كيف نبحث عن الأمل ونجد الرجاء في عالم اليوم؟ الأب فراس عبدربه يجيب

بقلم: رولا شوملي - مكتب اعلام البطريركية - نشرت بتاريخ: August 24 Mon, 2020

كيف نبحث عن الأمل ونجد الرجاء في عالم اليوم؟ الأب فراس عبدربه يجيب متوفرة باللغات التالية:

مقابلة - منذ بداية عام ٢٠٢٠، توالت العديد من الأحداث المؤسفة والمحزنة ومنها المخيفة التي هزت العالم بأسره، كاندلاع حريق ضخم في غابات استراليا، وبدء انتشار فيروس كورونا حول العالم، والعديد من الأحداث الأخرى كأزمة الخليج الفارسي والمناوشات ما بين الصين والهند وانفجار بيروت الأخير والحرائق التي التهمت مساحات واسعة من غابات ولاية كاليفورنيا. وتكاد لا تخلو الأخبار اليومية من هذه الأحداث المؤسفة من التفجيرات والزلازل والقصف والفيضانات وحوادث السير والموت المفاجئ الذي يفجع الشباب وكبار السن على حد سواء.

منذ مطلع العام الجديد، وشعور الاحباط والخوف يسيطر على حياة الناس، فقد بات العديد منهم في المنطقة من دون عمل وأمل أيضاً، بسبب اليأس الذي يختبره العالم والتأثيرات النفسية التي تتبعها جرّاء الأحداث الواقعة.

يحدثنا الأب فراس عبدربه عن كيفية البحث عن الأمل، وأين نجد الرجاء من خلال إيماننا المسيحي وعن طريق الكتاب المقدس.

كيف يرشدنا الكتاب المقدس للخروج من هذه المرحلة التي مست العالم أجمع؟ 

نؤمن كمسيحيين بأن الكتاب المقدس هو "كلمة الله حقاً" (١ تسالونيكي ٢: ١٣). أي أنها مجموعة من الكتب أو الأسفار والنصوص التي من خلالها يكلمنا الله حقاً، مستخدماً تاريخ ومسيرة وخبرة وتأمل وصلاة وتساؤلات مَنْ سبقونا على دروب الحياة والإيمان منذ قرون وقرون. إذا، فإن نظرة المسيحي إلى الواقع هي ليست نظرة المؤرخ أو السياسي أو العالم في شؤون البيولوجيا، بل هي نظرة تشمل هذه كلها ولكن "على ضوء الإيمان بالله".

والكتاب المقدس مليء "بالآيات" التي تتحدث عن الرجاء. والوصول إلى هذه الآيات اليوم، بمساعدة محركات البحث، لم يعد صعباً. ولكن ما هو أهم من الآيات، هو ولا شك "التاريخ" الذي تكتبه، تاريخ الخلاص. وملخص هذا التاريخ هو أمانة الله تعالى لوعده. وهذا هو حتى اليوم السبب الوحيد للرجاء المسيحي: أن الله أمين ولن يترك من يتكل عليه. وهنا أود أن أنوه إلى أننا نقيم فرقاً مهماً بين كلمة "رجاء" وكلمة "أمل". فالرجاء يأخذ معنى أكثر ارتباطاً بالعناية الإلهية، بينما يقتصر الأمل على المستوى البشري. واليوم رغم أن أملنا بالبشر، وخاصة القادة السياسيين والدينيين، ضعيف ومهزوز إلا أننا كمسيحيين "مؤمنين" (لا مسيحيين بشهادة العماد فقط)، نتمسك بالرجاء ونعلم أن الله، يفتح باباً جديداً حيث تبدو جميع الأبواب أحياناً مغلقة. الرجاء إذاً مبني على الإيمان، والإيمان مبني على المحبة التي نكنها لله، ومحبتنا لله مبنية على اكتشافنا لمحبته لنا أولا، التي تظهر في حياة كل واحد منا بصورة ملموسة مميزة، تدعى "اختبار حضور الله في حياتنا". وهذا وحده مصدر الرجاء. وهو ما يقوله ويزيده باستمرار الكتاب المقدس من سفر التكوين وحتى سفر الرؤيا.

