الرسالة الراعوية لبطاركة الشرق الكاثوليك: مسيحيو الشرق اليوم، مخاوف وآمال

نشرت بتاريخ: August 03 Fri, 2018

الرسالة الراعوية لبطاركة الشرق الكاثوليك: مسيحيو الشرق اليوم، مخاوف وآمال متوفرة باللغات التالية:

مسيحيو الشرق اليوم، مخاوف وآمال

يَشتَدُّ عَلَينَا الضِّيقُ مِن كُلِّ جَانِبٍ وَلا نُسحَقُ، نَحَارُ وَلَا نَيأَسُ

(٢ قورنتس ٤:٨).

الرسالة الراعوية الحادية عشرة

عيد العنصرة

٢٠ أيار ٢٠١٨

المقدّمة

إلى الإخوة الأساقفة والكهنة والشمامسة الأعزاء، وإلى الرهبان والراهبات، وجميع المؤمنين الأحبّاء في بلداننا وبلاد الانتشار.

١عَلَيكُمُ النِّعمَةُ وَالسَّلاَمُ مِن لَدُنِ الله أَبِينَا، وَمِن لَدُنْ الرَبِّ يَسُوعَ المـَسِيحِ» (١ قورنتس ٣:١).

نوجِّه إليكم رسالتنا هذه في عيد العنصرة الذي يختتم الزمن الفصحيّ واحتفالنا بقيامة ربِّنا يسوع المسيح المجيدة وانتصاره على الموت وعلى كلّ شرّ.إنّنا بحاجة فعلًا لأن نتأمَّل في قيامة الربّ المجيدة وبحلول الروح القدس علينا ليملأنا بقوته، ولنجدِّد إيماننا، في هذا الزمن الذي غمرتنا فيه شرور الحرب والموت في المنطقة كلّها.

إنّنا نرى الكثير من بلداننا كلَّها تتعرَّض للدمار والموت، بسبب سياسات عالميّة، لها رؤيتها السّياسيّة والاقتصاديّة والإستراتيجيّة لخلق «شرق أوسط جديد».

كلُّنا، مسيحيّين ومسلمين، نُقتَل ونُهَجَّر، في العراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن.ولم يبق بلد عربيّ يعرف السلام أو الاستقرار.

يراهن الكثيرون اليوم على زوالنا أو على تقلُّص أعدادنا بصورة كبيرة.ولكنّنا نؤمن أنَّ الله سيّد التاريخ، وهو يرعانا ويرعى كنيسته في الشَّرق.إنّنا نؤمن بيسوع المسيح القائم من الموت والمنتصر على كلّ شرّ.وبناء على إيماننا هذا نقول:سوف يبقى في الشّرق مسيحيّون يحملون إنجيل ربِّنا يسوع المسيح، ويشهدون لقيامته المجيدة، ولو بقينا عددًا قليلاً، أي«مِلحًا ونُورًا وخَمِيرَة» (متى ١٣:٥ و١٤؛ ٣٣:١٣)، كما قال لنا السيّد المسيح.وقد سبق أيضًا وأنبأنا: «ستُعَانُونَ الشِّدَّةَ فِي العَالَمِ، وَلَكِن ثِقُوا إِنِّي قَد غَلَبْتُ العَالَم»،«فلا تَضطَرِبْ قُلُوبُكُم وَلا تَفزَعْ» (يوحنا ٣٣:١٦؛ ٢٧:١٤).

٢.أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، نوجِّه إليكم رسالتنا هذه، بعد انعقاد اجتماعنا السنويّ في المقرّ البطريركيّ في الديمان (لبنان)بين ٩ و١١ آب ٢٠١٧ في ضيافة أخينا البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الرّاعي.نوجِّه كلمتناإلى جميع مؤمنينا، وإلى بلداننا وجميع مواطنينا، مسيحيّين ومسلمين ودروزًا، وإلى حكوماتنا، وإلى أصحاب القرار السياسي في الغرب الذين يريدون أن يخلقوا في شرقنا شرقًا جديدًا، ويزعمون أنَّ قدراتهم المادّيّة والعسكريّة تجيز لهم التصرّف بمقدَّراتنا.

