملكال (جنوب السودان)، تاركًا ذكريات راع ممتاز، تمّ تعيين الأب جوني كاهنًا لرعية الطيبة. لم تكن المهمة سهلة، حيث إن الأب جوني نفسه يتذكر، بقدر كبير من الفكاهة، أن الأب سيلفيو، قبل مغادرته إلى السودان، قدّم له هذه النصيحة: "تذكر، أبونا جوني، أنه لكي تكون كاهن رعية الطيبة، يجب أن تكون إما قديسًا أو مجنونًا!". دخلت توصية الأب سيلفيو تلك إلى الذاكرة الجماعية التي يضرب بها المثل بين كهنة البطريركية، كما كان الردّ السريع من الأب جوني: "ربّما، أبونا سيلفيو، هناك بديل ثالث: أن تكون قديسًا مجنونًا أو مجنونًا قديسا!"

في الواقع، لقد خدم هذه الرعية لمدة ١٤ عامًا، بمعاونة راهبات الوردية، قدّم خلالها أفضل ما لديه في مختلف المجالات، مستفيداً من مواهبه الطبيعية في التاريخ الكتابي والكنسي، وعلم الآثار والفولكلور الشرقي الشعبي، آخذاً التشجيع من عوامل الجذب المواتية لبلدة افرايم – الطيبة ومنطقتها.

كاهن رعية الطيبة: المبادر والمبدع والمندفع

في بلدة الطيبة، استطاع أبونا جوني القيام بالكثير من المبادرات: الى جانب واجباته الراعوية المنتظمة، نذكر من بينها:

-  أكمل مدرسة الرعية بإضافة الصفوف الثانويًة إليها عام ١٩٧٦؛

-  أنهى زخرفة الكنيسة الجديدة مع الرسام غايتانو فابريس (Gaetano Fabris) والرسام فرديناندو ميكيليني Ferdinando Michelini (١٩٨٢)؛

-  قام بترميم مزار "القديس شارل دي فوكو (Saint Charles de Foucauld) تحت دير الكاهن (١٩٨٢)؛

-  قام ببناء "دار ضيافة شارل دي فوكو"(Charles de Foucault Guesthouse) بجوار الكنيسة (١٧-٤-١٩٨٦) لاستقبال الحجّاج والضيوف الآخرين؛

-  اشترى منزلًا قديمًا، من عائلة إلياس ثلجي، دائماً في نفس العام وفي نفس المجمّع، أُطلق عليه فيما بعد اسم "بيت الأمثال الإنجيلية "؛

-  أقام متحفاً صغيراً، " بيت إفرام"، يتكون من القطع الأثرية، الزراعية منها على وجه الخصوص؛  

-  بنى مستوصفا طبّيا بجوار بيت الكاهن، والذي انتقل لاحقًا إلى جمعية الكاريتاس القدس (Caritas Jerusalem

-  أنشأ جمعية تعاونية زراعية وعمّالية (١٩٨٢)؛

-  أنشأ جمعية تضامن، "أبناء الأرض المقدسة"، بمساهمة عائلات الطيبة المغتربة في الأميركيّتين أو اماكن اخرى؛

-  نظّم حملة بحث عن كل ما هو قديم وأثري، واكتشاف الآلات الكنعانية لمتحفه؛

-  افتتح ورشة عمل للتفصيل والخياطة للسيدات؛

-  بدأ بإصدار دورية صغيرة بالفرنسية: "L'écho de Taybeh-Ephrem" ("صدى الطيبة- إفرايم") (١٩٨٧)؛

-  وروّج لمجلة أخرى باللغة العربية، "صوت الطيبة،" لأهل الطيبة في الشتات (وهي وريثة لمجلة أكثر قدماً)؛

-  اشترى ارغن دوموس ٨ الكتروني جديد لكنيسة الرعية (١٩٨٧). ومبادرات أخرى كثيرة…

كانت كل هذه الأعمال وغيرها ممكنة بفضل التعاون السخي لبعض المحسنين، المحليين والأجانب، الذين استطاع الاب جوني أن يثير اهتمامهم. ولا سيما " فرسان القبر المقدس في القدس" (OESSJ) بشكل عام، والمسؤولين الفرنسيين على وجه التحديد الجنرالان هنري دي تشيزيل (Henri de Chizelle)  ولويس داركور (Louis d’Harcourt)؛ و"البعثة البابوية في القدس"؛ وجمعية "أبناء الأرض المقدسة".

" أحسن محامي للأرض المقدسة هو جماعة الكنيسة الأمّ والأماكن المقدسة"

الأماكن تحمل أهمّية أكيدة، طبعا. ولكن الأب جوني عرف كيف ينمي العنصر الشخصي. شجّع بكل الطرق الكهنة والراهبات ومجموعات المؤمنين أن يزوروا منطقة الطيبة للحجّ او لأيام دراسية أو للرياضات الروحية. واستغلّ بطريقة ذكية بعض العناصر الطبيعية والتاريخية والدينية الجذّابة التي تقدمها بلدة الطيبة والمنطقة، وهي على وجه الخصوص: 

-  تلّ عاصور من التراث الكتابي (١٠١٦ م. ارتفاع) على طريق رام الله.

