قراءة في كتاب "روحانية المدرسة المسيحية" للأب عماد الطوال

بقلم: حنا ميخائيل سلامة نعمان/ موقع أبونا - نشرت بتاريخ: October 12 Tue, 2021

بينَ يَدَيَّ الآن كتابٌ رأى النور حديثاً بعد أن أحْسَن مُؤلِّفه إذ عَكَفَ على كتابته وإنجازه مستثمراً فترة الحَجْر التي ألزمت الناس البقاء في مساكنهم لشهور غير قليلة إباَّنَ انتشار وباء كورونا. إنَّ عنوان الكتاب: "روحانية المدرسة المسيحية" يُشكِّلُ بحدِّ ذاته إضاءَةً على ما جاء بمضمونهِ، وأراهُ عَمَلاً بحثياً لم يَجْرِ الاشتغال على مِنواله مِن قَبل، وهذا يُحَفِّزُ للثناءِ ولتقديرِ جُهود مؤَلِّفِه قُدس الأب عماد الطوال صاحب الخبرة المَكِينَة في الحقل التربوي، هذا الحقل الذي خاض فيه وفي عُبَاب العملية التربوية وما يرافقها مِن أنشطةٍ وبرامجَ لسنوات طويلةٍ وفي أماكن متعددة وحيثما اقتضت رسالته الكهنوتية أن يخدم ويعمل ويُعلِّم.

في مَعْرِض تقديمه للكتاب يقول سيادة المطران وليم الشوملي" المدرسة المسيحية بالنسبة للمؤَلِّف ليست مُجرد حَيِّزٍ أكاديمي وثقافي يبحث عن التميُّز وتهيئة الطلبة لدخول الجامعات، إنما هي أيضاً مُستنبَتٌ لرجال ونِساء المستقبل، بُناة المجتمع وحُماة الوطن. فيهم يغرس المُرَبُّون القِيم الإنسانية والروحية فيختزونها في وجدانهم ليتفاعلوا معها ويعيشوها طيلة حياتهم وينقلوها لأبنائهم وأحفادهم".

هذا وَيضُمُّ الكتاب بين دفَّتيهِ أربعة فصولٍ استهلَّ مُقدِّمته المؤلِّف بتوجيه أسئلةٍ أرادها بغرضِ التمهيد لسؤالٍ أشملَ وهو: ما هو المستقبل؟ وفي الحقيقة، أنَّ جواب هذا السؤال المتعلق بمدارس البطريركية وأراهُ يَستقيم أيضاً لمدارس أخرى.. قد أحَاطَ بجوانبه في ثنايا الكتاب، غيرَ أنَّ جوابه المُستند إلى البحث التوثيقي والبُرهان جاء ضِمن مجموعة محاور روحية وأكاديمية واجتماعية ووطنية واكبتها صياغة رؤية استشرافية مستقبلية من خلال دراسة ميدانيةٍ وردت في الفصل الرابع.

وحريٌ القول أنَّ عناوينَ فصول الكتاب ترتبط ارتباطاً وثيقاً يتطابقُ ومُسمَّى الكتاب فمِن: "هُويَّة المدرسة" إلى "الكنيسة والمدرسة" إلى "رسالة المدرسة الروحية" وانتهاءً بالدراسة الميدانية.  كما ويندرجُ تحت عنوان كلِّ فصلٍ مجموعة أبواب مُساندة لمزيدٍ من الشمولية والإيضاح وتعزيز الغاية المنشودة. فإن أخذنا كمِثالٍ فصلَ "هُويَّة المدرسة" وجدنا باباً عنوانه "فلسفة المدرسة" هذه الفلسفة الهادفة إلى "تحقيق تطلعات المجتمع ومستقبل الأجيال" بالإضافة إلى "صياغة وَعي الجماعة وبناء الطلبة على الخِصال الإنسانية". كذلك "التنشئة على قواعد المعرفة السليمة" ويُقصَد هنا بشروطها وأركانها الثابتة المتعارف عليها. هذا إلى جانب " تعزيز العُلاقات الإنسانية بين الطلبة وقبول الآخر والحِفاظ على النسيج الأَخَويّ الواحد" ويُشدِّد الأب عماد على ضرورة التمسُّك بروحانيةٍ مُستمدة من وصايا المسيح "المُعلِّم" وتعاليمه إذ أنَّه "الطريق والحق والحياة". كذلك التمسُّك بجُذور الرسالة المسيحية ونهجِ رُسُل المسيح والأُسُس التي جاءت في تعاليم الكنيسة المقدسة لسمو غاياتها. وعليه نجِده يُبيِّن غايةً بالغة الأهمية ضِمن حديثهِ عن رسالة المدرسة وهي "إطلاق نور المعرفة على هَدي نور الإيمان".  كذلك " السَّير بالطلبة نحو نُضوجٍ إيماني ونمو روحيٍ ليس فقط حسب النصوص، بل بالتزامن مع الخبرة الحياتية التي تتجلى فيها المحبة واقتناء المواهب الروحية في سَعي نحو مدارج الكمال".

ويرى المؤلِّف أن العملية التربوية تُشكِّل "رحلة مُنطلقها المدرسة" التي وحسبَ خبرتهِ ومتابعتهِ يجدها مكان التقاء على مدى الطريق، حيث يلتقي فيها ومِن خلالها أشخاص تختلف أعمارهم، وبيئاتهم، وثقافتهم، وقُدُراتهم. وعلى ضَوء هذا "فمن واجب المُرَبِّين أن يسيروا بهم ومعهم بفرحٍ لجعل هذه الرحلة رحلة ثقة ونجاح لبناء مجتمعٍ فاضلٍ متينٍ وبالتالي مِن أجل عَاَلَم أكثرَ ترابطاً وتآلفاً واتحاداً ينعم فيه الجميع بالسلام".

