حج قداسة البابا فرنسيس إلى العراق: مسيرة، رسالة وأفق

بقلم: الأب مجدي أسامة هاشول، خادم رعيّة مار شربل عسفيا - نشرت بتاريخ: March 29 Mon, 2021

الزّيارة – دوافع ورسالة:

١. مسيرة حجّ

إنطلق بابا الكنيسة الكاثوليكيّة، من مطار فيوميتشينو (Fiumicino) في روما، إيطاليا، في ٥ آذار ٢٠٢١، على متن الطّائرة ليذهب كما قال "حاجًّا تائبًا إلى أرض إبراهيم"، أب الآباء، وأب المؤمنين، المنحدر من مدينة أور العريقة، في العراق، في بلاد الرّافدين، مهد الحضارات البشريّة. وأبونا إبراهيم، كما يرد بسفر التّكوين، كان اسمه أوّلًا أبرام، ثمّ غيّر له الرّب اسمه لاحقًا ليصبح إبراهيم لأنّه أعطاه أن يكون "أبا لشعوب كثيرة" كما يردّ بالعبريّة "וְלֹא יִקָּרֵא עוֹד אֶת שִׁמְךָ אַבְרָם וְהָיָה שִׁמְךָ אַבְרָהָם כִּי אַב הֲמוֹן גּוֹיִם נְתַתִּיךָ" (تك ١٧: ٥)، إذ في الكتاب المقدّس، تغييرُ الاسم هو دلالة لرسالةٍ جديدةٍ، فلم يعد مُجرّد "أبرام الأوري"،  بل باتَ الأبُ الّذي سيجمع تحت كنفه شعوبًا كثيرةً، الأب، خليل الله، الّذي من اختباره الحيّ وأنساله، ستتدفّقُ الدّيانات الابراهيميّة الموحّدة الّتي تسمّت باسمه، والّتي تجد بمسيرته المميّزة هدًى لحياة الإيمان، حياة الإنسان الّذي يعرف كيف يتجرّد من كلّ شيء، ويترك كلّ شيء، ليسير على هُدى الإلهامات الإلهيّة، بعيدًا عن "أصنام" العالم الّتي تُغري الإنسان لتستعبده وتزجّه في أسرِ الموت والدّمار، ليلتقي الإله الحيّ، ولا يفقد الرجاءَ أبدًا ( رم٤: ١٨).

٢. مسيرة شفاء ورجاء:

قال البابا فرنسيس أنّه كان يرغب في لقاء شعب العراق الذي قد عانى كثيرًا، أن يلتقي بالكنيسة الشّهيدة في أرض إبراهيم، وأن يخطو خطوةً إضافيّةً للأمام مع قادةٍ دينيين آخرين نحو الأخوَّة بين المؤمنين. أراد البابا أن يرافق الشّعب ككلّ، كضيف سلام ورسول محبّة، وبوجه خاصّ اليزيديّين والمسيحيّين الّذين عانوا بوجه أشدّ من الحركات المتطرّفة، الّتي تسبّبت لهم بالموت والتّهجير. فبعد أن كان المسيحيّون يعدّون نحو مليونين ونصف نسمة، باتوا نحو ٤٠٠ ألف نسمة فقط! قال قداسته بضعة أيّام قبل وصوله لأرض إبراهيم والأنبياء "وأخيرًا سوفَ أكونُ بينَكُم في غضونِ أيّامٍ قليلة! إنّي أتوقُ لمُقابَلَتِكُم ورؤيةِ وجوهِكم وزيارةِ أرضِكم، مهدِ الحضارةِ العريقِ والمُذهِل. إنّي أُوَافيكُم حاجًّا تائِبًا لكي ألتَمِسَ من الربِّ المغفرةَ والمصالحةَ بعد سنينِ الحربِ والإرهاب، ولأسألَ اللهَ عزاءَ القلوبِ وشفاءَ الجراح. أُوَافيكُم حاجًّا يُشَوِّقُني السّلامُ لأكرّر: "أنتم جميعًا إخوة" (متى ٢٣: ٨). أجَل، أُوَافيكُم حاجًّا يُشَوِّقُني السّلامُ، وأسعَى خلفَ الأُخُوَّة، وتدفَعُني الرغبةُ في أن نصلّي معًا ونسيرَ معًا ومعَ الإخْوَةِ والأخواتِ من التقاليدِ الدينيّةِ الأخرى أيضًا، تحتَ رايَةِ أبينا إبراهيم، الذي يَجمعُ في عائلةٍ واحدةٍ المسلمينَ واليهودَ والمسيحيّين" وبكلمات كثيرة سبق وبثّ روح التّشجيع والتّعزية، من أبلغها ما قاله "لا تزالُ في أعيُنِكُم صوَرُ البيوتِ المُدَمَّرَةِ والكنائسِ المُدَنّسَةِ، وفي قلوبِكم جراحُ فِراقِ الأحِبَّةِ وهَجرِ البيوت. أودُّ أن أحمِلَ لكُم عناقَ الكنيسةِ بأسرِها المُفعَمِ بالحنان، الكنيسة التي هي قريبةٌ منكم ومن الشرقِ الأوسط المتألّم، وأن أشجّعَكُم على المضيِّ قدمًا. لا نَسمَحَنَّ للمعاناةِ الفظيعةِ التي عشتموها والتي تؤلمني كثيرًا، بأن تنتصر. لا نَستَسلِمَنَّ في وجهِ انتشارِ الشرِّ"

٣. نداءات الشّعب:

كشف قداسته أثناء عودته من العراق، حوافز أخرى ألهمته القدوم إليها: قال أنّه استَقبل دعواتٍ دبلوماسيّةً سابقةً، لكنّ ممّا أشعل قلبه في الأعماق هو كتاب "الفتاة الأخيرة" بقلم نادية مراد، الشّابّة اليزيديّة الّتي أتت لتخبر البابا بخبرتها الفظيعة في الأسر، ومواجهتها لنظيم داعش. هذا الكتاب الّذي فازت بسببه بجائزة نوبل للسلام عام ٢٠١٨، والّذي فاز بسببه بالنّهاية بلد العراق بحجّ البابا فرنسيس إليه!  قال البابا لقد تطلّب هذا القرار منه الكثير الكثير من الصّلوات والتّأمّل، حتّى بات يشعر بهذا النّداء من الأعماق فاتّخذ القرار!