-  الخلوة الروحية الإنجيلية في إفرايم (الطيبة) وكرم الضيافة التي قُدّمت ليسوع قبل الآلام (يوحنا١١: ٥٤)؛

-  كنيسة الخضر البيزنطية القديمة (مار جريس) من القرن الرابع حيث لا تزال تُقدَّم النذور من الحيوانات (الماعز، والأغنام والدجاج ...)؛

-  القلعة الصليبية القديمة Sant-Elia di Monferrat (القرن الثاني عشر)؛

-  مزار الخلوة الروحية للقديس شارل دي فوكو (Charles de Foucauld) في الأعوام ١٨٩٨- ١٩٠٠؛

-  " بيت الأمثال الإنجيلية " القديم الذي اشتراه الأب جوني نفسه؛

-  بلدة- الطيبة، كواحة حقيقية وممتازة للسلام والتنسّك؛

-  طبق منسف ابينا إبراهيم (Mansaf d’Abraham)، طبق وجبة فريد، تقليدي وشائع جدًا، جدّد الأب جوني تراثه واستعماله، ليستضيف به الحجاج.  

وهكذا تمّ إنشاء حركة كبيرة من الأنشطة والمبادرات، المحلية والدولية، والتي شملت جميع كهنة الرعية اللاحقين (٦ في السنوات الثلاثين الأخيرة)، رجالا ونساء، متطوعين، مؤمنين محليين وحجاج؛ وهي حركة ديناميكية لا زالت مستمرة حتى أيامنا هذه. كما شجع الأب جوني المتطوعين الأجانب، وخاصة الفرنسيين، المتطوّعين من DCC، وطلاب إكليريكيين شباب، (والذين أصبح بعضهم كهنة، مثل الأب اليسوعي نيكولاس روسيلوت (Nicolas Rousselot)، والأب بيير رندلر (Pierre Rendler) من ستراسبورغ، والذي التحق بكهنة بطريركية القدس) من أجل القدوم إلى الطيبة، لتدريس اللغة الفرنسية في المدارس، ولاستقبال الحجاج، ومن أجل تنشيط "المخيمات الصيفية" بالتعاون المتبادل والثمين مع مؤسسة Œuvre d’Orient ومؤسسة Réseau Barnabé والقنصلية الفرنسية العامّة في القدس ومؤسسات الأخرى.

من هذا العرض السريع، نرى واضحا صحّة ما كان ابونا جوني يؤمن به ويكرّره باستمرار وللجميع: "واجبنا المقدس أمام الله والتاريخ هو ان نستغلّ، بأفضل طريقة ممكنة، كلّ الثروات الثمينة التي وضعها بين أيدينا الكتاب المقدس والتاريخ والجغرافيا، أحسن محامي للأرض المقدسة هو جماعة الكنيسة الامّ والأماكن المقدسة".

مسالة “أراضي الغائبين“ الحسّاسة: "مساحة جغرافيا هي مساحة تاريخية"

يدور عمل كاهن رعية الطيبة، مثله مثل جميع الرعايا في المنطقة، في إطار الوضع الاجتماعي والتاريخي للعائلات المسيحية، التي هاجر الكثير منها إلى الخارج واعتُبرت ممتلكاتها "أملاك غائبين"، أي، معرّضة إما للمصادرة أو لانتهاكات معينة من قبل الاحتلال. لقد قام الأب جوني بالكثير لمساعدة تلك العائلات، وما يمكننا تأكيده هو ان هذه العملية كانت إنقاذا حقيقيًا لقرية الطيبة. في بعض الأحيان، قام أصحاب الملك من الخارج بتفويض الأب جوني بالتصرّف: في سبيل المثال، لقد غرس الأشجار في بعض الأراضي (عادة أشجار الزيتون)، ومارس بعض النشاط الزراعي هناك، حتى أنه اشترى تلك القطع الصغيرة من الأرض، بمساعدة بعض المحسنين، وسجّلها باسم بطريركية القدس للاتين، حتى لا تتعرض لنقل الملكية القسرية.

لم تكن دائما عملية بسيطة. لقد تمّ الثناء على الأب جوني، خاصة من المؤمنين العلمانيين، ولكن تم أيضًا انتقاد مبادراته التي كانت تبدو اجتماعية إلى حد كبير، أكثر من كونها راعوية. كان الأب جوني يردّد بشجاعة بأن الطيبة هي القرية الوحيدة التي لا تزال مسيحية بالكامل وانّ المنطقة كلها معرّضة جدا لخطر الاستيطان، وكان يكرّر المبدأ الذي أصبح فيما بعد تقليديًا لدى السكان المسيحيين: "بالنسبة لمسيحيي الأرض المقدسة، يعلّمنا التاريخ أن الحفاظ على مساحة جغرافية يعني ضمان وجود تاريخي (مستقبل التاريخ) ".

