القديس أغسطينوس أسقف هيبو، أحد آباء وملافنة الكنيسة

بقلم: ساهر قواس/ مكتب إعلام البطريركية اللاتينية - نشرت بتاريخ: August 28 Fri, 2020

القديس أغسطينوس أسقف هيبو، أحد آباء وملافنة الكنيسة متوفرة باللغات التالية:

وُلد القديس أغسطينوس في عام ٣٥٤م لأبٍ وثني يُدعى باتريتيوس وأم مسيحية تُدعى مونيكا، وهي القديسة التي تحتفل الكنيسة بعيدها قبل يوم من عيد ابنها. وقد ولد القديس في مدينة طاغاست، التي كانت تقع في إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية في شمال أفريقيا، والتي تُعرف اليوم باسم سوق أهراس في الجزائر. عندما بلغ السادسة عشرة من عمره، ذهب أغسطينوس إلى مدينة قرطاج الرومانية (في تونس اليوم) ليدرس القانون وعلم البيان والفلسفة.

 مسيرة اهتداء القديس أغسطينوس وفقًا للبابا بندكتوس السادس عشر

على الرغم من أن أغسطينوس كان قد تلقى تعليمًا مسيحيًا بفضل أمه، إلا أنه انتسب إلى المانوية أو المنانية، وهي ديانة تأسست في بلاد فارس في القرن الثالث الميلادي وكانت ترتكز على مبدأ الخير والشر. غير أن اهتدائه لم يبدأ إلا في آواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من عمره وذلك عند وصوله إلى مدينة ميلان ولقائه أسقفها. يقول البابا بندكتوس السادس عشر إن مسيرة اهتداء القديس الأفريقي لم تَنتهِ بمعموديته، بل "استمرت حتى آخر يوم في حياته".

وَصف البابا بندكتوس السادس عشر، في واحدة من المقابلات العامة الخمسة التي خصّصها للقديس، ٣ مراحل أو خطوات في مسيرة اهتداء أغسطينوس. تمثّلت الأولى في "تَقرّبه التَدريجي للمَسيحية" ورغبته في معرفة المسيح. وقد تحقق هذا الأمر عندما وصف القديس في كتابه "الاعترافات"، صوتًا قال له: "خُذ واقرأ" (tolle, lege) الأمر الذي جعله يقرأ مقطعًا من رسالة القديس بولس إلى أهل رومة (رومة ١٣: ١٣- ١٤)، يحثّ فيه بولس الناس على أن "يَلبَسوا الرَّبَّ يسوعَ المسيح، ولا يُشغَلوا بِالجَسَدِ لِقَضاءِ شَهَواتِه".

أما الخطوة الثانية فقد جرت حينما عاد القديس إلى مدينة هيبو وقام بتأسيس جماعته هناك. وقد أدرك حينما أصبح أسقفًا للمدينة أن العيش من أجل المسيح ومع المسيح، الذي هو الحق، يستوجب العيش من أجل الآخرين ووضع معرفته وإيمانه بين أيديهم.

أما الخطوة الثالثة في مسيرة اهتدائه، فكانت في إدراكه لتواضعه وأن الإنسان ما هو إلا خاطئ يحتاج باستمرار إلى أن يُغسل بالمسيح.

نال القديس أغسطينوس، في عشية الفصح عام ٣٨٧م، سر العمّاد على يدي القديس أمبروسيوس، أسقف ميلان وأحد آباء الكنيسة. أطلقت الكنيسة الكاثوليكية، في وقت لاحق، لقب أب ومِلفان الكنيسة على القديس أغسطينوس إلى جانب القديس أمبروسيوس والقديس إيرونيموس والقديس غريغوريوس الكبير (غريغوريوس الأول).

القديس أغسطينوس، أب ومِلفان الكنيسة

يوجد تباين في تعريف كلمتي أب ومِلفان الكنيسة، إلا أننا نجد تداخلًا بينهما.

يتصف آباء الكنيسة بقدم العهد، واستقامة العقيدة، وقداسة السيرة، وتمتعهم بمصداقية الكنيسة. هؤلاء كانوا قد عاشوا زمن الكنيسة الأولى حتى القرن الثامن، وقاموا بالدفاع وتطوير العقائد والتعاليم المسيحية.

أما مِلفان الكنيسة (مِلفان لفظة سريانية تعني المُعلّم)، فهي كلمة تُطلق على القديسين والقديسات الذين يعززون ويساهمون ويدافعون عن معرفة الكنيسة بالله والإيمان، ويتصفون بسعة الإطلاع ودرجة عالية من القداسة ويتم اختيارهم من البابا. غير أن هؤلاء لا ينتمون إلى حقبة محددة إذ لا تزال الكنيسة اليوم تمنحهم هذا اللقب.

