رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للصّلاة من أجل العناية بالخليقة

بقلم: البابا فرنسيس/ www.vatican.va - نشرت بتاريخ: July 26 Tue, 2022

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للصّلاة من أجل العناية بالخليقة متوفرة باللغات التالية:

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!

”أصغ إلى صوت الخليقة“ هذا هو موضوع ودعوة زمن الخليقة هذا العام. الزمن المسكونيّ يبدأ في الأوّل من أيلول/سبتمبر باليوم العالميّ للصّلاة من أجل العناية بالخليقة وينتهي في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر بعيد القدّيس فرنسيس. إنّه زمن خاص لجميع المسيحيّين للصلاة والعناية ببيتنا المشترك معًا. هذا الزمن، المستلهم في الأصل من بطريركيّة القسطنطينيّة المسكونيّة، هو فرصة لتنمية ”توبتنا في ما يختص بالبيئة“، وهي توبة شجعها القدّيس يوحنا بولس الثاني جوابًا على ”الكارثة البيئيّة“ التي سبق ونبَّه لها من قبل القدّيس بولس السادس في عام 1970 [1].

إن تعلّمنا الاصغاء إليها، سنلاحظ نوعًا من التنافر في صوت الخليقة. من ناحية، هو صوت غناء عذب يمدح خالقنا الحبيب، ومن ناحية أخرى، هو صوت صرخة مريرة تشكّو من سوء معاملتنا الإنسانيّة للبيئة.

غناء الخليقة العذب يدعونا إلى أن نمارس "روحانيّة إيكولوجيّة" (رسالة عامة بابويّة، كُنْ مُسَبَّحًا، 216)، متنبّهة لحضور الله في العالم الطبيعيّ. إنّها دعوة إلى تأسيس روحانياتنا على "الوعي المُحبّ بأنّنا لسنا منفصلين عن بقيّة الخلائق، بل نكوّن مع باقي الكائنات شركة كونيّة جميلة" (المرجع نفسه، 220). بالنسبة لتلاميذ المسيح، على وجه الخصّوص، فإنّ هذه الخبرة المنيرة تقوّي الوعي بأنّه "بِه كانَ كُلُّ شَيء وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان" (يوحنّا 1، 3). في زمن الخليقة هذا، لنستأنف الصّلاة في كاتدرائيّة الخليقة الكبيرة، ونستمتع بـ "الجوقة الكونيّة العظيمة" [2] من مخلوقات لا حصر لها وهي تغنيّ أناشيد حمد لله. لننضّم إلى القدّيس فرنسيس الأسيزي في الترنيمة: "لك الحمد ربي على كلّ مخلوقاتك" (راجع نشيد الشمس أختنا). ولننضّم إلى المرنّم في الترنيمة: "كُلّ نَسَمَةٍ فلتسَبِّحِ الرَّبّ" (مزمور 150، 6).

للأسف، ذلك النشيد العذب مصحوب بصرخة مريرة. أو بالأحرى بجوقة تصرخ صراخًا مريرًا. أوّلاً، إنّها أمنا وأختنا الأرض التي تصرخ. فهي رَهنُ تجاوزاتنا الاستهلاكيّة، وتئِنُّ وتتوّسل إلينا لنوقف إساءتنا وتدميرنا لها. ثمّ، المخلوقات المختلفة تصرخ، مُخضَعَةً "لمركزيّة أنثروبولوجية" مستبدَّة (رسالة عامة بابويّة، كُنْ مُسَبَّحًا، 68)، هي نقيض مركزيّة المسيح في عمل الخلق. فيموت عدد لا يُحصى من الأجناس، وتتوقّف إلى الأبد عن تسبيح لله. ويصرخ الفقراء بيننا أيضًا، أشدُّهم فقرًا. فهم يتعرَّضون لأزمة المناخ، ويعانون أشدّ المعاناة من آثار الجفاف والفيضانات والأعاصير وموجات الحرّ التي تزداد حدّة وتواترًا. مرة أخرى، إخوتنا وأخواتنا من الشّعوب الأصليّة يصرخون. بسبب المصالح الاقتصاديّة الأنانيّة، تمّ غزو أراضيّ أجدادهم وتدميرها من جميع الجهات، فأطلقوا "صرخة ترتفع إلى السّماء" (الإرشاد الرسوليّ ما بعد السينودس، الأمازون الحبيب، 9). أخيرًا، أبناؤنا يصرخون. بعد تهديد أنانيّة قصر النظر، المراهقون يطلبون بقلق منّا نحن البالغين أن نفعل كلّ ما هو ممكن لنمنع أو على الأقل للحدِّ من انهيار النظم البيئيّة في كوكبنا.