رؤية راعوية بعيدة المدى، خصبة وملهمة: " ابونا جوني، سيطِر على اندفاعك!"

لاحقًا، حتى بعد انتقال الأب جوني إلى منصب أمين سرّ البطريركية وإلى قبرص (١٩٨٩ و١٩٩٢)، ولكن دائمًا على أساس زخم براعته وكنتيجة لرؤيته في الاستجابة لاحتياجات السكان واستغلال كل إمكانيات الطيبة، ولدت العديد من المبادرات. في سبيل المثال، في عام ٢٠٠٥، بنى الأب رائد أبو ساحلية، كاهن رعية الطيبة لمدة ١٠ سنوات، "بيت آفرام للمسنين" حيث تناوب على إدارته جمعيات رهبانية مختلفة: "راهبات سيدتنا أم الأوجاع" (٢٠٠٥- ٢٠١٠)؛ المكرسات من "بيت العناية الإلهية" (١٠١٠- ٢٠١١) المكرَّسون والمكرّسات البرازيليون "أبناء مريم" (٢٠١١-٢٠٢٠)؛ وراهبات جمعية "الكلمة المتجسد" (٢٠٢٠). في محاذاته تم بناء فندق جديد أيضاً "بيت ضيافة أفرام" للحجّاج وزوار كل تلك الأنشطة.  

كما أتت " راهبات الصليب في القدس" (١٩٩٨) الى الطيبة من أجل التعاون الراعوي ومن أجل مركز الحجّ. وتمّ الترحيب أيضاً ببعض أعضاء الجمعية الرهبانية الجديدة: “Domus Juventutis- Brothers of Hospitality Little" (٢٠١٢)، من أجل تنشيط السجود الدائم للقربان في مركز شارل دي فوكو، ومن أجل الأعمال الصحية في القرية؛ وبعض الراهبات من "عائلة بيت لحم وانتقال السيدة العذراء والقديس برونو” (٢٠١٨) اللواتي يعشن أسلوب حياة ناسكة تأملية.

فعلا، كانت الرؤية المستقبلية للاب جوني خصبة جدا وبفضلها، استطاع كهنة الرعية الذين تعاقبوا من بعده وهم غيورون مثله، ان يقوموا بإنجازات راعوية واجتماعية مفيدة وبنّاءة. لتلخيص كل ما فعله الأب جوني في الطيبة، ربما تكشف رسالة للبطريرك بلتريتي عن القوة الدافعة له. عندما عيّن البطريرك الأب جوني صنصور راعيًا في ١٩/١١/١٩٧٥، كتب له البطريرك رسالة حيث أضاف بطيبة أبويّة، بعد عدة نصائح رعوية عادية: "راقب شخصيتك المندفعة بعض الشيء، وكن دائمًا صبورًا وفاعلاً للخير ... أنا متأكد من أنك ستدير هذه الرعية بالحكمة والغيرة والإحسان”. يمكننا القول إن الأب جوني حوَّل حقًا "اندفاعه" إلى طاقة غيورة وجريئة في العديد من الأعمال الرعوية الجميلة.

أمين سرّ البطريركية اللاتينية في القدس: خادم متعاون وفعّال

في ٢٦ حزيران ١٩٨٩، عيّن البطريرك ميشيل صباح الأب جوني صنصور أمين سرّ للبطريركية. وهو تعيين مهم ودقيق للغاية، كما نعلم، لأنه جاء في لحظة تاريخية خاصة وحساسة وذلك للأسباب التالية:

-  فترة جديدة للبطريرك العربي الأول (البطريرك ميشيل صباح، ١٩٨٧-٢٠٠٨)؛

-  زمن الانتفاضة الأولى (١٩٨٧-١٩٩٣) بكل تداعياتها العديدة؛

-  حرب الخليج الأولى (١٧ يناير ١٩٩١) والتي أثرت بشكل كبير حتى على جميع دول البطريركية.

-  بداية مبادرة كبيرة جدا: السينودس الرعوي العام للكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة.

بمساعدة الأب بطرس غريك (Pierre Grech)، كاهن من جمعية قلب يسوع الأقدس (بيترام)، وسكرتير مجموعة المطارنة AOCTS وCELRA، ورئيسه السابق في المعهد الإكليريكي، الذي اعتمد دائما على خبرته والثقة به، تمكّن الأب جوني من مساعدة البطريرك والبطريركية بكفاءة عالية وبنجاح في هذه المرحلة الحسّاسة.