الزّيارة - تحدّيّات:

لقد واجه قداسة البابا فرنسيس بشجاعة وبسالة، تحدّيّات كثيرة ليُحقّق هذه الزّيارة، وكان العراق بأهله وناسه، كما قال، في قلبه وصلاته منذ سنين كثيرة. كانت هناك من جانب جائحة الكورونا، هذا الوباء المُعدي والخطر خصوصًا على البابا الذّي يبلغ٨٤ عامًا ونيف، وذا الكلوة الواحدة، في زيارة لا يُمكن فيها الحفظ التّامّ على المساحة من الجماهير الغفيرة وأصحاب الرّئاسات والسّيادات، خصوصًا من شخصٍ مرموقٍ بتواضعه وفقره وحبّه للآخر وسعيه للأخوّة الجامعة بكلّ نشاط وإخلاص، عدى عن صعوبة سيره على قدميه كما يجب كما شهدنا. من جانبٍ آخر، كانت مخاطر أمنيّة في بلدٍ ما زالت تعمل فيه حركات الظّلام المسلّحة بشتّى أنواع الأسلحة، ومنذ سنين طويلة، نالت بها من أبرياء كثيرين، خصوصًا من المسيحيّين واليزيديّين، دون أن تستثني أبناء الصّائبة المندائيّة والمسلمين بطوائفهم الشّيعيّة والسّنيّة، لتستخدم غلاف الدّين لأهداف القتل والدّمار. هكذا إنطلق البابا بزيارته الـ ٣٣ خارج ايطاليا، بعد مضي ١٥ شهرًا على زيارته الأخيرة، فائلًا: "إنّ الشعب العراقي ينتظرنا، وكان ينتظر القديس يوحنا بولس الثاني الذي مُنع من التوجه إلى هناك (عام ٢٠٠٠).. لا يمكن خذل شعب لمرة ثانية، فلنُصلِّ كي تتم هذه الزيارة بشكل جيد" علّق بدوره شيخ الأزهر على هذا الحجّ قائلًا: "زيارة أخي البابا فرنسيس التاريخية والشجاعة للعراق العزيز تحمل رسالة سلام وتضامن ودعم لكل الشعب العراقي"، ودعا له بالتوفيق، راجيًا أن تحقق هذه الرحلة الثمار المأمولة على طريق الأخوة الإنسانية.

الزّيارة – برنامج ومحطّات رئيسيّة:

نظّم قداسة البابا فرنسيس زيارته لأرض العراق المباركة، في أربعة أيّام، من ٥ – ٨ آذار، لتشمل زيارات لمراكز، كنائس، مناطق وشخصيّات متعدّدة، على الصّعيد المدني والرّوحي، بدءً من العاصمة بغداد، يوم الجمعة، بمطارها وقاعتها الرّئاسيّة وقصرها الرّئاسي والمقرّ الجمهوري الرّئاسيّ، وترحيبات رئيس الوزراء ورئيس الجمهوريّة، إلى  كاتدرائيّة "سيّدة النّجاة" السّريانيّة الكاثوليكيّة وترحيبات البطاركة، لينتهي بذلك اليوم الأوّل، فيواصل قداسته في صباح السّبت بزيارة مدينة النّجف، ولقاء آية الله العظمى السّيّد علي السّيستاني، أعلى مرجعيّة شيعيّة في العراق، وثمّ إلى زيارة للنّاصريّة ومدينة أور، مسقط رأس أبينا ابراهيم، حيث يقوم بلقاءٍ تاريخيٍّ بين المراجعِ الدّينيّةِ المتعدّدة، ويعود للاحتفال بكاتدرائيّة مار يوسف الكلدانيّة الكاثوليكيّة في بغداد. ثمّ صباح الأحد،٧ أذار، ينطلق لمدينة أربيل، في إقليم الشّمال، كردستان العراق،  بمطارها وقاعتها الرّئاسيّة وترحيبات رئيس الاقليم ورئيس حكومة الاقليم ونائبه، ويواصل لمدينة الموصل، ومركز حوش البيعة، فقرة قوش، في كنيسة الطّاهرة، ليعود مجدّدا لأربيل ويقيم بها القدّاس الإلهي الكبير، ومن ثمّ يعود لبغداد مساءً ليختم زيارته يوم الاثنين، ٨ آذار، بعد احتفال الوداع ويعود بأدراجه إلى روما فالفاتيكان.

الزّيارة اليوم الأوّل ٥ آذار

·  الوصول إلى العراق  والاستقبال المهيب – ٥ آذار:

وصل بابا الكنيسة الكاثوليكيّة، خليفة بطرس الرّسول، ورئيس دولة الفاتيكان، إلى مطار بغداد الدّوليّ، ليستقبله دولة رئيس الوزراء في الصّالة الرّئاسيّة، ومن بعده فخامة رئيس الجمهوريّة في المقرّ الرّئاسي ببغداد، ومن بعده سائر السّلطات الحكوميّة والمدنيّة والدّبلوماسيّين، وقد شرّفوه باستقبالٍ مُهيبٍ جدًّا _وليس في بغداد وحسب_، فترى السُّجّاد الأحمر مفروشٌ على الأرض الّتي سوف تطأها قدماه، والشّعب بكافّة أطيافه يحيط بالمكان بصفوفٍ منتظمةٍ، كُلٌّ بلباسِه التّقليديّ، النّساء بفساتينهم وتيجانهم التّراثيّة الأنيقة، والرّجال منهم بالحطّة والعقال، ومنهم بالملابس العصريّة الحديثة، والفتيان بعضهم بأثواب موحّدة وقبّعات، وبعضهم بألوان متنوّعة تشهد لغنى حضارة وتاريخ بين النّهرين، والأساقفة والكهنة على طوائفهم، بزيّهم الكهنوتيّ الخاصّ، والشيوخ بعماماتهم، وترى علمَي الفاتيكان والعراق بيد الشّعب وعلى المباني والطّرقات، مع البالونات الملوّنة، والكاميرات المضيئة، وشوق الجميع لاختيار الحدث وتوثيقه، والبسمة على شفاه الجميع، الصّغير والكبير، وفي الخلفيّة بعضُ هتافاتٍ، تزيّنها زغرتاتُ السّيّدات، من تراثنا الشّرقيّ الحبيب، تتلو جميعها أنشودةً، تشهد لفرحة قلوبٍ تاقت لنظر السّماء!  تُتلى كلمات التّرحيب وتُقام الجلسات وينطلق البابا لكلمته!

·  خطاب البابا الأوّل في المقرّ الرّئاسيّ – ٥ آذار:

١. مهد الحضارة والدّيانات

افتتح البابا خطابه بالامتنان، إذ قد أُتيحت الفرصة له ليقوم بهذه الزّيارة لجمهوريّة العراق، إلى الأرض الّتي هي "مَهْدِ الحَضَارَة"، والمرتبطة بشدّة من خلال "أبِينا ابراهيم والعَدِيدِ مِن الأنْبِياء، بِتاريخِ الخَلاصِ والتَقَاليدِ الدِينِيَّةِ الكُبرى، اليَهودِيَّةِ والمَسِيحِيَّةِ والإسْلام"، ثم واصل مقتبسًا من كلمات وثيقة "الأخوّة الإنسانيّة" الشّهيرة، أنّ علينا جميعًا أن نسير معًا، كإخوةٍ وأخوات، في "القَناعَةِ الراسِخَةِ بأنَّ التَعاليمَ الصَّحيحَة لِلأدْيانِ تَدعُو إلى التَمَسُّكِ بِقِيَمِ السَّلام.. والتَعارُّفِ المُتَبادَل والأُخُوَّةِ الإنسانيَّة والعَيْشِ المُشْتَرَك" وأنّه "لا يَجُوزُ استِخْدامُ اسمِ اللهِ "لتَبْريرِ أَعْمالِ القَتْلِ والتَشْريدِ والإرْهابِ والبَطْش"