نودّ في هذه الرّسالة أن نوجِّه ثلاث كلمات:واحدة لمؤمني كنائسنا، وواحدة لمواطنينا وحكّام بلداننا، وواحدة لصانعي السّياسة في الغرب ولإسرائيل.

الفصل الأول

ماذا نقول لمؤمنينا؟

أيام صعبة

٣.نعلم أنّه من الصعب أن نوجِّه كلمة إلى مؤمنينا، في الموت الذي أصابهم، وفي تشريدهم وفي كلّ الآلام التي تحمَّلوها.أمام كلّ هذا، أبلغ كلمة هي الصمت.ونصمت أيضًا أمام سرّ الله وسرّ محبّته تعالى الذي لا ندركه، مع كلّ الشرور التي تغمرنا.

كلمتنا صمت وإجلال أمام معاناة مؤمنينا، ومعهم ومع صاحب المزامير نصلّي ونقول: «إلَى مَتَى، يَا رَبّ؟» (مزمور ٦:٤)،«تَطَلَّعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانظُرْ، وافتقِدْ هَذِهِ الكَرمَةَ، وَاحْمِ مَا غَرَسَتْ يَمِينُكَ» (مزمور ١٥:٨٠).

وبعد الصمت والسجود والتسليم لمشيئته تعالى، نحمده على كلّ شيء، فهو الساهر بعنايته الإلهيّة على كنيسته التي في الشّرق وعلى كلّ فرد مِنَّا، وعلى العالم كلّه.

في دمائنا، وفي الدمار المحيط بنا، وفي تشرّدنا، نتأمَّل في ما سبق وأنبأنا به السيّد المسيح.أنبأنا بالشدائد والاضطهادات، قال: «سَتَأتِي سَاعَةٌ يَظُنُّ فِيهَا كُلُّ مَن يَقتُلُكُم أنَّهُ يُؤَدِّي لله عِبَادَةً» (يوحنا ٢:١٦).وأيضًا: «سَيُسلِمُونَكُم إلَى المَجَالِسِ، وَيَجلِدُونَكُم فِي مَجَامِعِهِم، وَتُسَاقُونَ إلَى الحُكَّامِ وَالمُلُوكِ مِن أَجلِي» (متى ١٨:١٠).ولكنّه قال لنا أيضًا إنّ الروح سيكون معنا: «وَمَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ» (لوقا ١١:١٢١٢).

هذه حالنا، كما قال صاحب المزامير: «مِن أَجلِهِ نُمَاتُ طَوَالَ النَّهَارِ وَنُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبحِ» (مزمور ٢٣:٤٤؛ راجع أيضًا روما ٣٦:٨).وكما قال القديس بولس: «إنِّي أُوَاجِهُ المَوتَ كُلَّ يَومٍ» (١قورنتس ٣١:١٥).ولكن قال أيضًا: «يَشتَدُّ عَلَينَا الضِّيقُ مِن كُلِّ جَانِبٍ وَلا نُسحَقُ، نَحَارُ وَلا نَيأَسُ» (١قورنتس ٨:٤).بناء على هذا الكلام الإلهيّ، في الكتاب المقدَّس، نحدِّد مواقفنا البشريّة، في كنائسنا وفي بلداننا، ومع المزمور نقول: «آمَنْتُ، حَتَّى حِينَ قُلتُ:إنَّ بُؤسِي لَشَدِيدٌ» (مز ١٠:١١٦).

نؤمن، ونحن نعلم أنّ الإيمان صعب، بينما تغشانا ظلمات هذا العالم ومظالمه.نرى شقاء الأرض، نرى قسوة الناس، بعضهم على بعض وعلينا.نعيش في زمن موت واستشهاد.وننظر إلى صلاح الله، ونسأله تعالى القوّة لقبول نعمته.نسأله أن يرافقنا، سواء حضرت ساعة شهادة الدم، أم بقينا في بيوتنا وكنائسنا المهدَّمة، أم تشتَّتْنا في أنحاء العالم.نسأله القوّة لنبقى مؤمنين به، وبصلاحه.ومع الموت الذي نتعرَّض له، نؤمن أنّ الله ما زال يرسلنا في بلداننا أو في العالم، وفينا صلاح من صلاحه، وقوّة من قوّته، ومحبَّة من محبَّته للعالم كلّه.