كاهن رعية بافوس (قبرص) متعددة الثقافات والأديان

نجد في جزيرة قبرص عامةً حضورا قديما لحراسة الأرض المقدسة. ولكن في منطقة بافوس (في الغرب الجنوبي) لم يوجد أي حضور ثابت للآباء الفرنسيسكان. كان يأتي في المناسبات كاهن كاثوليكي من مدينة ليماسول، وهو الأب مارك هورست، للاهتمام بالمؤمنين اللاتين، اكثريتهم من الانجليز. ولكن في سنة ١٩٩٢ تغيّرت الأوضاع بطريقة غير متوقعة. في ٣ آذار تلقى البطريرك ميشيل صباح رسالة بمئات من التواقيع من منطقة ليماسول - وبافوس، يرافقها رسالة أخرى من النائب البطريركي اللاتيني في قبرص، الاب ومبرتو براتو (Umberto Barato) ومن الأب مارك هورست. في كلتي الرسالتين مطلب واحد من البطريرك: إرسال كاهن لاتيني ثابت في منطقة بافوس بسبب تزايد الأجانب الموسميين او المقيمين بطريقة دائمة فيها.

أمام هذا الطلب، لم يجد البطريرك أحسن من التوجّه الى الاب جوني صنصور. وقد قبل الأب جوني، في ٢٥ أيار ١٩٩٢، دعوة البطريرك للذهاب إلى بافوس أولا بصفة شبه كاهن رعية ومن ثم كاهن رعية. على الرغم من أن الجزيرة كانت تاريخياً وقانونيا جزءًا من بطريركية القدس للاتين، إلا أن الأمر، بالنسبة لكاهن الرعية الجديد، كان بمثابة تغيير جذري في الأسلوب الرعوي المتبع عادة في فلسطين. غير أن الأب جوني، الذي كان يعرف اللغة اليونانية، كان قد ألقى بنفسه جسدًا وروحًا في هذه التجربة الجديدة، وانضمّ إلى النيابة البطريركية اللاتينية في قبرص، التي يديرها تقليديًا كاهن من الآباء الفرنسيسكان لحراسة الأرض المقدسة. ولاحظ أن أكثر احتياجات المجتمع المسيحي ضرورة وإلحاحًا هناك هي: أولا الخدمة الراعوية للجماعة اللاتينية في بافوس، وثانيا التعليم على المستوى الدولي، وثالثا الاهتمام بالمسنّين.

إنشاء مركز رعوي لمؤمني الطقس اللاتيني في بافوس ولكل المنطقة

بدأ الاب جوني يتعاون مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، الّتي تُشكّل الأغلبية في الجزيرة. وإذ كان عدد المؤمنين اللاتين المستقرين قليلا إلى حد ما، لكن عدد المصطافين والمتقاعدين والسياح الأوروبيين الموسميين والجنود من القواعد الإنجليزية والمهاجرين من الطقس اللاتيني أكبر من ذلك. لذلك امتدّ تعاونه أيضًا إلى الأنجليكان الذين، بمرور الوقت، أصبح بعض القسس منهم كاثوليكا، وتمّ ارتسامهم كهنة.

أصبح التعاون مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية قويًا لدرجة أن أسقف بافوس، صاحب الغبطة خريسوستوموس، متروبوليت قبرص المستقبلي، منح الأب جوني إمكانية استخدام إحدى كنائسه الأرثوذكسية القديمة لصالح الجماعة اللاتينية والتي دعيت باسم رعية القديس بولس. كانت بافوس عاصمة قبرص في العصر الروماني. كان قد وصلها برنابا وشاؤول الّذي، من بافوس وصاعدًا اتخذ الاسم الروماني بولس؛ وهناك اجترح القديس بولس معجزة العمى وشفاء الساحر أليماس. وهناك ارتد سرجيوس بولس، أول حاكم روماني يصبح مسيحيًا (أعمال الرسل ١٣). في بافوس يوجد موقع أثري كبير بازيليكا باناجيا كريسوبوليتيسا القديمة ذات السبع حنيات، وحيث يتم الحفاظ على عمود، يُطلق عليه تقليديًا عمود القديس بولس. كما يوجد في الموقع كنيسة (Aya Kyrikya Sta Ciriaca)، متوسطة الحجم، ولكنها قديمة وجميلة، تُمنح لاستخدام المؤمنين اللاتين، وكذلك لاستخدام الجماعات المسيحية الأخرى.

يجب أن يضاف أنه، وفقًا للأماكن والأشخاص ذوي الطبيعة الموسمية، كان الأب جوني يستخدم فروعاً أخرى للجالية اللاتينية، والّتي تمت ارتباطها برعية القديس بولس في بافوس: كنيسة القديس نقولا، وكنيسة القديس أنطون (للاقباط) وكنيسة القديس ديميتريوس والكنيسة الصغيرة في المقبرة المكرسة للقديسين كوزما وداميانوس.

