رسامة الأسقف الجديد المطران جمال دعيبس

بقلم: بييرباتيستا بيتسابالا - نشرت بتاريخ: May 06 Fri, 2022

رسامة الأسقف الجديد المطران جمال دعيبس متوفرة باللغات التالية:

٦ أيار ٢٠٢٢

 

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء

الأخ العزيز جمال خضر

سلام المسيح معكم.

 

"احفظْهُم بِاسمِكَ الَّذِي وَهَبْتَهُ لِي لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحنُ وَاحِد ... لِيَكُونَ فِيهِم فَرَحِي التَّامّ".

(يوحنا ١٧: ١١و١٣)

هذه الآيات من صلاة يسوع الكهنوتية تُظهِر العلاقة الحميمة العميقة بين يسوع والله الآب. وهي علاقة يريد يسوع أن تكون في تلاميذه. نفس الوحدة بين يسوع والآب، والفرح نفسه، يجب أن يصيرا من سمات تلاميذه.

لتكن هذه الآيات نقطة الانطلاق لخدمتك الأسقفية التي تبدأها اليوم، أيها العزيز جمال. هذه الآيات التي اخترتها مثل الآيات التي اختارها المطران رفيق لرسامته قبل أيام، تشير إلى موقف أساسي واحد في الخدمة، "في العالم" حسب لغة الإنجيلي يوحنا، وهي العلاقة الحميمة الضرورية مع الله. قبل أن يرسلك الله، اختارك أولا، وأرادك وأحبك.

كلمة أسقف تعني "النظر من فوق". ليس فقط بمعنى المراقبة والإشراف، لكن أيضًا بمعنى معرفة كيفية النظر إلى حياة هذا العالم من العُلُوّ، من مسافة معينة.

في الواقع، الإنجيل الذي اخترته يقول لنا إن الراعي يجب ألا ينتمي إلى هذا العالم. قال يسوع: "لَيسُوا مِن هَذَا العَالَم" (يوحنا ١٧: ١٤). هذا لا يعني أن نتجاهل واقع الحياة الذي نحن فيه. على العكس، الراعي مدعُوّ إلى تولّي وتوجيه كل المواقف السياسية والاجتماعية في مجتمعه، فضلًا عن المواقف الدينية.

الراعي الذي يحبس نفسه في كنيسته ولا يهتم بالحياة المدنية في مجتمعه يهمل واجبًا لا يجوز أن يتخلى عنه. لكن عليه في الوقت نفسه أن يقود الجميع إلى نظرة أوسع في الحياة المدنية، ويعلِّم النظر إلى الواقع بحسب رؤية رحبة للحياة المدنية، ويعلِّم النظر إلى الواقع نظرة حرة من كل القيود البشرية، ومن منطق الاستملاك والسلطة، الذي يسبب دائمًا الانقسام. بمعنى آخر، إنه مدعُوٌّ إلى بناء المجتمع بدءًا من العلاقة الشخصية الحميمة مع الله التي ذكرها يسوع في الآيات الإنجيلية التي قرأناها اليوم، والتي يجب أن تكون أيضًا في الجماعة كلها. بدون هذه العلاقة الحميمة مع كلمة الله، سيبقى المقياس والمعيار لمواجهة واقع العالم بحسب منطق العالم.

القراءة الأولى التي اخترتها تذكرك بالفكرة نفسها. "جَعَلتُكَ نَبِيًّا لِلأُمَم" (إرميا ١: ٥). النبي جزء من الشعب الذي ينتمي إليه في كل شيء، لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى الله، وباسم الله يخاطب شعبه. بمعنى ما، النبي قائم بين اثنين، إنه ينتمي إلى الناس، لكن ليس كليًا، فهو لله أيضًا، لكن ليس كلِّيًّا، بما أنه لشعبه أيضًا. المرسَل هو لله وللناس، ولا يمكن أن يكون كلُّه للناس فقط. إنه مدعو لأن يكون صانع وحدة بصورة دائمة، صانعَ وحدة في نفسه بين الله والناس: عليه أن يكون المتحدث، وحامل هموم شعبه أمام الله، وفي الوقت نفسه مُسمِعًا صوت الله لشعبه. ستكون العزلة أحيانًا مؤلمة وثقيلة، لكنها ضرورية، وهي من مكوِّنات الخدمة التي أنت على وشك البدء بها، ولا يملأها إلا العلاقة الحميمة مع الله. بهذه الطريقة، يمكن أن تكون خدمتك خصبة وتثمر حياة جديدة للجماعة.

ليكن الأمر لك كذلك، أيها العزيز جمال. لم تعد حياتك مِلكًا لك. لم تعد تعيش لنفسك: تأكد من أن الكهنة، والمؤمنين، والعالم الذي ستلتقيه، يرون فيك شخصًا يساعدهم على النظر من فوق، حتى يعرفوا أن يروا واقع حياتهم ليس فقط بناء على آلامهم وأوجاعهم، لكن أيضًا بناء على نظرة ترى الله والكنيسة. صوتك سيكون صوت الكنيسة ووجهك وجه الكنيسة. لذلك، فليكن هذا الجزء من الكنيسة الموكول إليك، ليكن صوته ووجهه صوت ووجه نبي، منغرسًا بعمق في أعمق نسيج المجتمع، لكن في الوقت نفسه يعرف أنه لله، ويعرف أن يتكلم ويعمل باسم الله فقط.