٢. جائحة كورونا وضحايا الهمجيّة

عبّر البابا عن تضامنه لما خلّفته وتخلّفه أزمة جائحة كورونا، على الصّعيد الصّحّي، الاجتماعي والاقتصادي، داعيًا لتوزيعٍ عادلٍ للّقاح، يشمل الجميع، ولإعادة النّظر في أنماط حياتنا، وفي معنى وجودنا، لنخرج من المحنة بشكل أفضلٍ ممّا كنّا عليه. لم يتوانى الحبر الأعظم من أن يذكر الأبرياء ضحايا "الهمجيّة المتهوّرة" الّذين تعرّضوا للاضطهادِ والقتلِ بسبب انتمائهم الدّيني، خصوصًا اليزيديّين منهم، وفي بلد العراق الحبيب الّذي منذ آلاف السّنين كان حضنًا لشعوبٍ وحضاراتٍ ودياناتٍ متعدّدة.

٣. رسالة العيش الأخوي وبناء مجتمع ديموقراطي سليم

دعا قداسته إلى رسالة العيش الأخوي، وفق حوارٍ صابرٍ وصادقٍ، وسيادةٍ لقانونٍ عادلٍ يُطبّقُ على الجميعِ، وبواجبِ التّصدّي لآفةِ الفسادِ وسوءِ استعمالِ السّلطةِ، والعملِ على تحقيقِ العدالةِ، بنزاهةٍ وشفافيّةٍ وتقويةِ المؤسّسات المسؤولة من أجل مستقبلٍ أفضلٍ، يزداد به الاستقرار، وتتطوّر به سياسة سليمة قادرة على خدمة الجميع. ثمّ نادى قائلّا " لِتَصْمُتْ الأَسْلِحَة! وَلْنَضَعْ حدًا لانْتِشارِها هُنا وَفي كُلِّ مكان! وَلْتَتَوَقَّفْ المَصالِحُ الخاصَّة، المَصَالِحُ الخارِجيَّة التي لا تَهْتَمُ بالسُكانِ المَحَلّيين. ولْنَسْتَمِعْ لِمَنْ يَبْني ويَصْنَعُ السَّلام!" داعيًا لبناء مجتمعٍ ديموقراطيٍّ، يؤمّنُ الحقوقَ الأساسيّةَ لجميع المواطنين، دون أن يُعتبر أحدهم من درجةٍ ثانيةٍ. ختم ببركته البابويّة قائلًا " لِكُلِّ واحِدٍ مِنْكُم، وَلِعائِلاتِكُم وَأَحِبائِكُم وَلِلْشَعْبِ العِراقيّ بِأَسْرِه، أَسْأَلُ اللهَ وافِرَ البَرَكاتِ الإلَهِيَّة. شُكْرًا!"

·  اللّقاء في كاتدرائيّة "سيّدة النّجاة" مع الرؤساء الرّوحيّين والشّعب –٥ آذار

انتقل فداسته إلى كاتدرائيّة "سيّدة النّجاة" السّريانيّة الكاثوليكيّة، حيث استقبلَه كلٌّ من غِبْطَةِ البَطْرِيَرْك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك كنيسة السّريان الكاثوليك، وَغِبْطَة البَطْرِيَرْك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك كنيسة الكلدان الكاثوليك، بكلّ فرح وامتنان، وألقوا كلمتهم التّرحيبيّة، في كاتدرائيّة سيّدة النّجاة، في بغداد، هذه الكنيسة التّي ذُبح فيها ٤٨ شخصًا مسيحيًّا، أثناء القدّاس الإلهي، بما فيهم الصّغار والكبار مع كاهنين شابّين، وهذا من قبل تنظيم داعش، يوم الأحد ٣١ تشرين الأول، ٢٠١٠.

§  البابا – لا نيأس، لنرجو، لنثابر بفرح الإنجيل

أراد البابا أن يحضرَ في الكاتدرائيّة ليلقي كلمة محبّةٍ وغفرانٍ وتضامنٍ ومسؤوليّةٍ، فقال " نَجْتَمِعُ اليومَ في كاتدرائِيَّةِ سَيِّدَةِ النَجاة هذِه، وَنَتَبَارَكُ فيها بِدِماءِ إخوَتِنا وأَخَواتِنا الذينَ دَفَعُوا هُنا ثَمَنَ أَمانَتِهِم للرَّبِّ وَلِكَنِيسَتِه، ثَمَنًا غاليًا. أَرْجُو أنْ تُلْهِمَنا ذِكْرَى تَضْحِيَتِهِم بأنْ نُجَدِّدَ ثِقَتَنا بِقُوَّةِ الصَّليبِ وَرِسالَتِهِ الخَلاصِيَّة للمَغْفِرَةِ والمُصالحَةِ والولِادَةِ الجَديدة. فَفي الواقِع، المَسيحيُّ مَدْعُوٌ لِلْشَهادَةِ لِمَحَبَّةِ المَسيح في كلِّ مكانٍ وَزَمان. هذا هو الإنجِيلُ الذي يَجِبُ إعْلانُهُ وَتَجْسيدُهُ في هذا البَلَدِ الحَبيبِ أيضًا." أعاد البابا فرنسيس كلمات من صدى السّينودس الخاصّ الّذي أقيم للكنيسة في الشّرق الأوسط عام ٢٠١٠، مشجّعُا وقائلًا "الغَيْرَةَ الرَسُولِيَّة يَجِبُ ألَّا تَتَوَقَّفَ ولا تَنْقُصَ أبَدًا، والتي تَسْتَمِدُونَها مِن جُذورٍ قَدِيمَةٍ جِدًا، مِنَ الحُضُورِ المُسْتَمِرِ لِلْكَنيسَةِ في هذهِ الأراضي مُنْذُ الأزمِنَةِ الأوْلَى". ثمّ من واقع الكورونا ابتكر وقال أنّ أمام "فيروس" الإحباط الخبيث، علينا أن نتّخذ "لقاحًا فعّالًا"، هو "الرَجاءُ الذي يَنْبُعُ مِنَ المُثابَرَةِ علَى الصَّلاةِ والأمانَةِ اليَوْمِيَّة لِرِسالَتِنا.."، وذلك كي نتمكّن من " المضيُ قُدُمًا بِقُوَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ دائِمًا، لِكَي نُشارِكَ فَرَحَ الإنجِيل، كَتلامِيذَ مُرْسَلِينَ وَعلاماتٍ حَيَّةٍ لِحُضورِ مَلَكُوتِ الله، مَلَكُوتِ قَداسَةٍ وَعَدْلٍ وَسَلام"

يتبع اليوم الأوّل ٥ آذار - اللّقاء في كاتدرائيّة "سيّدة النّجاة" مع الرؤساء الرّوحيّين والشّعب

§  البابا – كونوا بشركة مع الجميع، لنكن رعاة وخدّامًا للشّعب لا موظّفي دولة!