ومن أجل تقوية البعد الروحي في الجماعة، رحّب الأب جوني في عام ٢٠٠٤ بالعائلة الرهبانية الناسكة "بيت لحم، وانتقال العذراء والقديس برونو" في ميسا خوريو في ٦ كانون الأول ٢٠٠٤. وكان يقول بكل قناعة: "يمكن القول إن كنيسة بافوس مكتملة الآن بعد أن أصبحت هناك أيضًا حياة تأملية". لسوء الحظ، استمرت تجربتهن حتى عام ٢٠١٤ فقط عندما عندما أدركن أنه لا يوجد حيّز لهن لحياة رهبانية كارثوزية نسكية.

خلال فترة خدمته في بافوس استقبل الأب جوني شخصيات مختلفة وأعدّ مناسبات كنسية متنوعة. في ٢٩ حزيران ٢٠٠٩، رحّب بالكاردينال ريناتو مارتينو، رئيس مجلس Justitia et Pax، الذي حضر لاختتام عام القديس بولس في رعية القديس بولس اللاتينية. وفي تشرين الأول ٢٠٠٩ استقبل الكاردينالان ساندري وكاسبر من الجنة اللاهوتية للحوار بين الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية.

التعليم المدرسي على مستوى دولي

بالنسبة للتعليم، فكّر الأب جوني أولاً في إنشاء مدرسة حضانة في كالو كوريو (بافوس) في عام ١٩٩٩، اسمها روضة أطفال (Kindergarden ‘La souris verte’) عمل على تطويرها تدريجياً لتصبح مدرسة كاثوليكية صغيرة. عملت الحضانة حتى عام ٢٠١٢ حين تم إغلاقها لأسباب اقتصادية. ودائماً في مجال التعليم، وخاصة التعليم الدولي للعديد من الأجانب الموجودين في الجزيرة، دخل الأب جوني تدريجياً في الإدارة التشاركية للمدرسة الشهيرة "مدرسة بافوس الدولية" (ISOP)، وهي معهد خاص للتعليم التشاركي، تأسست عام ١٩٨٧، مدرسة عادية ومدرسة داخلية علمانية إلى حد كبير وذات جودة عالية في مركز المدينة. حصل الأب جوني، باسم البطريركية اللاتينية، على بعض الأسهم التي أنتجت أحيانًا بعض المكاسب الطفيفة للرعية اللاتينية وفتحت إمكانية المشاركة في حياة هذا المعهد.

"ملجأ الملاك ميخائيل" للمسنّين في ميسا كوريو

بفضل التعاون مع السلطات ومع الأنجليكان، تمكن الأب جوني من الحصول على قطعة أرض في ميسا كوريو (بالقرب من بافوس)، في عام ١٩٩٥، من أجل مشروع مقبرة والّتي أدّت لاحقاً، دائمًا بجوار نفس الأرض، إلى بناء “ملجأ رئيس الملائكة ميخائيل" (St. Michael Elderly Home) للمرضى المسنين والمدنيين، باسم البطريركية اللاتينية – القدس.

تطلّب المشروع سنوات عديدة من التصميم وجمع الأموال والمعاملات والبناء: عام ١٩٩٦ ابتدأ جمع الأموال، وعام ٢٠٠٢ ابتدأت أعمال البناء وسط العديد من الصعوبات. لم يكن البابا بنديكتوس السادس عشر قادراً على الذهاب إلى بافوس، أثناء حجّه إلى قبرص في حزيران ٢٠١٠، لكنه على الأقل بارك لوحة مدخل المشروع. بمساعدة العديد من الأصدقاء، ومن ضمنهم إخوة الأب جوني في البيرو، أخيرًا في ١٢ نيسان ٢٠١٤ تمكّن البطريرك فؤاد طوال من افتتاح الملجأ للمسنّين، ولكن دون حضور كاهن الرعية المؤسس، وللأسف، لكونه أصيب، اثناء تلك الفترة الطويلة، بشلل نصفي. وبسبب حساسيته وبالرغم من تعلقه الشديد بذلك المشروع، لم يقبل الأب جوني ان يشترك في أي عمل جماهيري رسمي دون، على الأقل، تعافٍ كافٍ مقبول.

نائب بطريركي مساعد مؤقت، وكاهن قانوني وبعض الكهنة المعاونين

وفي هذه الأثناء في الأول من شهر تشرين الثاني عام ٢٠٠٨، عيّنه البطريرك مساعدا للنائب البطريركي في قبرص في غياب مؤقت للنائب البطريركي العادي. وفي ٢ تشرين الثاني ٢٠٠٩، وكدليل على الامتنان، منحه أيضاً لقب قانوني القبر المقدس.[٤][٥]

حصل الأب جوني على مساعدة كهنة آخرين مستقرّين أو عابرين، من المناسب جدا ان نذكر اسماءهم: الأب ديريك جيبس ​​(Fr. Derek Gibbs)، القسيس الأنجليكاني الذي تحوّل إلى الكنيسة الكاثوليكية في بافوس، وسيم كاهنًا للبطريركية اللاتينية بإذن خاص من الكردينال يوسف راتزنغر، والذي توفي عام ١٩٩٨؛ الأب جيروم طومسون (Fr. Jerome Thompson) ، الأمريكي، الذي توفي في المطار عام ٢٠٠٠؛ الأب جون مكنالي (Fr. John McNally)؛ الأب مالكوم سميتون (Fr. Malcom Smeaton)، قسيس أنجليكاني تحوّل الى الكثلكة في المملكة المتحدة حيث لا يزال يعيش؛ والأب جيمس كينيدي (Fr. James Kennedy) الّذي يخدم في بافوس حتّى الآن.

