الإحتفال بعيد مار الياس في دير النبي ايليا في القدس

بقلم: موقع البطريركية الأرثوذكسية - نشرت بتاريخ: August 03 Mon, 2020

إحتفلت البطريركية الأرثوذكسية في القدس، الأحد ٢ آب ٢٠٢٠، بعيد النبي ايليا - مار الياس - واقيمت خدمة القداس الإلهي بهذه المناسبة في دير النبي ايليا الواقع على الطريق ما بين القدس وبيت لحم.

ترأس خدمة صلاة غروب العيد سيادة رئيس أساقفة نهر الأردن ثيوفيلكتوس، فيما ترأس خدمة القداس الإلهي الإحتفالي صباح يوم العيد غبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث، يشاركة في الخدمة سيادة رئيس أٍساقفة قسطنطيني اريستارخوس السكرتير العام للبطريركية، سيادة رئيس أساقفة جبل طابور ميثوذيوس، سيادة متروبوليت إلينوبوليس يواكيم، وعدد محدد من الكهنة وأباء أخوية القبر المقدس، وبحضور فقط عشرين مصليا وفقا لتعليمات الوقاية من جائحة كوفيد ١٩. ورتل سيادة رئيس أساقفة مادبا اريسطوفولوس باللغة اليونانية وجوقة كنيسة القديس يعقوب أخو الرب باللغة العربية.

أما رواية الانجيل عن موقع الكنيسة: 

هذه الكنيسة القديمة مبنية في المكان الذي هرب إليه النبي إيليا من وجه الملك آخاب وزوجته إيزابيل اللذان أرادا ان يقتلانه بعدما سمع الله صلاته وتحدى ايليا انباء البعل وانزل ناراً من السماء واكلت ذبيحة التقدمة التي قدمها على جبل الكرمل.

"وأخبر أخآب وإيزابل بكل ما عمل إيليا، وكيف أنه قتل جميع الأنبياء بالسيف فأرسلت إيزابل رسولا إلى إيليا تقول: هكذا تفعل الآلهة وهكذا تزيد، إن لم أجعل نفسك كنفس واحد منهم في نحو هذا الوقت غدا فلما رأى ذلك قام ومضى لأجل نفسه، وأتى إلى بئر سبع التي ليهوذا وترك غلامه هناك

ثم سار في البرية مسيرة يوم، حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه، وقال: قد كفى الآن يارب. خذ نفسي لأنني لست خيرا من آبائي واضطجع ونام تحت الرتمة. وإذا بملاك قد مسه وقال: قم وكل فتطلع وإذا كعكة رضف وكوز ماء عند رأسه، فأكل وشرب ثم رجع فاضطجع ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل، لأن المسافة كثيرة عليك. فقام وأكل وشرب، وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب .ودخل هناك المغارة وبات فيها. وكان كلام الرب إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليا"  (سفر الملوك الاول الاصحاح التاسع عشر)

 

أما كلمة صاحب الغبطة بطريرك القدس، كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث:

يصدح مرنم الكنيسة قائلاً: لقد أصبح التسبيُّ معايناً لله. فأبصر مع موسى ما لم ترَهُ عينٌ ولم تسمع بهِ أذنٌ. ولا خطر على قلب أحدٍ من بني البشر الأرضيّين. فإنه أبصر على جبل طابور الرب الضابط الكل المتجسّد.

أيها الإخوة المحبوبون في المسيح،

أيها المسيحيون الأتقياء،

إن الذكرى الإلهية الموقرة للقديس المجيد النبي إيليا التسبي قد جمعتنا اليوم في هذه الكنيسة المقدسة التي تحمل اسم النبي إيليا، لكي نسبح داؤودياً ونكرمَ بشكرٍ تذكار عيده المقدس.

إن وجود القديس النبي إيليا ورسالته النبوية الفاعلة كانت في حقبةٍ زمنيةٍ حرجةٍ وصعبةٍ للغاية، فشعب الله الذي استلم الناموس الموسوي على جبل سيناء، ابتعد عن الإيمان السليم والصحيح وابتعد عن عبادة وديانة التوحيد الأخلاقي الُمعلَنِ عنها وسار في ضلالة الأوثان مع مجموعة من المعتقدات المختلفة.

ويصف بدقة القديس يوحنا الذهبي الفم الصورة المظلمة القاحلة لتحول وانحراف شعب العهد القديم عن طريق المعرفة الإلهية الحقيقية وخروجهم عن العبادة الطاهرة، إذ يقول: قد كان ليلٌ وظلمة في المسكونة كلها وغيمة كثيفة غطت جميع المسكونة، لأن الجميع قد سار في الشر والمسكونةُ كلها غارقة ولكن ليس في الماء بل في الخطيئة والشهوة.

إن إيليا المتأله قد لُقِبَ بحقٍ “الغيور” كما يشهد بالحقيقة القديس الذهبي الفم عنه أنه قد سَكِرَ فعلاً بالغيرة. فقد اكتسب النبي إيليا غيرته العظيمة لله لأنه كان سامعاً من جهةٍ لوصية الله أنّ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تثنية ٦:٥)، ومن جهةٍ أخرى لأنهُ مصغياً للأقوال الداؤودية يَا رَبُّ، مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟ مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟ السَّالِكُ بِالْكَمَالِ، وَالْعَامِلُ الْحَقَّ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِالصِّدْقِ فِي قَلْبِهِ.الَّذِي لاَ يَشِي بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَصْنَعُ شَرًّا بِصَاحِبِهِ، وَلاَ يَحْمِلُ تَعْيِيرًا عَلَى قَرِيبِهِ. (مزمور ١٤: ١-٣).