الهجرة

٤.رأينا مؤمنينا في بعض بلداننا يُهجَّرون غصبًا عنهم، بسبب الظروف اللاإنسانيّة التي مرّوا بها.نشكر البلدان والكنائس والمنظَّمات الدوليّة التي استقبلتهم وقدَّمت لهم يد العون ووفَّرت لهم حياة إنسانيّة كريمة.ونؤكِّد للجميع، ولا سيّما للمسؤولين السياسيّين، أنّ أفضل مساعدة تُقدَّم لمؤمنينا هي أن يبقوا في بلدانهم، فلا تُثار فيها الفوضى والاضطرابات وأنواع العنف التي تضطرُّهم إلى الهجرة.

هاجر بعض مسيحيِّينا أيضًا من بعض البلدان الأخرى بالرغم من الاستقرار النسبيّ فيها، لتأثُّرِها بجوّ الحرب وعدم الاستقرار السياسيّ في المنطقة.لجميع أبنائنا نقول ونكرّر أهميّة الحضور المسيحيّ في الشّرق، وأهميّة بقاء كلّ واحد وواحدة منكم في بلدانكم حيث دعاكم الله وارسلكم.في الأيّام الصعبة، بلدانكم وكنائسكم بحاجة إليكم.ولهذا نوصيكم بمقاومة تجربة الرحيل بقدر ما تستطيعون، وبالاستمرار في حمل رسالتكم في بلدانكم وكنائسكم.فإنّ مستقبل كنائسنا، والحضور المسيحيّ عامّة في المنطقة متوقِّف، ولو جزئيًّا، على قراركم:هل ترحلون أم تقبلون مشيئة الله عليكم وتبقون حيث الله دعاكم؟

شهداؤنا

٥.من موتانا ومن شهدائنا، ومن قسوة الناس علينا، نتعلَّم أمرين:أوّلاً، نبقى رُسل حياة نمنحها لكلّ بلداننا ومجتمعاتنا.وثانيًا:الموت واقع، ولكن الحياة أيضًا واقع للمؤمن، وهي التي ستغلب في النهاية.الحياة الكاملة، «الحياة الوافرة» (يوحنا ١٠:١٠)التي جاء يسوع المسيح ليمنحنا إيّاها، وليجعلنا قادرين على أن نمنحها لغيرنا.ومن ثمَّ، بالرغم من كلّ الصعاب التي نحن فيها، تُقتَل أجسادنا وتَبقَى رسالتنا.نَبقَى حاملي رسالتنا في بلداننا وعلى طرق العالم.في بلداننا نسهم في بناء مجتمعاتنا، وعلى طرق العالم حيثما وصلنا نحمل إنجيل يسوع المسيح.

فلا نيأس ولا نهرب من عالم فيه قتلة.القتلة أنفسهم بحاجة إلى «الملح والنور»ليبصروا، ليخرجوا من عماهم إلى النور، من لا إنسانيَّتهم إلى إنسانيّتهم.لا نهرب من قتلة في مجتمعنا.ولا نهرب من قتلة في العالم.بل نعيدهم هم إلى الحياة، لأنَّهم بقتلهم لنا يقتلون أنفسهم.رسالة كنائسنا ورسالة كلّ مؤمن فيها اليوم رسالة صعبة، دامية.رسالتنا هي أن نعيد الحياة إلى أهل الموت، ونعيد صلاح الله إلى من حرم نفسه من صلاح الله، ونعيد البصر إلى من أفقد نفسه البصر فأصبح عاجزًا عن رؤية محبّة الله ومحبّة أبناء الله.

ماذا يقول لنا شهداؤنا؟

٦.يقولون كلمة حقّ لنا، نحن المسيحيّين، وهي أنّ الله أراد أن نقبل في هذا القرن الحادي والعشرين معموديّة الدم.