دعا قداسةُ الحبرِ الأعظمِ المسيحيّين كافّةً إلى " شَرِكَةٍ شامِلَةٍ مَعَ الجَميع" مُعلّلًا أنّ  محَبَّةَ المَسيحِ " َتَدْعُونا إلى أنْ نُكَوِّنَ جَماعَةً الكُلُّ فيها إِخوَةٌ وأخَواتٌ يُرَحِبُونَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ وَيَهْتَمُّونَ بَعْضُهُم لِبَعْض (را. الرسالة العامّة Fratelli tutti، ٩٥ - ٩٦)"، ودعا إلى الوَحدة بين جميع المسيحيّين، بانفتاحٍ وتقبّلٍ، مقتبسًا من القدّيس الشّهيد، الأسقف أغناطيوس الأنطاكي (٣٠ م. – ١١٧م.) "لا يَكُونَنَّ بَيْنَكُم ما يُفَرِّقُكُم،...، بَلْ صَلاةٌ واحِدَة، وَرُوحٌ واحِد، وَرَجاءٌ واحِد، بالمَحَبَّةِ والفَرَح" (رسالة إلى المغنيسيين Ad Magnesios،٦-٧: الآباء اللاتين٥ ،٦٦٧)، داعيًا إلى تقبّل الآخر في آخريّته، وقال مُسهِبًا " أُفَكِّرُ في صُورَةِ البِساطِ المَألوفَة: مُخْتَلَفُ الكَنائِسِ المَوْجُودَةِ في العِراق، وَلِكُلِّ مِنْها تُراثُها التاريخيّ والليتورجيّ والرُوحيّ العَريق، هيَ مِثْلُ الخُيوطِ الكَثيرة المُنْفَرِدَة المُلَوَنَة التي، عِنْدَ تَشَابُكِها، تُصْبِحُ بِساطًا واحِدًا جَميلًا"، وبكلمات متعدّدة دعا الكنائس إلى تخطّي أيّ توتّرٍ وسوء تفاهمٍ قد يعيقوا نسيج الأخوّة، والعمل على تحقيق الوَحدة الّتي صلّى لأجلها المسيح (يو ١٧: ٢١)، ثمّ خاطب قداسته الكهنة قائلًا " كُونوا رُعاةً وخُدّامًا للشَعْبِ لا مُوَظَّفِي دَوْلَة. كُونُوا دائِمًا مَعَ شَعْبِ الله، لا تَنْفَصِلُوا عَنْهُ أبَدًا كَما لَوْ كُنْتُم طَبَقَةً مُمَيَّزَة. لا تُنْكِرُوا "الأُمَّةَ" النَبيلَة التي هي شَعْبُ اللهِ المُقَدَّس"!! داعيًا إلى تجديد كنيسة المسيح، في الرّوح الّتي سادتها بعهد الرّسل.

§  البابا – الشّباب هم ثروة المستقبل، اهتمّوا بهم!

وجّه البابا كلمةً قويّةً حول الشّباب وواجب الكنيسة والمجتمع تجاههم، قائلًا أنّ الشّبابَ "كنزٌ" و"ثروةٌ كبيرةٌ للمستقبل"، ونادى بالاعتناء بهم، بتغذية أحلامهم، بمرافقة مسيرتهم وبتنمية رجائهم، خصوصًا بعد ما تعرّضوا له من محنٍ، جراء صراعات السّنين الأخيرة. وأردف قائلًا أنّ الشّبابَ مع المسنّين هم " جَوْهَرَةُ هذا البَلَد، وأَلَذُ ثِمارِ أشْجارِه"!

اليوم الثّاني -٦ آذار :

§  اللّقاء التّاريخي مع المرجع الشّيعي الأعلى بالعراق، سماحة الشّيخ علي السّيستاني:

غادر قداسةُ البابا فرنسيس، مدينة بغداد، صباح السّبت ٦ آذار ٢٠٢١، ليذهب إلى مطار النّجف، ومن الجدير بالذّكر أنّ مدينة النّجف تحتوي من جانبٍ واحدٍ على الكثير من المعالم المسيحيّة القديمة، ومنها ٣٣ ديرًا، ومن جانبٍ آخرٍ تُعتبر أقدس مدن الطّائفة الشّيعيّة. أدرج قداسته ببرنامجه فيها لقاءً هو الأوّل تاريخيًّا، بين الحبر الأعظم والمرجعيّة الشيعيّة الأعلى في العراق، آية الله العظمى السّيّد علي الحُسَيني السّيستاني، سماحة الشّيخ البالغ من العمر نحو٩٠ ونصف عامًا، والّذي يعتبر رمزًا مرموقًا عند الشّيعة خاصّة وعند كافّة الطّوائف العراقيّة، وذلك لزُهده، وحكمته وخطابه الدّينيّ المتسامح مع مختلف الدّيانات والطّوائف. لقد أراد البابا كما قال، القيامَ بخطوةٍ ثانيةٍ تجاه الأخوّة الجامعة الّتي يتوق لتحقيقها، وهذا بعد لقاءه التّاريخيّ السّابق بالمرجعيّة السّنيّة العليا، شيخ الأزهر، الشّيخ أحمد الطّيّب، في مدينة أبو ظبي، وذلك في تاريخ٤ شباط ٢٠١٩، حيث تمّ التّوقيع على الوثيقة الهامّة جدًّا "الأخوّة الإنسانيّة" الّتي تمّت صياغتها على يدهما معًا، كوثيقةٍ أساسيّةٍ على طريق الأخوّة الإنسانيّة. في هذا اللّقاء الّذي امتدّ نحو ٤٢ دقيقة، قدّم قداسته الشّكر للسّيستاني على حكمته بالدّفاع العملي عن الكثير من المسيحيّين واليزيديّين من هجومات داعش، فمنع الكثير من العذاب والقتل والتّهجير بموقفه الوطنيّ هذا، موفّرًا لهم الحماية والنّجاة. جنى هذا اللّقاء أحد ثماره المباشرة، حين أعلن رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، على برنامج التويتر، بذات اليوم ٦ آذار، وبمناسبة هذا اللّقاء بين القامتين الدّينيّتين، يوماً وطنياً للتسامح والتعايش في العراق. أبدى البابا لاحقًا إعجابه الشّديد بهذا اللّقاء، وأضاف أنّه قد شعر بنورٍ وراحةٍ مميّزةٍ، لافتًا النظر أنّ القداسة كثيرا ما تكون عند من هم قربنا. وقال الشّعار الّذي قاله سماحة الشّيخ السّيستاني والّذي وُجد على العديد من اللّافتات: "النّاس صنفان إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"، وهو نقلًا عن قولٍ للإمام عليّ بن أبي طالب في رسالته لمالك بن الحارث النخعي المشهور بالأشتر، وهي جملةً في سياقها بالتّصرّف إلى الآخر بالصّفح والعفو.