بالإصغاء إلى هذه الصّرخات المريرة، يجب أن نتوب ونغيّر أنماط حياتنا وأنظمتنا الضّارة. منذ البداية، كان النداء الإنجيليّ: "توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات" (متّى 3، 2)، وقد دعا إلى علاقة جديدة مع الله، تضمن أيضًا علاقة مختلفة مع الآخرين ومع الخليقة. إنّ الحالة المتدّهورة لبيتنا المشترك تستحق نفس الاهتمام الذي تحظى به التحديّات العالميّة الأخرى مثل الأزمات الصحيّة الحادة والصّراعات الحربيّة. "إن عيش دعوتنا كحراسٍ لعمل الله هو جزء أساسيّ من حياة فاضلة، وهذا الأمر ليس اختياريًّا ولا ثانويًّا في الخبرة المسيحيّة" (رسالة عامة بابويّة، كُنْ مُسَبَّحًا، 217).

بكوننا مؤمنين، نشعر بمزيد من المسؤوليّة لنعمل، في تصرفاتنا اليوميّة، بما يتَّفق مع هذه الحاجة إلى التوبة. لكن التوبة ليست أمرًا فرديًا فقط: "التوبة الإيكولوجيّة المطلوبة من أجل خلق ديناميّة تغيِير مستدام هي أيضًا توبة جماعيّة" (المرجع نفسه، 219). ومن هذا المنظور، فإنّ المجتمع الدوليّ مدعوٌ أيضًا إلى الالتزام، لا سيّما في اجتماعات الأمّم المتحدّة المخصَّصة لمسألة البيئة، وبأكبر قدر ممكن من روح التعاون.

قمّة (COP27) للمناخ، التي ستُعقد في مصر في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، تمثّل الفرصة القادمة لتعزيز التنفيذ الفعّال معًا لاتفاق باريس. ولهذا السّبب أيضًا، طلبت أن يكون الكرسيّ الرّسوليّ، باسم ونيابة عن دولة حاضرة الفاتيكان، عضوًا في اتفاقيّة الأمّم المتحدّة-الإطار بشأن تغيّر المناخ وفي اتفاقيّة باريس، على أمل أنّ "تُذكَرَ إنسانيّة القرن الحادي والعشرين أنّها تحمّلت بكلّ ما يلزم مسؤولياتها الجسام" ( المرجع نفسه، 165). يعدّ تحقيق هدف اتفاقيّة باريس المتمثّل في الحدّ من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئويّة أمرًا صعبًا جدًّا ويتطلّب تعاونًا مسؤولًا بين جميع الدول لتقدّيم خطَط مناخيّة، أو مساهمات محدّدة على مستوى الدول، وأن تكون أكثر طموحًا لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراريّ إلى درجة صفر على وجه السّرعة قدر الإمكان. إنّها مسألة ”تغيِير“ نماذج الاستهلاك والإنتاج، وكذلك أنماط الحياة، في اتجاه يضمن مزيدًا من الاحترام للخليقة والتنميّة البشريّة المتكاملة لجميع الشّعوب الحاليّة والمستقبليّة، وهو تطوّر يقوم على المسؤوليّة والفطنة والحذر، وعلى التضامن والاهتمام بالفقراء وأجيال المستقبل. على أساس كلّ شيء يجب أن يكون العهد بين الإنسان والبيئة التي هي، لنا نحن المؤمنين، مرآة "حبِّ اللهِ الخالق، الذي منه أتيْنا وإليه نعود" [3]. التحوّل الذي أحدثه هذا التغيير لا يمكن أن يتجاهل مقتضيات العدل، خاصّة بالنسبة للعمال الذين تضرّروا أكثر من غيرهم من تغيّر المناخ.