بعد أن امّن العناية الراعوية في منطقة بافوس، كان الأب جوني يفكّر جديا، في اهتمامه الراعوي بالجماعة التابعة للطقس اللاتيني، بالاتّفاق مع النائب البطريركي في قبرص، في افتتاح مراكز فرعية أخرى في بوليس (Polis)، في فيسّوري (Pissouri) وخصوصا في أيا نابا (Aya Napa). لا تتردد راهبات "بيت لحم"، اللواتي عرفنه جيدًا في ذلك الزمن في قبرص، في تعريفه بأنه "مرسل حقيقي يتنقل باستمرار من مكان إلى آخر، لمناسبة رعوية أو أخرى، ولجماعات مختلفة وفي لغات مختلفة. الشيء المثير للاهتمام هو أنه في هذه المواقف المتنوعة، كان يبدو دائمًا مرتاحًا في كل مكان ومع الجميع".

كان أحد الجوانب المهمّة في خدمته هو الاحتفال بالعديد من مناسبات سرّ الزواج في كنيسة "أجيا كيريكيا" القديمة والجميلة في بافوس، حتى لكثير من الأجانب الذين قدموا من مختلف البلدان عن قصد الى قبرص للزواج. بالطبع، كما يمكننا أن نتخيل، كانت هذه الخدمة التزامًا كبيرًا بالنسبة له للتحقق من الوثائق القانونية لصلاحية جميع هذه الزيجات. لكنّ النكسات الصحيّة التي اصابته فجأة وضعت حدّا لكل هذه النشاطات والمشاريع الرعوية.

عشر سنوات من الالام على الجلجلة: " الام، صبر، صبر، صبر، تمرّد داخلي وخيبة امل"!

لسوء الحظ، في ١٣ كانون الثاني ٢٠١٠، أصيب أبونا جوني بالشلل النصفي وبشبه انعدام القدرة على الكلام الناجم عن ارتفاع ضغط الدم، مما أدى إلى إعاقات في حديثه وفي مشيه. ولهذا السبب، لعدة أشهر، استمر القسيس الإنجليزي، الأخ جيمس كيندي، في رعاية الجماعة اللاتينية في سان باولو في بافوس، حتى تم تعيين الأب كارلوس فيريرو من جمعية الكلمة المتجسد الرهبانية.

عولج الأب جوني في قبرص، ثم في القدس، وفي بيت جالا (في "الجمعية العربية للتأهيل في بيت لحم")؛ ولاحقًا في ليما (بيرو)، بمساعدة شقيقه وأقاربه الآخرين، ومن ثم في قبرص (لارنكا) مرة أخرى، في "ملجأ الأرض المقدسة" التابع لحراسة الأرض المقدسة، الّذي تديره راهبات القلب الأقدس المرسلات الفرنسيسكانيات. لم تكن نتيجة العلاجات والعلاج الطبيعي، الكثيرة والمتنوعة، مرضية، كما يتضح من تنقلاته الكثيرة. لمدة ١٠ سنوات كان عليه تحمل هذا الشلل النصفي، في مراحل متناوبة، والّذي أوجب بقائه المستمر تقريبًا في السرير أو على الكرسي المتحرك، لكن لحسن الحظ كان بإمكانه أن يرى وأن يسمع، وأن يتكلم، حتى لو كان قليلًا.

كان الأب جوني يأمل بشدة في شفائه، وفي السنوات الأولى لم يستطع قبول فكرة أنه لا يوجد أي شيء يمكن فعله لتحسين حالته. كان وضعه في صعود وهبوط. وفي بعض اللحظات السيئة، كانت لديه حتى ردود فعل من الاحتجاج والتململ، ضد نفسه قبل كل شيء، ليجد نفسه فجأة غير قادر على فعل أي شيء. هو الذي كان نشيطًا للغاية، والّذي كان يشعر بأنه ما زال في ذروة قواه، لم يتقبّل رؤية نفسه معتمدًا على الآخرين، كلّياً تقريباً، حتى في الأمور الشخصية الصغيرة، ويضطرّ إلى إزعاجهم باستمرار. بين الحين والآخر، كان يرسم على فمه ابتسامة صغيرة، وكان يدعو ردود أفعاله الجدلية تلك، "مراثي كتابية ... اعترافات إرميا النبي وأيوب!".