§  اللّقاء بين أبناء الدّيانات المتنوّعة في أور  - ٦ آذار :

١. خلفيّة - إبراهيم ابن مدينة أور :

أور هي مدينة سومَريّة، تقع قرب مدينة النّاصريّة في جنوب العراق، وعلى بعد نحو ١٠٠ ميل شمال البَصرة، وقد كانت عاصمة للسّومريّين  في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد، وشهدت حينها نهضة ثقافيّة، مع حاكمها أورنامو، الّذي استقلّ عن ملك أوروك، أوتو-هيغال، ليحكمها مع بلاد سومر، ويؤسّس ما يدعى اليوم بسلالة أور الثّالثة، وهذا في العصر البرونزيّ، نحو عام ٢٠٥٠ – ١٩٥٠ ق.م. هذه البلدة كما يرد في الكتاب المُقدّس، في العهد القديم، في سفر التّكوين (تك ١١، ١٨) هي مسقط رأس أبينا إبراهيم وأبيه تارح، ودعيت أور الكلدانيّين، بها توفّي هاران أخ أبينا ابراهيم، ومنها اتّخذ ابرام (لاحقًا سُمّي ابراهيم) امرأته ساراي (لاحقًا سُمّيت سارة)، ومنها اتّخذ أخيه ناحور امرأته مِلكه، وخرجوا منها ليذهبوا إلى أرض كنعان مرورًا بحاران (تك ١٨: ٢٩ -٣١). في أور أخذ ابرام الوعد من الرّب له ولأنساله كما يرد بسفريّ التّكوين ونحميا (تك ١٥،٧ ; نحميا٩،٧ -٨).  لقد ذُكر أبينا إبراهيم لاحقًا في القرن السّابع، في التّقليد الإسلامي، في سورة الأنعام، على أنّه خالف أباه وقومَه بشأن عبادة الأصنام ليعبُد الله الواحد (سورة الأنعام٧٤; عن تسمية "تارح" ب "آزر" في التّقليد الإسلامي، راجع تفسيرَي الإمام أبو جعفر الطّبري (٨٣٩ م. -٩٢٣ م.) والإمام ابن كثير الدّمشقي (١٣٠١م. – ١٣٧٣ م.) لسورة الأنعام آية ٧٤).

٢. خلفيّة - معبد الزّقورة:

زقّورة أور في محافظة "ذي قار" العراقيّة (لواء النّاصريّة - المنتفق)، هي من أقدم معابد العراق، نحو٤٠ كم غرب مدينة النّاصريّة، وتعود أطلال المعبد هذا إلى عهد سلالة أور الثّالثة، في العصر البرونزيّ، في القرن الـ ٢١ ق. م.، ويعتبر كما يؤكّدوا العديد من باحثي الآثار، أنّه أقدم من الأهرامات المصريّة وأهرامات بيرو وأهرامات ال "إنكا" (Inca) في المكسيك. تتألّف هذه الزّقورة من ثلاث طبقاتٍ وثلاثة سلالمٍ، كلّ منها تتألّف من مئة درجة، وهي مبنيّة على قاعدة مربّعة طول الضّلع الواحد بها٤٢ مترًا. وترتفع طبقاتها بطريقة "السّبط" الهندسيّة بشكل يميل به البناء للدّاخل بشكل طرديّ مع ارتفاعه. لم يبق منها الآن سوى طبقتها الأولى. من الجدير بالذّكر أنّ كلمة الزّقورة تأتي من اللّغة الأكاديّة "ziqquratu" وتعني البارز أو مرتفع البناء.

٣. خلفيّة –الدّيانة اليزيديّة وأتباعها:

اليزيديّون هم أتباع الديانة اليزيديّة، وهي ديانة توحيديّة وغير تبشيريّة، تؤمن بالله الواحد، وبسبعة قوّات روحيّة (يقابلوا الملائكة) الموكلين من الله للعناية بالعالم ومن ضمنهم "طاؤوس الملك"، الّذي يعتبر ذات منزلة خاصّة. من كتبها الأقدس "كتاب الجلوة" و "مصحف رش"، ومعبدهم الرئيسيّ هو في "لالش" في اقليم كردستان في العراق. كان يُقسم المجتمع اليزيدي بالسّابق إلى ثلاث طبقاتٍ هي الشّيوخ والبير، والمريد، ولم تُقم بينهم عمومًا مراسيم زواج. عبر اليزيديّون سلسلة طويلة من الإبادات من قِبل التّكفيريّين، فهاجروا لمناطق متنوّعة. سكنوا مئات السّنين في إقليم كردستان شمال العراق، خصوصًا في الموصل وسنجار، البعض الآخر في سوريّا، تركيّا (طور عبدين)، أرمينيا، إيران، والبعض سكن جورجيا، روسيا، وألمانيا وفي دول أوروبيّة عديدة خاصّة بعد الهجوم القاسي الّذي شنّه عليهم تنظيم داعش عام ٢٠١٤ وما تعرّضوا له من إبادة وتهجير. يتكلّمون اليوم الكرمانجيّة وهي لهجة كرديّة، وبها يتلون صلواتهم ومراسيمهم المقدّسة. أزياءهم الرّجاليّة قريبة من الزّيّ العربي، أمّا أزياءهم النّسائيّة فهي قريبة من الزّيّ النّسائي السّرياني، وقد اعتبر بعض الباحثين أنّهم تكلّموا سابقًا السّريانيّة، وأنّهم من أصل أشوري.

٤. خلفيّة – ديانة الصّابئة المندائيّة وأتباعها:

الصّابئة المندائيّة هي ديانة موحّدة قديمة، تؤمن بالله وتدعوه بالأخص بلقب "الحيّ الأزلي والعظيم"، وتؤمن بشكل خاص بالنّبي يوحنّا المعمدان (النّبي يحيى في الدّيانة الإسلاميّة و יוחנן המטביל بالعبريّة). كلمة المندائيّة هي من كلمة "مندا" المندائيّة وتعني المعرفة، والصّابئة من كلمة "صبا" المندائيّة وتعني غطس أو تعمّد. لغة المندائيّة هي من اللّهجات الآراميّة. كتابها المقدّس هو ال "غنزا رابا". أركانها الخمس الأساسيّة هي الشّهادة والاعتراف بالله الواحد الحيّ العظيم خالق الكون (سهدوثا اد هيي)، وممارسة التّوبة عن الخطايا مع طقوس الاغتسال والتّغطيس في مراحل متعدّدة من الحياة (مصبتا)، وركن الصّلاة (براخا) ثلاث مرّاتٍ في النّهار، صباحًا، ظهرًا وعصرًا، وذلك بعد طقس اغتسال خاص – وضوء (الرشما)، وثمّ ركن الصّوم وبه الصّوم الكبير والصّوم الصّغير (صوما ربا) وركن الصّدقة الزّكاة (زدقا). يشير بعض الباحثين أنّ هذه الدّيانة نشأت في القرن الثّاني أو الثّالث ميلادي، بعد الدّيانة المسيحيّة وقبل الدّيانة الإسلاميّة بنحو٤ قرون. ذُكر أتباع الصّابئة بشكل إجابي في نصّ القرآن الكريم، في سورة البقرة آية ٦٢ "ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم آجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" وذكروا أيضًا في آيات أخرى مع اليهود، النّصارى والمجوس (راجع أيضًا سورة المائدة٦9، سورة الحج ١٧). لم تُذكر الصّابئة في الانجيل المقدّس، فقد أتت بعد المسيحيّة، وبعد يوحنّا المعمدان، ونجد أصداء قويّة لأقوال المسيح له المجد والواردة في الإنجيل، محفوظة في كتبهم المقدّسة. إنتشر أتباعها في فلسطين والشّام وبلاد الرافدين  خصوصًا في العراق وفي بلاد الفرس. يُقدّر عددُ أتباعها بما يقارب الـ٧٠ ألف نسمة في العالم.