مثل أي شخص آخر، أنت أيضًا "مُتَسَربِلٌ بِالضَّعفِ" (عبرانيين٥: ٢)، وستختبر مرارًا شعورًا كبيرًا بالعجز. لكن بثقتك بالله، ستتعلم أن تُسلم إليه في الصلاة، ما لم تتمكن من القيام به في خدمتك. سوف تتعلم أن تنظر إلى الطاعة من زاوية أخرى: ليس فقط مثل طلب يأتي من أعلى ويجب تلبيته، لكن أيضًا مثل خير عليك أن تُفهِمه لغيرك، ومشاركة في الرسالة الواحدة. الآية من القراءة الثانية ، "تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ بِمَا عَانَى مِنَ الأَلَم " (عبرانيين٥: ٨) ، سوف يكون لها معنى جديد بالنسبة لك. ولن تضطر بعد الآن إلى تقديم الذبائح فقط من أجل خطايا الشعب (راجع عبرانيين ٥: ١) ، بل ستصبح أنت نفسك قربانًا، فتقرِّب نفسك كل يوم في الذبيحة الإفخارستية، من أجل حياة مجتمعك.

اسمح لي الآن أن أذكرك، كما ذكّرت أيضا المطران رفيق قبلك، بعض أولويات خدمتك في هذا الجزء من الأبرشية الذي أنت مدعو لخدمته. الإرشادات التي ذكرتها في الناصرة تصلح أيضا للأردن. وإلى ما قلت أضيف:

الأردن بلد كبير، وفيه أكبر جزء من الأبرشية. فالمسؤولية الموكولة إليك كبيرة. أولًا، الأردن ليست فقط عمان. صحيح أن العديد من المبادرات والعديد من الرعايا تتركز في العاصمة. لكن الأردن يبدأ في العقبة في الجنوب وينتهي في إربد وما بعدها في الشمال. لذلك لا تنسَ المناطق البعيدة، فكلها متساوية بالأهمية.

كن قريبًا. الراعي قريب من الكهنة ومن الشعب. الحضور هو واجب الراعي. نعتقد مرارًا أنه إذا لم يكن هناك التزام محدد، أو مهمة لخدمة محددة (منح سر التثبيت، أو منح بركة، إلخ)، الزيارة ليست ضرورية. العكس هو الصحيح. في غياب التزامات خدمية محددة، هناك المزيد من الوقت للاستماع والمشاركة. التواجد مع (الكهنة) مهم. الحضور أمر مهم. حضور بسيط ومتنبه، يعرف أن يستمع ويوجه، هذا أمر ضروري. أحد أكبر أنواع الفقر في عصرنا هو الوحدة. في كثير من الأحيان، في العائلات، في المدارس، في مكان العمل، هناك حاجة إلى من يستمع، إلى من يكون مرجعًا. رأيت بنفسي كم ينتظر الناس والكهنة أيضَا مَن يستمع لحاجاتهم وصعوباتهم. إنه أمر صعب، لأنه في معظم الأوقات لن تتمكن من تقديم الحلول، وستشعر أنك غير ملائم. أكثر من الكلام والحديث، سيكون الجزء الأهم في خدمتك هو أن تصغي وأن تكون قريبا من الكهنة ومن الناس.

العائلة. يوجد في الأردن جمعيات للعائلة كثيرة، بعضها ولد بشكل عفوي، وهذه علامة رائعة على الالتزام المسيحي لدى الكثيرين في الأردن. حقا إنها تعزية كبيرة. ولكن من المـُلِحّ بشكل متزايد تدريب ودعم البيئة الأسرية على نطاق أوسع، خاصة في المدن الكبيرة. مستقبل جماعتنا الكنسية هي في العائلات. حالات الطوارئ الاقتصادية، والاستخدام غير الصحيح دائمًا لوسائل الإعلام، والتغيرات الثقافية أيضًا لها تأثير كبير على عالم العائلة، وتتطلب حضورنا العملي. من بين الأصوات والطلبات العديدة التي تأتي: ليكن صوت الكنيسة مسموعًا في العائلات، صوتٌ يبني ويوحِّد ويعزّي ويسند.

التربية والمدرسة. المدارس المسيحية في الأردن كثيرة. ولها دور مركزي وهام، سواء في جعل التزام المجتمع المسيحي مرئيًا داخل المجتمع الأردني وفي مجال التربية والتعليم بشكل خاص، أو لمنح شبابنا تنشئة مسيحية جيدة. وكما قلت للمطران رفيق، أكرر: لست أكيدًا أن هذه هي الحال. فممَّا لا شك فيه أنه من الضروري وضع رؤية واضحة للمدارس المسيحية للمستقبل القريب. صحيح أن المسيحي هنا يولد مسيحيا. لكننا نعلم أيضًا أن هذا لا يكفي. للمدرسة المسيحية والكنيسة دور حاسم لتربية المسيحي ليكون فعلا مسيحيًّا، وتوعية شبابنا على ما معنى حقًا أن يكونوا مسيحيين، وإيقاظ الرغبة فيهم للشهادة المسيحية.

مريم الناصرة، البتول الوالدة، لتحمك هنا في بيت لحم، وترافق خدمتك الأسقفية. منها، هي التي رحبت بالكلمة، وظلت متواضعة، تعلَّم الاستعداد لخدمة الإخوة، وليتشفع لك القديس يوسف ويمنحك الحب نفسه الذي به يحِبّ كنيسة ابنه يسوع المسيح. آمين