وبدورها، قمة التنوّع البيولوجي (COP15)، التي ستُعقد في كندا في كانون الأوّل/ديسمبر، ستقدّم للنوايا الحسنة في الحكومات فرصة مهمّة لتبنّي اتفاقيّة جديدة متعدّدة الأطراف لوقف تدمير النظم البيئيّة وانقراض الأجناس. حسب الحكمة القديمة لليوبيل، نحتاج إلى "التذكّر والرجوع والراحة والإصلاح" [4]. لوقف المزيد من الانهيار لـ ”شبكة الحياة“ - التنوّع البيولوجيّ – الذي أعطانا إياه الله، نصلّي وندعو الدول إلى أن تتفق على أربعة مبادئ رئيسيّة: الأوّل: بناء أساس أخلاقيّ واضح للتحوّل الذي نحتاج إليه من أجل إنقاذ التنوّع البيولوجيّ. الثاني: مكافحة فقدان التنوّع البيولوجيّ، ودعم الحفاظ عليه واستعادته، وتلبيّة احتياجات الناس بطريقة مستدامة. الثالث: تعزيز التضامن العالميّ، في ضوء هذا الواقع أنّ التنوّع البيولوجيّ هو خير عالميّ مشترك يتطلّب التزامًا مشتركًا. الرابع: التركيز على الأشخاص الضعاف والمعرَّضين للضرّر أكثر من غيرهم، من فقدان التنوّع البيولوجيّ، مثل السّكان الأصليّين وكبار السّنّ والشّباب.

أكرّر ذلك: "أريد باسم الله أن أطلب من الشّركات الاستثماريّة الكبرى – شركات التعدين والنفط والغابات والعقارات والأغذيّة – أن توقف تدمير الغابات والأراضي الرطبة والجبال، وأن توقف تلويث الأنهار والبحار، وأن توقف تسميم الشّعوب والغذاء" [5].

لا يمكن ألّا نعترف بوجود "دَينٍ إيكولوجيّ" (رسالة عامة بابويّة، كُنْ مُسَبَّحًا، 51) على الدول الغنيّة في اقتصادها، التي سبّبت التلوث أكثر من غيرها في القرنَين الماضيَين. هذا الدَين الإيكولوجيّ يتطلّب منها أن تتخذ المزيد من الخطوات الطّموحة في كلّ من القمتَين COP27 و COP15. وهذا يشمل، بالإضافة إلى الإجراءات الحازمة داخل حدودها، الوفاء بوعودها بتقديم الدّعم المالي والفنيّ للدول الأكثر فقرًا اقتصاديًا، التي بدأت تتحمّل العبء الأكبر من أزمة المناخ. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي النظر على وجه السّرعة في المزيد من الدّعم الماليّ لحفظ التنوّع البيولوجيّ. حتى البلدان الأقل ثراءً اقتصاديًّا لديها مسؤوليات كبيرة ولو ”متفاوتة“ (راجع المرجع نفسه، 52). تقاعس الآخرين لا يمكن أن يكون سببًا لتقاعسنا عن العمل. يجب علينا جميعًا أن نقوم بعمل حاسم. نحن على وشك أن نصل إلى ”نقطة انهيار“ (راجع المرجع نفسه، 61).

خلال زمن الخليقة هذا، لنصلِّ من أجل أن توحّد القمتَان COP27 و COP15 الأسرّة البشريّة (راجع المرجع نفسه، 13) لمواجهة الأزمة المزدوجة، أزمة المناخ وأزمة تقليص التنوّع البيولوجيّ. لنتذكّر نصيحة القدّيس بولس بأن نفرح مع الفرحين ونبكي مع الباكين (راجع رومة 12، 15)، لنبكِ مع صرخة الخليقة المريرة، ولنصغِ إليها ولنستجِب بالأفعال، حتى نتمكّن نحن والأجيال القادمة من أن نفرح بنشيد الحياة العذب وبأمل المخلوقات.

صَدَرَت في روما، في بازيليكا القدّيس يوحنا في اللاتران، يوم 16 تموز/يوليو 2022، في تذكار الطوباويّة مريم العذراء سيّدة جبل الكرمل.