اهتداء داخلي عميق: الآن أفهم ماذا يعني تصريح القديسين "طوبى لك أيتها المعصية السعيدة"!

في الواقع، جرى فيه "تحول داخلي" تدريجيًا. في يوبيله الكهنوتي الذهبي، في عام ٢٠٢٠، رفض تنظيم أي احتفال يوبيلي صغير، ولا حتى مع إخوته من دفعة سيامته الكهنوتية: "... كي لا أزعج ... أنا لست صالحا للاشتراك الاجتماعي ... أشكر الرب في قلبي، وأكون ممتنًا، إذا فعلتم ذلك أنتم أيضًا. إن قبول حالتي الصحية وتقديمها للرب هو أفضل صلاة شكر على هذه الخمسين عامًا من الخدمة ".

في نهاية الأمر، استسلم لحتمية حالته الصحيّة، او بالأحرى، لإرادة الله. وكان ذلك فعلٌا حقيقيٌا من التواضع والواقعية بالنسبة له. لقد كان قبوله لحدوده ولضعفه الجسدي، كما قال هو نفسه، "انتصارًا على سلوكي العنيف بعض الشيء والواثق جدًا من القدرات الشخصية!".

 تخلى أخيرًا عن فكرة العودة إلى بافوس. ووافق على التقاعد في "بيت أفرام" للمسنين "في الطيبة، البيت التابع للبطريركية اللاتينية (٢٠١٦). هنالك، اعتنى به المكرسون (البرازيليين)، "Filhos de Maria "، وابتداءً من حزيران ٢٠٢٠، راهبات الكلمة المتجسد ("خادمات الرب والعذراء في ماتارا ") بكل محبّة وانتباه. كان من الصعب عليه أن يحتفل بالقداس بمفرده، لكنه كان يشارك بكل سرور عندما يقيم أحد الكهنة بالقداس في غرفته او في كنيسة الملجأ الصغيرة. وكانت القراءة تكلّفه الكثير من الجهد، وكان ممتنًا جدًا عندما كان يأتي شخص ما، عادة راهبة، كي يقرأ له "صلاة الساعات" وكان يحبّ هذه الصلاة باللغة اللاتينية أكثر من اية لغة اخرى!

كان سعيدًا جدًا عندما يأتي إخوته من الكهنة أو الراهبات أو المؤمنين لزيارته، وأظهر بطريقة خاصة تقديره لأولئك الذين كانوا يأتون خصيصا من بعيد (من الأردن أو من تونس، على سبيل المثال). كانت الحالة الصحية بالنسبة له، كما أخبرنا من باب الصداقة أثناء إحدى الزيارات: "إنها جلجلة حقيقية! ليس بالكثير من الأوجاع الجسدية، ولكنها جلجلة من الانزعاج الشخصي، ومن المعاناة المعنوية والصبر اللامتناهي؛ وكان يكرّر باستمرار لنفسه: صبر، صبر، صبر! وكان يضيف: لكنها جلجلة صلاة مع يسوع وهي بالتالي فداء، حيث أمارس كهنوتي دائمًا. في هذا الوضع فهمت ما هي معاني الصلاة حقّاً "!

وفي زيارة أخرى، في حديث حميم على محمل الثقة بين أصدقاء، فاجأنا بالتعبير التالي: "الآن يمكنني أن أفهم بشكل أفضل ما كان يعنيه القديس أوغسطينوس بقوله المشهور: "طوبى لك أيتها المعصية السعيدة “. (المقصود: معصية آدم التي سببت مجيء السيد المسيح وموته وقيامته الخلاصي والعجيب).

أخيرا، انتهى تمرّده الداخلي وانزعاجاته المتكرّرة. بدون أية مبالغة، يمكننا ان نقول: كما حدث لعدد كبير من المؤمنين، وخاصة بعض القديسين منهم، في تاريخ الكنيسة، تلقّى أبونا جوني نعمة خاصة فريدة من الروح القدس، الا وهي ان يكتشف في معاناته الشخصية علامة قوية على إرادة الله الآب ومحبّة صديقه يسوع الذي رأى نفسه دائمًا وعلى كل حال رسولًا له وراعيًا.

يمكننا أن نستنتج، بتأثّر وإعجاب، أن المرحلة الأخيرة من حياته كانت بالفعل تحقيقيا لا بل تتويجًا كاملاً لشعاره الكهنوتي: "أنا الراعي الصالح. الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". يحقّ للكنيسة الأمّ في القدس أن تكون فخورة بتواضع وشاكرة بحرارة على هذا المثال المشجّع لأبنائها وكهنتها.

وفاة هادئة ومؤثّرة: " الرب راعي، فلا ينقصني شيء"

مرتاحا ومتصالحا مع الجميع، وحتى مع نفسه، ومستسلما كلّيا لإرادة الرب، انتقل الاب جوني صنصور الى الديار السماوية في مستشفى مار يوسف في القدس بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢١، تاركا لنا شهادة قوية ولامعة لكاهن نشيط وغيور، والذي كرّس بسخاء ومحبّة كل قدراته العقلية والقلبية والمادّية لخدمة الكنيسة الامّ والشعب في الأرض المقدسة في منعطف معيّن من مسيرتها التاريخية.