ويُعرِّج المؤلِّف في موضعٍ من الكتاب على" القائد التربوي" أي المُعلِّم الذي يُشكِّل ركيزةَ التعليم وزارع القيم الدينية والروحية على حدِّ وصفه، ومُستعرِضاً صفاته التي ينبغي أن يتحلى بها ومُقدِّماً جُملةً مِن الوصايا لإنارة سبيل عمله. كما ويُريدُ من مدير المدرسة -الذي ينبغي أن تكون رسالته ورؤيته تشاركية بنَّاءَة مع كاهن الرعية - أن يكون أيقونة حيَّة ليسوع المسيح "المعلم الأول" وأن يُحافظ على هذه الصورة البَهيَّة ومنزِلًتِها، بما في ذلك صورة القائد الروحي التربوي في تسهيل وتنظيم المسيرة الروحية والنمو الأخلاقي لتنعكس الرسالة المسيحية في مدرسته ومجتمعه مع ارتقاءٍ روحيٍ لبناء الجماعة المسيحية.

وهناك في الكتاب محطات تبيِّن الانفتاح القائم في مدارس البطريركية على المجتمع كله، وتبيّن أيضاً استقطابَ أصحاب الخبرة والكفاءة بالتعليم دون تمييز وتفرقةٍ على أساس الديانة أو الأصل أو اللون وكذلك حال الطلبة مِن أبناء الديانتين ومِن منابتهم المختلفة فتقديم العلم والمعرفة ونشر الثقافة وتحقيق الألفة من الثوابت والبراهين ماثلة للعيان. يقول المؤلِّف "تُشكِّل المدرسة -وبنيانها المحبة- واحةً للعيش المشترك هذه الواحة تسعى لمناهضة التعصب الديني وتعمل على قطع الطريق على محاولات الإقصاء والتَّزَمت". كما ويؤكد في موضع من الكتاب على كرامة الإنسان وحريته "فالحرية هي أساس الفضائل".

 إن هذه الإضاءة الخاطفة على الكتاب لا تُغني عن قراءَته والإفادة مِن موضوعاته ومن الجوانب المتعلقة بالمبادرات والمهارات واكتشاف الذات الواردة فيه. كذلك الإفادة مِن الغِنى المَعرفيّ والروحي بِمَا أوردَ المؤلِّف من نصوصٍ مختلفة وآياتٍ انجيليةٍ وأقوال لأصحاب الاختصاص ولِما جاءَ على لسان قداسة البابا فرنسيس بشأن التعليم والتربية والشهادة للإنجيل ومنها قولهُ: "التعليم المسيحي ليس عملاً، بل هو دعوة، نقل خبرة، شهادة وإيمان".

وفي السياق فإن هذا المُنْجَز يجيءُ إضافة نوعية لما سبقَ مِن مؤلفات للأب الطوال ومنها : "إضاءات قيادية" ويبحث في  فصوله الخمسة " آليات إعداد الكوادر أو القادة في العمل الرَّعوي" وينطلق من هذا لعناوينَ متشعبة في المضمار عينه منها: مفهوم القيادة ومسيرتها ، المهارات اللازمة والاستراتيجيات المطلوبة، آلية أن تكون القيادة إيجابية ومفتاح نجاح القيادة الفاعلة، فن المصداقية، تدريب العقل على التركيز، بناء الجسور، ركائز التعليم الكاثوليكي، رسالة العلمانيين، صراع الأجيال وغير ذلك من موضوعاتٍ  لم يُكتَب على نَسَقِها من قبل. أما كتاب "الأفق" وجاء بمائتين وخمسٍ وعشرين صفحة فقد حشد فيه المؤلِّف مقالات تربوية تُشكل كما قال: حجارة متراصة ثابتة ومتكاملة لبناء الإنسان والوطن وبالتالي المستقبل المشرق للأجيال.  ويُضيف: هذه المقالات موجهة إلى القادة والتربويين والطلبة وهي دعوة للتفكير خارج الصندوق والانفتاح والتحليق في الرؤية التربوية المعاصرة للانتقال من الجمود إلى الحركة ومن الإخفاق إلى النجاح ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومِن "الأنا" إلى ألـ" نحن".

وهناك مؤلَّفات أخرى تستحق الإضاءة عليها لجَنْي الفوائد مِن مَضامينها. وقبل الختام تجدر الإشارة إلى أن الأب عماد الطوال وهو أحدُ كهنة البطريركية اللاتينية الأفاضل يحمل درجة بكالوريوس في الفلسفة واللاهوت، ودرجة ماجستير في الإدارة التربوية، بالإضافة إلى ماجستير في الفلسفة التربوية من بريطانيا. وهو صاحب خبرة لاهوتيةٍ وتعليمية وتربوية يُشهدُ لها. بقيَ أن أقول إنَّ مؤلفات الأب الطوال تُشكِّل مَرجِعاً يمكن الاتكاء عليه. وعلى ضَوء هذا أرى نفعاً كبيراً وفائدةً مَعرفيةً في عقد حَلقات دراسية وورشات عملٍ تجمع مُدراء المدارس والهيئات التدريسية ومن يعنيهم الأمر لتناولها والاغتناء من مخزونها بهدف التطوير والتحسين والارتقاء بالعملية التعليمية التربوية.

الكلمات الدليلية