٥. زيارة البابا وكلمته في سهل أور، بيت أبينا إبراهيم– تنوّع وحدة وسلام:

غادر  قداستُه مدينةَ النّجف ليَصل إلى مطار النّاصريّة في محافظة "ذي قار" العراقيّة، ليصل إلى مدينة أور، مسقط رأس أبونا ابراهيم، خليل الله، حيث تمّت دعوة كافّة الطّوائف لهناك، وحضر ممثلين عن المسيحيّين الكلدان والسّريان، مع الشّيعة والسّنة والدّيانة اليزيديّة مع الشّيخ الأعلى لديانة الصّابئة المندائيّة، الرّيش إِمه ستار جبار حلو. بعد كلمة ترحيب وتلاوة لنصّ دعوة الله لإبراهيم، من الكتاب المقدّس، ومن القرآن الكريم، تلا البابا كلمته لافتًا أنّ هذا المكان هو "مكان الأصول والينابيع" الّذي به "وُلِدَت دِياناتُنا"، وبه عاش أبونا إبراهيم، ومنه انطلق بمسيرته مع الله، والّتي غيّرت تاريخ البشريّة، وقد قال له الله انْظُرْ إلى السَماءِ وأَحْصِ النُجُوم (تك ١٥: ٥) مع كلّ ما بها من أبعاد الايمان والسّمو والطّموح والثّقة بالله، هكذا دعا البابا أن نرفع جميعنا، يهودًا، مسيحيّين، مسلمين وأبناء سائر الدّيانات، أنظارنا صوب السّماء، صوب النّجوم ذاتها الّتي تنير أحلك ظلماتنا، لترتفع أنفسنا فوق أباطيل العالم، وأن نرفع كذا صلاتنا إلى الله الّذي يدفعنا للمحبّة، حتّى نسير في الأرض بسلامٍ معًا كأخوة، بتديّنٍ حقيقيٍّ، به نعبد الله ونُحبّ القريب، شاهدين لصلاح الله، الّذي يشوّه البعض صورته المقدّسة.

٦. البابا – لا لخيانة الدّين وتشويه صورة الله

نبّه قداسته أنّ " أَكْبَرَ إساءَةٍ وَتَجْديفٍ هيَ أنْ نُدَنِّسَ اسْمَهُ القُدُوس بِكَراهِيَةِ إخْوَتِنا" وقال "لا يَصْدُرُ العَداءُ والتَطَرُّفُ والعُنْفُ مِن نَفْسٍ مُتَدَيِّنَة: بَلْ هذِهِ كُلُّها خِيانَةٌ لِلْدِين... وَنَحْنُ المُؤْمِنين، لا نَقْدِرُ أنْ نَصْمُتَ عِندما يُسيءُ الإرهابُ إلى الدِّين. بَلْ واجِبٌ عَلَيْنا إزالَةُ سُوءِ الفَهْم. لا نَسْمَحْ لِنُورِ السَماءِ أنْ تُغَطِّيَهُ غُيُومُ الكَراهِيَة!" وتطرّق قداسته مجدّدا لما عاناه اليزيديّون خاصّةً من قتلٍ وتعذيبٍ واكراهٍ في الدّين، مشدّدًا أنّ مبدأ " لِيَنْجُ كُلُّ واحدٍ بِنَفْسِهِ"، يُصْبِحُ عاجِلًا: "الجَميعُ ضِدَّ الجَميع"، وهذا هو دربُ العزلةِ والجدرانِ والكراهيّةِ والغضب. بالمقابل علينا أن نعمل جميعنا ك"نحن"،  لقد "التَقَيْنا اليَوْمَ هُنا، في بَيْتِنا، وَمِن هُنا، مَعًا، نُريدُ أنْ نَلْتَزِمَ حتَى نُحَقِّقَ حُلْمَ الله وَهُوَ: أنْ تُصْبِحَ العائِلَةُ البَشَريَّة مِضْيافَةً تُرَحِّبُ بِجَميعِ أبْنائِها"، وأضاف "لْنَطلُبْ هذا السَّلامَ لِكُلِّ الشَرْقِ الأوْسَط، وَأُفَكِّرُ بِشَكْلٍ خاصّ في سوريا المُجاوِرَة المُعَذَّبَة" ثمّ تلا بعدها صلاةً مشتركةً، هي "صلاة أبناء ابراهيم"، ومن ثمّ انطلق من مطارِ النّاصريّة إلى مطار بغداد الدّولي.

٧. قدّاس احتفالي في كاتدرائيّة مار يوسف الكلدانيّة في بغداد – ٦ آذار:

ترأس قداسة البابا فرنسيس القدّاس الاحتفالي في كاتدرائية مار يوسف الكلدانيّة في بغداد، بحسب الطّقس الكلداني، وللمرّة الأولى لحبر أعظم، وهي علامة قويّة منه لاحترام الطّقوس الشّرقيّة والتّقاليد المحلّيّة. تكلّم في عظته كالمعتاد عن الواجب الإنسانيّ والإنجيليّ تجاه المحتاجين والفقراء والمضطهدين والباكين، متطرّقًا لعظة المسيح على جبل التّطويبات، مشدّدًا على ما علّمه بولس الرّسول أنّ " المَحَبّة لا تَسْقُطُ أَبَدًا" (١ قور ١٣: ٨)، وأنّ المحبّة تتجسّد بالصّبر على الآخرين، بالكرم وأعمال الخير والصّلاة، واحتمال بعضنا بعضًا، وأنّ الله أمينٌ بوعودِه وبمكافآتِه، ولا يترك الإنسانَ والشّعب لخطاياه وجهالاته، بل يغفر ويبدأ معنا كلّ مرّةٍ من جديدٍ.