أتذكر جيدًا أنه، وهو لا يزال طالبا في الإكليريكية، كان جوني مولعا بمزامير داود النبي – الذي كان يسميه هو " جاري القريب" - (تقع بيت جالا وبيت لحم في الواقع على تلّين متجاورين). لقد أحبّ المزامير ليس فقط لمعانيها الدينية العميقة، ولكن أيضًا من أجل "رفعتها الشعرية المميّزة". خصوصا المزمور٢٢، الرب راعي، الذي غالبًا ما كان هو يهمهم كلماته او يتمتم لحنه، والذي نريد نحن الآن ان نتلوه على ذكراه ولراحته الأبدية.

"الرب راعي فما من شيء يعوزني. في مراع نضيرة يريحني. مياه الراحة يورد في وينعش نفسي، وإلى سبل البر يهديني إكراما لاسمه. إني ولو سرت في وادي الظلمات لا أخاف سوءا لأنك معي. عصاك وعكازك يسكنان روعي... الخير والرحمة يلازماني جميع أيام حياتي وسكناي في بيت الرب طوال أيامي".

تمّت مراسيم الجنازة للمرحوم ألاب القانوني جوني صنصور في ١٥ شباط ٢٠٢١، في كنيسة البطريركية اللاتينية في القدس، بكل بساطة بسبب وباء كوفيد-19 العالمي، ولكن ايضا في جوّ من التأثر الاخوي العميق، من قبل اخيه المطران جياتشينتو-بولس ماركوتسو، النائب البطريركي، بحضور بطريرك القدس للاتين بييرباتيستا بيتسابالا، وكل كهنة مقرّ البطريركية، مع بعض الرهبان والراهبات من رهبانية الوردية، والقديس يوسف والقديس بولس (راهبات البطريركية) وراهبات الكلمة المتجسّد، والموظفين العلمانيين في دوائر البطريركية. 

الان يرقد جثمان الأب جوني في قبور الكهنة في قبو كنيسة البطريركية اللاتينية في القدس وينتظر برجاء القيامة الاخيرة.

" ليبق ذكره مباركا للأبد"

+  جاتشينتو-بولس ماركوتسو

القدس ٢٤ نيسان ٢٠٢١


[١] في اعداد هذه الدراسة حول هذا الكاهن الصديق، مصادر مرجعنا هي اولا ذكرياتي الشخصية كطالب زميل للأب جوني في الإكليريكية وكأخ في الإكليروس البطريركي. كما استخدمت ثانيا الأرشيف التاريخي لبطريركية القدس للاتين، وبشكل خاص للحصول على المعلومات الدقيقة (تواريخ وأسماء). لم اتمكّن، مع الأسف، من مراجعة الأرشيف المحلي في الرعايا التي خدم فيها الأب جوني.

[٢] ذكّرنا الإكليريكي جوني بروح الدعابة بأن دخوله إلى المدرسة الإكليريكية كان بفضل حكاية صغيرة ديبلوماسية وفضولية عن والده وكاهن الرعية الأب ميشال كرم! كان والده جزارًا ومربيًا للخنازير، معروفًا في جميع أنحاء المنطقة. وسمع من كاهن الرعية ان، وفقًا للقانون الكنسي (القديم!)، لا يمكن أن يصبح ابن جزّار كاهنًا وبالتالي أن يدخل المدرسة الإكليريكية. ففي ورقة الطلب لدخول الإكليريكية، على السؤال: "مهنة الأب "؟ أجاب والده بمهنة هوايته المفضّلة: "دقيق"!، وهي حرفة تحظى بشعبية كبيرة وتقدير في فلسطين. "لقد كانت خدعة صغيرة بريئة دبلوماسية ونبوية ايضا – كان يقول

[٣] لربما كانت هذه طريقة لإعادة تأهيل مواطنه الكتابي القديم أخيتوفيل الذي انتهى به المطاف مثل يهوذا، في جيلو (بيت جالا)!

[٤]  من بين خبراته الرعوية العديدة، شهد الاب جوني التجربة "العجيبة" التالية، يمكن أن تكون ظاهرة "خارقة للطبيعة". كتب الاب جوني في رسالة: " في ١٤ شباط ٢٠٠٦ في بافوس، أثناء القداس وبعده، كانت سيدة كندية تدعى ليليان برناس ... ينزف من قدميها دم، ...وجروحها تشبه جروح المصلوب. المناديل والقطن المشبعة بدمها تفوح منها رائحة عطرة". في كنيسة مقبرة ميسا خوريو، حدثت نفس الظاهرة تقريبًا. هل يمكن أن تكون هذه ظاهرة "وصمات" خارقة الطبيعة؟