ماذا عن الروح القدس؟

الروح القدس هو روح الله الذي أرسله يسوع من لدن الآب بعد قيامته لجماعة الرسل والكنيسة الأولى، حينما كانوا في أشد الأوقات ظلمة. إنه روح الحق، و"الروح المعزّي"، الذي "يُذكّرنا بكل شيء" (يوحنا ١٤: ٢٦). الروح القدس هو من يقود الكنيسة باسم يسوع ومِن الآب في حجها الأرضي هذا. وهو الذي ألهم كتاب أسفار الكتاب المقدس، وهو الذي يتحدث الله من خلاله في قلوبنا "بأنّات لا توصف" (روما ٨: ٢٦). إنه إذا مصدر الحياة، ومُجددها كل يوم في حياة المعمّد. أفلا يكفي هذا كله، حتى نعلن بأن الروح القدس، هو بمثابة المُنشِّط للرجاء في حياتنا المسيحية؟ هو الذي يُنمّي بذرة الحب الإلهي والإيمان اللذين يتحولان في حياة المسيحي إلى رجاء واتكال وتسليم لله. هذا للأسف ما نفتقر إليه في كنائسنا المدعوة بالتقليدية: فاعتمادنا على المؤسسة يفوق الاعتماد على الله نفسه للأسف، لأننا لم نعد في كثير من الأحيان مسيحيين مؤمنين، ولكن مسيحيين هم مجرد أعضاء في مؤسسة تشعرنا بالأمان لأنها تبدو غنية أو قوية أو عريقة أو أو أو... وهذا كله وهم بل أجرؤ أن أقول "اشراك"!

كيف يمكننا أن نكون مصدرًا لنشر الأمل والرجاء في محيطنا؟

لا أحب أحياناً استخدام كلمة "تفاؤل" لأنها تبدو لي سطحية وعبثية إلى حد ما. التفائل قد يرتبط بالأمل: المستوى البشري البحت، الذي لا يوجد فيه يقين بل مجرد توقّعات وتطلّعات. نوع من تهدئة الذات بمجرد استبدال أفكار سلبية بأفكار ايجابية (حتى ولو كانت بعيدة عن الواقع). إنها نوع من التخدير. أما ما أُفَضِّل استخدامه فهي كلمة "فرح". إن الفرح أعمق من مجرد التفاؤل. الفرح هو شعور عميق بالاطمئنان والسلام واليقين المبني على "الرجاء": "لن تترك صفيك يرى الهوّة" (مزمور ١٦: ١٠). والمبني بدوره على الإيمان والعلاقة العميقة مع الله تعالى.

ما نستطيع أن نكون به اذا مصدراً لنشر الأمل والرجاء في محيطنا كمسيحيين، هو أن نعيش ونشهد "بفرح الرجاء". أن نؤمن بأن "آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلى فينا" (روما ٨: ١٨). ويقول القديس بولس أيضاً في نفس الرسالة إلى أهل روما: "بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئن في الباطن منتظرين التبني، أي افتداء أجسادنا، لأننا في الرجاء نلنا الخلاص، فإذا شوهد ما يُرجى لم يكن رجاء، وما يشاهده المرء فكيف يرجوه أيضا؟ ولكن إذا كنا نرجو ما لا نشاهده فبالثبات ننتظره." (روما ٨: ٢٣-٢٥).  

طبعاً من كانت لديه هذه المحبة وهذا الإيمان وهذا الرجاء، سوف ينتقل بديهياً إلى "العمل". وهذا، يعود على كل واحد تحديده وفقاً لما لديه من مواهب وميول وقدرات، بالإصغاء إلى القلب واستخدام العقل.