 يُذكر أن القديسين أمبروسيوس وأغسطينوس وإيرونيموس وغريغوريوس الكبير كانوا قد مُنحوا لقب آباء وملافنة الكنيسة في عام ١٢٩٨م.

بازيليكا القديس أغسطينوس في مدينة عنابة الجزائرية

استمرت عملية بناء بازيليكا القديس أغسطينوس من عام ١٨٨١م حتى عام ١٩٠٠م. وتقع البازيليكا على قمة هضبة تطل على آثار بازيليكا السلام التي بناها أغسطينوس حيث كان يُلقي فيها عظاته وأسس فيها جماعته. وفي عام ٢٠١٣، أُعيد تكريس الكنيسة بعد أعمال ترميم استمرت ٣ سنوات وتم الاحتفال بالذكرى المئوية لتدشينها والذي جرى في ٢٤ نيسان ١٩١٤م. في عام ٢٠١٢م، قدّم البابا بنديكتوس السادس عشر مساهمة شخصية لدعم أعمال الترميم.

يُقال أن ذخائر القديس أغسطينوس كانت قد نُقلت من الجزائر إلى سردينيا ثم إلى باڤيا في بازيليكا القديس بطرس في السماء المذهّبة في عام ٧٢٠م، حيث يوجد قبره حاليًا. في عام ١٨٤٢م، تم إرجاع قسم من يده اليمنى إلى مدينة عنابة خلال رحلة حج وهي الآن محفوظة في البازيليكا.

الحج في خطى القديس أغسطينوس في الجزائر وإيطاليا

 تعد الجزائر موطن العديد من وجهات الحج المسيحي في خطى القديسين الذين عاشوا فيها، مثل القديس شارل دو فوكو والقديس أغسطينوس. يستطيع الحاج المسيحي في زيارته للجزائر أن يقصد هذه المعالم الأغسطينية في سوق أهراس حيث وُلد القديس، أو مدينة مداوروش حيث تلقى تعليمه المدرسي، أو زيارة بازيليكا القديس أغسطينوس وكنيسة السلام المجاورة لها في مدينة عنابة.

في عام ٢٠١٠م، قامت مجموعة من المسيحيين والمسلمين الذين اعتنقوا الديانة المسيحية من الجزائر والمغرب وفرنسا بالانطلاق في رحلة حج في خطى القديس أغسطينوس إلى مدينة ميلان حيث عُمّد، وإلى مدينة باڤيا حيث تُحفظ ذخائره. وقد وُلدت فكرة هذا الحج في وقت رغبت فيه هذه المجموعة تعلّم المزيد حول الشخصيات المسيحية في القرون الأولى والذين كانوا ينحدرون من بلادهم في المغرب الكبير، أمثال القديس أغسطينوس والقديس قبريانوس القرطاجي وترتليانوس.

القديس أغسطينوس في الفنون

شملت أعمال العديد من فناني عصر النهضة، أمثال رافائيل وساندرو بوتّيتشلّي وفيليبو ليبّي وغيرهم، على لوحات زيتية وجدارية (فريسكو) ومنحوتات للقديس أغسطينوس. يمكن التعرف عليه في بعضها من خلال ثيابه وتاجه وعصاه الأسقفي إذ يحمل أحيانًا قلبًا مشتعلًا أو قلبًا يخترقه سهم. كما يظهر في غيرها مع العذراء مريم والطفل يسوع، ومع آباء الكنيسة الآخرين أو بمفرده في مكتبه. هذا وتشمل بعض اللوحات على الثالوث الأقدس، وهو موضوع كتب عنه أغسطينوس بإسهاب في سياق عمله.

جماعة الأغسطينيون للانتقال في القدس

أسس رهبان جماعة الأغسطينيون للانتقال فرعًا جديدًا لهم في القدس، وذلك بعد رحلة الحج التي قاموا بها إلى الأرض المقدسة في عام ١٨٨٢م. اليوم، يقوم الرهبان بإدارة كنيسة ومزار صياح الديك بمساعدة الراهبات الأغسطينيات للانتقال، بالإضافة إلى عملهم في المجال التعليمي والاجتماعي والرسولي وخاصة من خلال الحج.

أما بالنسبة لحياتهم الروحية، فتعيش هذه الجماعة الرهبانية وفقًا لقانون القديس أغسطينوس. يشير الأب سيزار أندريه، رئيس الجماعة وأمين صندوقها، أن الرهبان والراهبات يعيشون أولًا في حياة جماعية، وأن عملهم الأول يتمثّل في توجّه الجميع نحو الله. كما ويعتقد أن هذا القانون يعمل على تغيير المرء من داخله. ويضيف الاب سيزار أن التأمل الداخلي الذي يقوم به الرهبان والراهبات يساعدهم على فهم أنفسهم بطريقة أفضل والعثور على "آثار" الله فيهم.