إن الطاعة الذاتية وغير المشروطة لإيليا المتأله اللب لإرادة الله قد أوضحتهُ “رجل الله”، لهذا فقد خُصصَ له رسالةً إلهية لإيقاظ الناس وحثهم على التوبة وعودتهم لقادتهم الدينية السياسية.

إن هذه الرسالة النبوية “رسالة التوبة واليقظة” هي نشاط إيليا النبي الغيور والتي كانت تهدف للحفاظ على قسم الله لإبراهيم وللموعد والعهد الذي قسمه الله لآبائنا (أعمال ٣: ٢٥). وبمعنى آخر إن رسالة إيليا التسبي كانت تهدف الى تذكير الِوَرَثَةِ بالْمَوْعِدِ وعَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَاء “الله”(عب ٦: ١٧). ومن الواجب أن يعرف أن ورثة الموعد هما كلا شعبي العهدين القديم والجديد بحسب القديس بولس الرسول إذ يقول فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ (غلا ٣: ٢٩). وبحسب تفسير زيغافينوس لما سبق: أننا نحنُ نعتقد أن وارثي الموعد أو بالأحرى بحسب الظاهر هو شعب العهد القديم ولكن عقلياً وذهنياً هو الشعب الجديد وذلك لأن زرع إبراهيم الطبيعي الذي من نسله هو شعب العهد القديم وأما النسل الروحي الذي بحسب الإيمان هو شعب العهد الجديد الذي يشبهُ إبراهيم بإيمانهِ.

وقد أصبح من الواضح أن شخصية إيليا البارزة والنبوية أي نشاطه وكرازته سببها العمل والثاوريا أي العمل والفعل وما يشهد عليه في العهد القديم ولا سيما العهد الجديد. وأما في العهد الجديد فإن إيليا التسبي يظهر مع النبي موسى في حدث تجلي مخلصنا المسيح على جبل ثابور، إذ قد كان شاهداً ومتحدثاً مع المسيح وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. (متى ١٧: ٣) وغير ذلك فقد ذكر القديس يعقوب أخو الرب مشيراً عن قوة صلاة الأبرار إلى الله والدالة التي لهم، فقال عن إيليا النبي كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. (يعقوب ٥: ١٧)

وأما في العهد القديم فإن إيليا النبي يظهر إناءً مختاراً لله مساوياً لرسول الأمم بولس، إذ أن فعل وقوة إيمانه وغيرته المتقدة وأعماله العجائبية يصفها بدقة في كاتب سفر سيراخ المقدس وَقَامَ إِيلِيَّا النَّبِيُّ كَالنَّارِ، وَتَوَقَّدَ كَلاَمُهُ كَالْمِشْعَلِ. بَعَثَ عَلَيْهِمِ الْجُوعَ، وَبِغَيْرَتِهِ رَدَّهُمْ نَفَرًا قَلِيلًا. أَغْلَقَ السَّمَاءَ بِكَلاَمِ الرَّبِّ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا نَارًا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.مَا أَعْظَمَ مَجْدَكَ، يَا إِيلِيَّا، بِعَجَائِبِكَ، وَمَنْ لَهُ فَخْرٌ كَفَخْرِكَ؟ أَنْتَ الَّذِي أَقَمْتَ مَيْتًا مِنَ الْمَوْتِ وَمِنَ الْجَحِيمِ، بِكَلاَمِ الْعَلِيِّ. وَأَهْبَطْتَ الْمُلُوكَ إِلَى الْهَلاَكِ، وَالْمُفْتَخِرِينَ مِنْ أَسِرَّتِهِمْ. وَسَمِعْتَ فِي سِينَاءَ الْقَضَاءَ، وَفِي حُورِيبَ أَحْكَامَ الاِنْتِقَامِ. وَمَسَحْتَ مُلُوكًا لِلنِّقْمَةِ، وَأَنْبِياءَ خَلاَئِفَ لَكَ. وَخُطِفْتَ فِي عَاصِفَةٍ مِنَ النَّارِ، فِي مَرْكَبَةِ خَيْلٍ نَارِيَّةٍ. وَقَدِ اكْتَتَبَكَ الرَّبُّ لأَقْضِيَةٍ تُجْرَى فِي أَوْقَاتِهَا، وَلِتَسْكِينِ الْغَضَبِ قَبْلَ حِدَّتِهِ، وَرَدِّ قَلْبِ الأبِ إِلَى الاِبْنِ، وَإِصْلاَحِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، طوبى للذين عاينوك، وللذين رقدوا في المحبة، فإننا نحن أيضًا بالتأكيد سنحيا. (حكمة سيراخ ٤٨: ١-١١).

وفي المديح اللائق للقديس النبي إيليا التسبي من سيراخ المتأله اللب يعلق الأب يوئيل ياناكوبولوس على آخر فقرة من الدعاء فإننا نحن أيضًا بالتأكيد سنحيا فيقول علينا أن نُدرِكَ نحنُ أن الذين سيرقدون رقاد الأبرار في آخر الأيام، سيكونون متهيئين ومتحضرين بكرازة إيليا، لهذا فهم سيرقدون بسلام وسيقومون مباشرة في ذلك الزمن عند دينونة العالم وسيحيون إلى الأبد.

تعريب: قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي

مكتب السكرتارية العامة