يقول لنا شهداؤنا أن نجدِّد محبَّتنا بعضنا لبعض، ولو بقيت الهيكليّات الخارجيّة التي تكوَّنت عبر العصور فاصلة بيننا، ولو بقيت الاختلافات في مفاهيمنا وتعابيرنا عن إيماننا الواحد بربِّنا يسوع المسيح.محبّة واحدة في كنائسنا، وكلمة واحدة من أجل الفقير والمظلوم ومن أجل السلام، والتزام واحد في مجتمعاتنا التي وضعنا الله فيها، وأرسلنا إليها لنسهم في بنائها، ولنبدأ فيها مرحلة جديدة من تاريخنا.إسهامنا في بناء مجتمعاتنا يقوم بأن نزيدها وعيًا لحضور الله فيها، وبأن نجعل فيها مزيدًا من المحبّة ومزيدًا من السلام.

من أجل يسوع المسيح بذل شهداؤنا دماءهم، ومن أجل كنائسنا وبلداننا.فللمسيح الواحد تسبِّح معًا كلّ كنائسنا، لمزيد من الوحدة بيننا، ولمزيد من الوحدة في مجتمعاتنا.واجب على كنائسنا بعد أن اغتسلت بدماء شهدائها أن تجدِّد نفسها لتصير مصدر حياة للجميع.

يقول لنا شهداؤنا أن نجدِّد صلاتنا، فتكون في الوقت نفسه عبادة لله ومحبّة للناس أجمعين، محبّة لأقرب الأقربين إلينا، وللبعيدين عنَّا، لكلّ جماعاتنا المؤمنة، ولكلّ مجتمعاتنا.فلا تبقى صلاتنا بين جدران كنائسنا فقط، بل تمتدّ لتشمل كامل علاقاتنا بعضنا ببعض وبكلّ مجتمعنا وبكلّ احتياجاته المادِّيّة والروحيّة.ولهذا يشمل التجدُّد أيضًا تقاليدنا وليتورجيّاتنا وممارساتنا لتصبح غذاء يوميًّا فاعلاً يبدِّل حياتنا اليوميّة ويمكِّننا من حمل رسالتنا.

يقول لنا شهداؤنا أن نحدث تجديدًا في كنائسنا، وفي مؤمنينا، وفي كهنتنا وأساقفتنا، وبطاركتنا.الطريق التي فُتِحَت بدماء شهدائنا طويلة وصعبة.ومع ذلك نسلكها ونسير فيها معهم، ناظرين إلى السماء، متذكّرين دعوتنا الحقيقيّة، كمسيحيّين وكأناس مخلوقين على صورة الله: «كُونُوا كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ هُوَ كَامِلٌ» (متى ٤٨:٥).وطريق الكمال أيضًا طريق صعب وطويل.لهذا، فيما نسير فيه، يقول لنا شهداؤنا أن نستعدَّ لشهادة الدم.

يقول شهداؤنا لمضطهديهم، ولكلّ قاتل قريب أو بعيد، وجهه مكشوف أو مقنَّع:من أجلكم أيضًا بذلنا حياتنا حتى تصبحوا قادرين على أن تروا الله وأبناء الله، حتى تروا الله في كلّ إنسان، سواء أكان من دينكم أم من غير دينكم.افتحوا عيونكم وقلوبكم للحياة.استعيدوا حرّيّتكم ولا تَظَلّوا قتَلة وضحايا في الوقت نفسه، مضطهِدين لإخوتكم وضحايا لشرٍّ ولعبوديّة فيكم.

دم الشهداء يبشِّر بحياة جديدة، بولادة جديدة للإنسان العربيّ المسيحيّ والمسلم والدرزيّ.لمجد الله بذلوا حياتهم، ونعمةً وبركةً لكنائسهم ومجتمعاتهم العربيّة.قد يقلَّ عدد المسيحيّين فيها، ولكنّ دم الشهداء هو بذار حياة ونعمة.يقلّ العدد وتفيض النعمة.