اليوم الثّالث -٧ آذار

§  زيارة البابا فرنسيس لاقليم كردستان في العراق – أربيل، الموصل، حوش البيعة وقرة قوش:

في صباح يوم الأحد٧ آذار ٢٠٢١، انطلق قداسته لمطار أربيل، حيث تمّ استقباله بشكل مهيب، من الشّعب ومن السّلطات المدنيّة والديّنيّة، خصوصًا من قبل رئيس اقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس حكومة الاقليم مسرور بارزاني، مع نائبه قوباد طالباني. وشخصيّات معتبرة كثيرة، في المطار أوّلًا ومنه إلى الصّالة الرّئاسيّة. من ثمّ غادر قداسته بالطّائرة العاموديّة (الهليكوبتر) إلى الموصل، إلى كنيسة حوش البيعة (وتعني ساحة الكنيسة)، وبها تلا صلاة من أجل ضحايا الحرب، بعد مقدّمة له زيّنتها "مأثوراته" الثّلاث:

"إذا كان الله إلهُ الحياة، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نقتل إخوتنا باسمه.

إذا كان الله إلهُ السّلام، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نشنّ الحرب باسمه.

إذا كان الله إلهُ المحبة، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نكره إخوتنا."

تقدمة الصّليب: في الموصل ذاتها تمّ بناء صليب كبير، من بقايا الخشب المحترق من كنيسة مار أدّي الّتي هاجمها المتطرّفين قِدَمًا، وقد وُضع ليباركه قداسة البابا ، في هذه المدينة الّتي احتملت عذابات صليبٍ قاسٍ من أيدي وأسلحة تنظيم داعش الّتي اتّخذها له معقلًا، ومن سائر جماعات التّكفير والاجرام. فكأنّ بهذا رمزٌ به يجمع البابا شتات الألم والدّمار، حاملًا أحزان الشّعب، ليصبح ببركة الرّب صليبَ مجدٍ يقود إلى الحياة والقيامة!

§  قرة قوش والقدّاس في أربيل

انطلق فداسته بعدها إلى قرة قوش في محافظة نينوى، والتي تُعد من أقدم المناطق المسيحيّة في الشّرق، إلى كنيسة الطاهرة، وبها تلى صلاة السّلام الملائكي (Angelus) وقال كلمة دعا بها إلى التّمسّك بالرّجاء، وبالإرث الرّوحي العظيم الّذي تركوه لنا الآباء والأمّهات وقال "لا نَمَلَّ مِنَ الصَّلاةِ مِن أجلِ تَوْبَةِ القُلُوبِ وانْتِصارِ ثَقافَةِ الحَياةِ والمُصالَحَةِ والمَحَبَّةِ الأَخَويَّة، مَعَ احترامِ الاخْتِلافاتِ وَتَنَوُّعِ التَقاليدِ الدينيَّة، وفي السَعِي لِبِناءِ مُسْتَقْبَلٍ مُرَسَّخٍ على الوَحْدَةِ والتَعاوِنِ بَيْنَ جَميعِ أصْحابِ النوايا الحَسَنَة". هناك صمّم راعي الكنيسة قدس الأب عمّار يافو، لقداسته، وشاحًا، اشترك بعض أهالي المدينة بحياكته وتطريزة من قماش "الشّال" المحلّي، وقد حيك على "الطراز القرقوشي"، ونسجت على أحد طرفيه، صلاة "الأبانا"، وعلى الطرف الآخر، دُرزت صلاة "السّلام الملائكي" لأمّنا العذراء، وذلك بخيوطٍ ذهبيةٍ وباللغة السّريانية، مع رموزٍ عديدةٍ أخرى، ليبقى مع قداسته ذكرًا مميّزًا من انتاج التّراث المحلّي. ثمّ عاد قداسته إلى مدينة أربيل ليحتفل بمراسيم القدّاس الإلهي الساعة ١٦:٠٠ في ملعب "فرانسو حريري"، بحضور آلاف كثيرة من المؤمنين، حتّى عاد بأدراجه مساءً إلى مطار بغداد الدّولي.

اليوم الرّابع – ٨ آذار

§  من العاصمة بغداد إلى العاصمة روما:

 في صباح يوم الاثنين ٨ آذار ٢٠٢١، وهو اليوم الرّابع لقداسة البابا فرنسيس في جمهوريّة العراق، أقيم له حفل وداعٍ مهيب، من ضمن التّحضيرات الكبيرة الّتي بذلها هذا البلد لإكرام خليفة بطرس، على الصّعيد المدني والميداني، الرّوحي، الأدبي والاعلامي، وسواهم،  ليغادر قداسته بلد العراق الّذي احتلّ قسطًا كبيرًا من عواطفه وأفكاره وصلواته، حاملًا ايّاه مع ذكريات كثيرة ترافقه أثناء متابعة رسالته في الفاتيكان وسواه.

رسائل متعدّدة للبابا على ضوء أسئلة الصّحفيّين من على متن طائرة العودة (عن موقع الفاتيكان):

١. رسالة البابا فرنسيس وعلاقتها برسالتيّ النّبي يونان وأبونا إبراهيم:

لقد ترك البابا في خطاباته ومواقفه الأثر الكبير على أصعدةٍ كثيرة، وكان بحضوره شبه صدًى للنّبيّ يونان، الّذي أنجَدَت نبوءته مدينة نينوى من الدّمار، إذْ بعثت في سُكّانها حسّ التّوبة الصّادقة والرّغبة في البدء من جديد! أظهر أنّه قد تتعدّد مصادر الدّمار، لكن القادر أن يقيمك منها هو هذا الإله الّذي يدعوك إلى الخلاص، وإلى عيشه بنشاطٍ ورجاءٍ وفرحٍ، لو مهما اشتدّت المصاعب! ذهب قداسته ليُجدّد رسالة ابراهيم الّذي عرف أن ينظر لنجوم السّماء ويحلم ويسير وراء الهامات الرّوح، بعيدًا عن مطامع و"أصنام" عالمه القديم، في مغامرة حياةٍ مع الإله الحيّ! ذهب البابا فرنسيس لا ليضع ذاته فوق الجميع باسم القداسة، بل بالحري ذهب كتائبٍ يطلب مراحم الله ويسأل صلوات الجماهير! لم يذهب قداسته ليُبشّر بفوقيّةٍ تكنولوجيّةٍ أو اقتصاديّةٍ أو دينيّةٍ، بل ليحجّ إلى مسقط رأس ابراهيم والأنبياء وينادي بالسّلام وقيمة الإنسان. ذهب قداسته لا ليتربّع في مكانٍ منعزلٍ، بل كرسول محبّةٍ يتنقّل بين كافّة أبناء الشّعب الواحد، بروح الانفتاح والمحبّة، ليبثّ في الجميع دون استثناء روح القوّة والرّجاء!

٢. رسالة البابا فرنسيس - حوارٌ صادقٌ لمستقبلٍ واعدٍ:

في حجّ هذا الأب الأقدس، نجد معنى الانثقاف وتلاقي الحضارات، كيف لا وهو يدخل ويخرج هاتفًا بلغة الضّاد الحبيبة، لغتنا العربيّة، "سلام ..سلام ..سلام .."، "شكرا.."، "الله معكم"؟ كيف لا وهو يُشيد بغنى الآخر بتراثه الدّينيّ والحضاريّ؟ كيف لا وهو يصيغ صلاةً تجمع الدّيانات قاطبةً تحت كنف الله - المحبّة؟ وبعد أن قبّل علمَ العراق برفقٍ وعطفٍ في حجّه هذا، نجده يقول قُبَيْلَ رحيله "الآن اقتربت لحظة العودة الى روما، لكنّ العراق سيبقى دائمًا معي وفي قلبي.. بارككم الله جميعًا وبارك العراق!". هذا ما دعا إليه البابا بصدق، كما سبقَ ووعظ بطرقٍ وأساليب شتّى، وبشكل خاصّ في رسالته البابويّة العامّة الأخيرة "جميعنا أخوة" (Tutti fratelli) والّتي صدرت في ٣ تشرين الأوّل ٢٠٢٠، في العام الثّامن لحَبريّته.  

