خميس الأسرار

بقلم: Pierbattista Pizzaballa - نشرت بتاريخ: April 14 Thu, 2022

خميس الأسرار متوفرة باللغات التالية:

إخوتي الأساقفة الأجلاء

أعزائي الكهنة

أيها الأعزاء جميعًا

               أشكر الله لهذا الحفل المبارك الذي أراه،  الذي يجمع كل كنيستنا، كنيسة القدس، مع الكهنة والرهبان الكثيرين من جميع أنحاء العالم. هذه علامة العودة إلى الحياة الكنسية والاجتماعية الكاملة، هذه قيامة مصغرة، بالرغم من ظلال الموت والعنف التي لا تزال تريد أن تفرض نفسها على ضمائرنا هنا وفي العالم.

           في الواقع لم ينته الصراع المخيف بين الموت والحياة، وكلنا جزء منه، ونحن فيه، في الوقت نفسه، متفرجون ومدعوون للمشاركة.

           مثلنا، ومن أجلنا، وجد يسوع نفسه أيضًا في وسط صراع. هو أيضا كان مشاركًا وضحية للصراع بين الموت والحياة. هو أيضًا كان عليه أن يواجه العنف والظلم والقسوة، ومع ذلك فقد أثار من حوله الحياة والأمل.

           عانينا جميعًا في هذه السنوات، وما زلنا نعاني من الاضطراب والتعب. مدة سنتين، الإغلاق بسبب الوضع الوبائي أرهق عائلات كثيرة، وأيضًا عددًا غير قليل من كهنتنا. ويثقل علينا أيضا في وضعنا الاجتماعي عدم وضوح الرؤية. وقد لاحظت في هذه الأيام نفسها، أن العنف الدوري يخيف الآباء الذين يخشون على مستقبل أبنائهم. يثقل علينا النقص في المرجعيات الأكيدة والشعور بالوحدة. يمكن أن توهِّمَنا وسائل الإعلام بأنها تملأ وحدتنا، لكن هذا ليس صحيحًا. في الواقع، لا يتغذى الإنسان بالمشاركات الافتراضية، بل بالعلاقات الحقيقية. وصلواتنا لا يمكن أن تكون افتراضية، بل تحتاج إلى لقاء حقيقي. وخارج بلادنا، لا يبدو الوضع أفضل. يكفي التفكير فيما يحدث في قلب أوروبا..

كل هذا يقودنا بسهولة إلى التفكير أولا في أنفسنا، وفي منفعتنا الخاصة أو، على الأكثر، في منفعة أعزائنا والقريبين منا. يبدو أن الوقت وقت التشتت، والمصلحة الذاتية، وانعدام الإحساس الحقيقي بالجماعة.

في هذه الحالة، يأتينا فصح يسوع، الذي بذل نفسه ليجمع شملنا. أمام مخاوفنا، وفي صميم انغلاقاتنا، وأبوابنا المقفلة، يشق هو طريقه، لا بسحر الحلول السهلة، ولا بالأحكام السطحية والمستخفة، لكن بثقته بالآب، بثقة أقوى من الخوف، وبحبٍّ للإخوة أكبر من انغلاقاتنا.

    في هذا اليوم المقدس، في ذكرى عطائه نفسه في الإفخارستيا، وتسليمه نفسه إلى أيدي الأعداء، يأتي للقائنا، في الكلمة والسر، بلا حماية كما كان آنذاك، وديعًا كما كان آنذاك، ومستعدًا ليجعل الموت عطاء يبدِّل العنف إلى مغفرة. لا يهرب من قرار قيافا، ولا يعارض حكم بيلاطس، ولا يهدّد الجلادين.  وهذا ليس بسبب سلام مستسلِم، ولا بسبب لا عنف سلبي، بل ليؤكد ردَّ فعل جديدًا منتصرًا حقًا: ردَّ فعل هو الثقة بالله ومحبة الجميع.
           أُحِب أن أرى هنا الجذور الحقيقية والمصدر الأصيل للسينودسية، التي اقترحها علينا الأب الأقدس، على أنها طريق الكنيسة في هذا الزمن الذي تدعونا فيه العناية الإلهية إلى الحياة فيه. إن الدعوة إلى السينودس هي ببساطة دعوة "لنكون كنيسة" في زمن التشتت، لكي نعيد الجميع إلى السير معًا. الكنيسة، التي هي جسد المسيح الحي في الزمن، كنيستنا، لا يمكنها إلا أن تعيش وتهَبَ نفسها من أجل هذا: "لتجمع شمل أبناء الله المشتتين".
           والآن، اسمحوا لي، بصفتي أسقفكم، أن أوجه كلمة إلى الكنيسة التي أوكلها الرب إليّ، والتي تعيش اليوم في هذا الاحتفال ظهور الرب الحقيقي. الكلمة التي أريد أن أقولها هي للجميع، قبل وبعد الفروق الخدمية والمواهبية التي يثيرها الروح فينا: "لنَعُدْ إلى الجماعة".
           لنعُدْ إلى القدس ولنبقَ فيها. لنعُد ْإلى الكنيسة ولنبقَ فيها. مثل تلميذَيْ عمواس، أبعدتنا عن جماعتنا مخاوفنا وكسلنا وحساباتنا الخاطئة، وآمالنا غير المحققة. لكن الرب الذي يُسلِمُ اليوم نفسه بين أيدينا، وبمحبته التي جعلته يقبل أن يموت من أجلنا حتى المغفرة، تجعلنا نعود مليئين بالفرح للقاء مع إخوتنا. لنسمَحْ للروح، كما يفعل بالخبز والخمر، أن يحوِّلنا إلى كنيسة.
           لنترك الرب يخدمنا فيدمِّرَ مقاومتنا العنيدة للمغفرة والرحمة. المعلِّم صار عبدًا لنا، وأظهر لنا المعنى الحقيقي للمحبة المتبادلة، ليس بالكلام بل بالعمل.