في وسط الصعاب والموت، نذكِّر أنفسنا بصلاح الله ورحمته، ونذكّر كلّ إنسان حتى قاتلينا بأنّهم، بالرغم من شرِّهم، فيهم هم أيضًا صلاح من صلاح الله، وهم أيضًا قادرون على المحبّة.لم يخلق الله الإنسان للموت يغذِّيه في نفسه ويفرضه على غيره، بل خلقه ليكون أخًا لأخيه، أيًّا كان الأخ وعلى أيِّ دين كان، لأنَّه على صورته خلقه، قادرًا، على مثال خالقه، على الحياة والمحبّة.

الفصل الثاني

ماذا نقول لمواطنينا ولحكامنا؟

واقعنا

٧.واقعنا بالإيجاز هو، من جهة، ازدهار وغنى وأبنية شاهقة وشبه سلام، هو خير كثير ودِين كثير وعلم كثير ومال وفير.وهو من جهة أخرى، فقر كثير، ففي بعض بلداننا كثيرون بلا مأوى.وفي الدين، في الكثير من طُرُق تربيتنا الدينيّة تربة خصبة للتطرُّف أو الانغلاق الطائفيّ.وبعض بلداننا في حالة حرب أو فِتَن في النفوس وعلى الأرض.وفي بعض أنظمتنا الحاكمة خوف من التعامل مع حرّيّة المواطنين.أوطاننا في مسيرة لم تبلغ بعد استقرارها.وفي الوقت نفسه فُرِضَت عليها الحروب من الداخل والخارج.والمستقبل أمامنا مجهول.

القيادات السياسيّة

٨.نشكر لقياداتنا ما تقوم به من جهود في حكم البلاد والناس.ولكنّنا نقول أيضًا، بناءً على ما ذكرناه، إنّ الطريق أمامنا ما زال طويلاً حتى نصل إلى تحقيق «المدينة الفاضلة».ما زال فينا فقر وفساد وتقييد حرّيّات وطائفيّة وحروب.كلّ ذلك، يجب ألاّ يكون.

نعلم أنّ كلّ هذه أمور معقَّدة، ولكن مهما كان الوضع معقَّدًا، الشرّ والفساد يجب أن يزولا.وفي مقدورنا أن نزيلهما.الحكم خدمة للجماعة وتنظيم لحياتها، وتمكين كلّ مواطن من أن يعيش إنسانًا بكامل كرامته في حياته المادّيّة والروحيّة، وبكامل حرّيّته.وكلّ هذا نحن قادرون عليه، ولو كان الكثير منه غيرَ محقَّق بعد.

التجرّد والخير العام

٩.الحاكم الصالح هو حاكم زاهد وخادم يسعى لصالح الفرد والجماعة.قال بولس الرسول: «أنَا لا أَطلُبُ مَا لِنَفسِي بَل مَا هُوَ لِمَصلَحَةِ الكَثِيرِينَ» (راجع ١قورنتس ٣٣:١٠).هذا كلام لبولس الرسول يُتلَى على المؤمنين المقتدين بالله.ولكنّه أيضًا كلام من الضروريّ أن يسمعه الحكّام ويعملوا به.من الضروريّ أن لا يطلب الحاكم ما لنفسه بل ما للناس الذين كلَّفوه بحكمهم وخدمتهم.لأنّ السلطة خدمة وبناء للجماعة.

نقول لحكّامنا:اسمعوا صوت الفقراء.لأنّ الحاكم الصالح هو الذي يسعى فيجتثُّ الفقر، وفي المجتمع مال وعلم ودراية.الفقر، في مجتمع تَوفَّر فيه المال لدى الكثيرين، هو نتيجة إهمال أو عجز في الحكم.الفقر نتيجة إنسان لا يرى أخاه الإنسان، ونتيجة لحاكم ينظر لما هو لنفسه، لا لما هو للجماعة.

المال متوفِّر والعلم متوفِّر، فما الذي يُبقِي الفقر بيننا؟ لعلَّ «الإنسان»فينا هو الغائب، أم الأنانيّة هي الغالبة، وهي التي تمنع أصحاب المال أو القادة السياسيّين من الخروج من ذاتهم والاهتمام بالآخر؟

أم لعلّ الدين على كثرته هو الغائب؟ في الشّرق الجميع، المسيحيّون والمسلمون والدروز، مؤمنون، أ?