٣. رسالة البابا فرنسيس - الهجرة، إمكانيّات ووسائل:

قال البابا فرنسيس للصّحافة بعد مغادرته للعراق، أنّه تأمّل أثناء العودة من قرة قوش إلى أربيل، الكثير من الشّباب ومن أجيالٍ صغيرةٍ، وأنّه قد طرح عليه أحدٌ سؤالًا: ما هو مستقبل هؤلاء الشّباب؟ إلى أين سيذهبون؟ سيضطرّ الكثيرون إلى مغادرة البلاد، الكثيرون! ثمّ أردف قداسته مفسّرًا أنّ الهجرة حقٌّ مزدوجٌ: هناك الحقّ في عدم الهجرة وهناك حقّ الهجرة. ولكن هؤلاء الناس ليس لديهم أيّ منهما! إذْ لا يسعهم إلّا الهجرة ، ولكن لا يعرفون كيف يفعلون ذلك! ولا يمكنهم الهجرة لأن العالم لم يدرك بعد أن الهجرة هي حقٌّ من حقوق الإنسان!  أضاف قداسته أنّه أراد استقبال والد الطّفل "آلان كردي"، الطّفل الّذي مات غرقًا أثناء محاولة عائلته الهرب إلى أوروبا! وقال عنه إنّه رمزً لحضارة الموت، للحضارات الّتي لا تستطيع أن تصارع البقاء، هو رمزٌ للإنسانيّة! وأضاف إنّ قبول المهاجرين لا تعني مجرّد استقبالهم وتركهم على الشّاطئ! بل مرافقتهم وجعلهم يتقدّمون ويندمجون حسنًا في المجتمع الجديد.

٤. رسالة البابا – لا للتطرّف، نعم للمسؤوليّة الدّوليّة

حين كان قداسته على متن الطّائرة سألته صحفيّة عمّا شعر به حين كان على متن المروحيّة فوق مدينة الموصل المدمّرة وعند الصّلاة على أنقاض الكنيسة؟ أجابها، أنّه لم يتخيّل حقّا أنقاض الموصل وقرة قوش هكذا، نعم لقد رأى وقرأ، لكن اللّمسات تبقى مؤثّرة أكثر. ثمّ ذكر شهادة الأمّ الّتي فقدت ابنها في التّفجيرات الأولى لداعش، وقد قابلها وقالت أمامَه كلمةً واحدةً، كلمة "مغفرة": "أَغفِر لهم وأستغفر لهم!" أضاف قداسته أنّ هذا هو "الانجيل الصّافي"، انجيل الغفران للأعداء! ثمّ تطرّق لكنائس أخرى مدمّرة رآها ولمسجدٍ مدمَّر كذلك! وقال "كان السّؤال الّذي خطر ببالي في الكنيسة هو.. ولكن من يبيع الأسلحة لهؤلاء المدّمرين؟ لأنهم لا يصنعون أسلحة في المنزل. نعم ، بعض القنابل تفعل ذلك... لكن من يبيع السلاح؟ من المسؤول؟ على الأقل أودُّ أن أسألَ أولئك الذين يبيعون الأسلحة إن كان لديهم الصّدق فليقولوا: نبيع الأسلحة. لكن لا يقولون ذلك. انه أمرٌ قبيحٌ!".

٥. رسالة البابا – نعم لكرامة المرأة

سألت الصّحفيّة بالشّق الثّاني من السّؤال، على ضوء عيد المرأة، عمّا يقوله قداسته عن إمرأة مسلمة تحبّ رجلًا مسيحيًّا ولا تستطيع الزّواج منه، دون أن تُطرد من عائلتها؟  أجاب قداسته، أنّه يشعر أنّ النّساء أشجع من الرّجال، وأنّ المرأة تتعرّض حتّى يومنا هذا للإذلال، وأنّ أحد الحاضرين أظهر لقداسته قائمة "تسعيرات" للمرأة ولم يستطع قداسته أن يُصدّق! كيف البعض تَبِعن وتَستَعبدن أنفسهنّ حتى في وسط روما؟! ثمّ تابع قداسته، في بيوتٍ كثيرةٍ تابعةٍ لمؤسّسة "Opera di Don Benzi" هناك بنات تخضعن للعقوبات، واحدة قُطعت أذنها لأنّها لم تجلب المال المناسب بذلك اليوم! أخرى أحضروها من براتيسلافا في صندوق السيّارة، وهي مخطوفة ومُستعبدة! وقال هذا يحدث بيننا نحن "المتحضّرين" وهذا عدى ظاهرة الاتّجار بالبشر! ثمّ أضاف قداسته أنّ ظاهرة استعباد المرأة ما زالت قائمة ويجب أن نناضل من أجل كرامتها! ووضّح، لا نذهب بعيدًا، لننظر لروما، ما زال هناك فتيات تتعرّض للخطف والاستغلال!

أخيرًا وليس آخرًا

لقد قام قداسة البابا فرنسيس، بلفتةِ اهتمامٍ واعتبارٍ، لشعبٍ متألّمٍ يبحث عن رجاءٍ، عن حياةٍ وعن قيامةٍ، وأراد أن يكون حاضرًا بالجسد في وسط هذا الشّعب بكافّة مكوّناته، في وسط معاناته، وفي وسط ضيقاته، ومن ضمن هذا التّضامن، هو مجيئه في وسط جائحة كورونا، وفي وسط الصّعوبات الأمنيّة، وحالته الصّحيّة، وجيله المتقدّم، جاءَ لا لبلد العراق وحده، ولا لمسيحيّ العراق أو مسيحيّي الشّرق الأوسط وحدهم، بل جاء من أجلنا كلّنا، لنتعلّم أن نسلك في درب التّواضع، في درب الأخوّة، في الانفتاح على الآخر، في ذهنيّةٍ جديدةٍ، ترى وبل تبحث في الآخر لتجذ الكثير من الخير المشترك، والكثير من التّنوّع الّذي يُغني، والكثير من الآليّات الّتي تُقرّب الجميع في نهجٍ يخدم الإنسانيّة الّتي تتجلّى في فرادة كلّ إنسانٍ، وكلّ انتماءٍ دينيٍّ، طائفيٍّ وحضاريٍّ، في نهجٍ يخدمُ كرامةَ الإنسانِ وقدسيّتِهِ وحرّيّته في العبادة وحقوقه الإنسانيّة على أنواعها.

الكلمات الدليلية