نصبح جماعة مؤمنة، خدّامًا للكلمة والأسرار المقدسة، ورعاةً لشعب الله، عندما نتعلم أن نصغي إلى الآخرين قبل أن نعلِّمَهم، نبدأ فنعيش المعاناة قبل أن نقدم علاجاتنا الجاهزة للمعاناة، ونختبر مغفرة الله لنا قبل أن نقدم مغفرة الله للآخرين. ونصبح جماعات مؤمنة، علمانيين في الكنيسة، عندما نتعلم أن نتعاون مع رسالة حب المسيح، عندما نفتح عيوننا ونراه يعمل خارج حدود عائلاتنا، وأقاربنا وأصدقائنا، وقيمنا العرقية والثقافية، وتطلُّعاتنا الاجتماعية والسياسية، مهما بدت لنا أنها عادلة. لما غسل يسوع أقدام رسله، لم يميز بين يهوذا الذي خانه، وبطرس الذي أنكره، ويوحنا تلميذه الحبيب. لقد خدمهم جميعًا بنفس الطريقة، ونظر إليهم بنفس الحب الذي عانق به العالم من على الصليب. القوة الوحيدة التي تمتلكها الكنيسة هي صليب يسوع ومحبته التي تسكنها.

نحن كنيسة: إذن لنَصِرْ كنيسة!
           نصير كنيسة بالإصغاء المقتنع إلى الله والإخوة. ليكن الإصغاء الصورة العملية لمحبة الكنيسة، التي تصبح انفتاحًا مضيافًا على الآخر، بدون عوائق أو تحيزات. لنتعلَّمْ الإصغاء بعضنا إلى بعض، قبل أن نكلم بعضنا البعض، ولنتعلَّمْ أن نترك المكان أكثر من أن نَشغَلَه، ولْنتعلَّمْ الانفتاح بدلًا من الانغلاق.
           لنصر كنيسة بالمشاركة الجماعية في الصلاة والاحتفال. لتكن الليتورجيا ترحيبًا بالله وبالآخر "لنصير في المسيح جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا". لنتعلَّمْ أن نحتفل ليس من أجل الاسعراض أو لتأكيد الذات، بل لإعادة اكتشاف العلاقة التي تؤسس كياننا مع الله والآخرين. ولننتبه لتكون عبادتنا شيئًا واحدًا مع حياتنا، بدلاً من أن تكون مكان عَرضٍ لأنفسنا.
           لنَصِرْ كنيسة في الأخُوّة الكهنوتية وفي المسؤولية العلمانية المشتركة. هذا ليس لأن الاتحاد يصنع القوة، بل لأننا بهذا، – وفقط بهذا-، سوف يميزوننا ويعرفون أننا تلاميذ الرب: "إن كنا نحب بعضنا بعضًا". في الواقع، إن مصداقية شهادتنا متوقفة على شركتنا.
           الزيوت التي نكرسها اليوم لتزِدْنا قوة ومرونة في مسيرتنا السينودسية.
           ومن غسل الأرجل لنتعلَّمْ أن نسير معًا.
           والقربان المقدس الذي نحتفل به ونقبله ليضرم فينا محبتنا للكنيسة ورسالتها.
           شركة الإخوة والأخوات على الأرض وفي السماء، لتؤيِّدْنا ولْتملأْنا تعزية.
           وهكذا، نعود من تشتتنا ونجمع شملنا في الوحدة. آمين.

                                                            + بييرباتيستا بيتسابالا

                                                               بطريرك القدس للاتين