الأهواء الجسدية والخطيئة - بقلم عيسى أبو جابر

بقلم: السيد عيسى أبوجابر - نشرت بتاريخ: September 09 Wed, 2020

أنتَ وأنتِ وأنا كمسيحيين معمّدين، هل لنا الحق في أن يكون لنا سلطة على أجسادنا كما نريد؟ وهل تؤثر خطايا أجسادنا، بصفة كوننا جزءًا من جسد المسيح، على الكنيسة والمجتمع؟

ترددت كثيرًا قبل الشروع بالكتابة عن الأهواء الجسدية، فعندما خَطر لي أن أكتب حول هذا الموضوع في البدء زغت عنه لكونه موضوعًا محرجًا نوعاً ما ولا يقبل البعض التطرق إليه. لكن لماذا يُحرّم أحيانًا الحديث عنه إن كان يُشكّل جزءًا من حياة الإنسان اليومية، وبحسب اعتقادي، هو من أكثر الخطايا المتكررة التي يرتكبها الإنسان بمختلف شرائح المجتمع والدين والعرق والنوع والفكر.

شكلت المغريات الجسدية التي تملأ عالمنا اليوم، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، حجر عثرة للإنسان يقع بسببها في الخطايا الجسدية، والتي تقوده أحيانًا لعبودية الجسد. في الحقيقة، تتكون هذه الأمور الجسدية بسبب ضعف الطبيعة البشرية، فهي قوة من  شأنها أن تجعل الجسد أسير لهذه الحاجة الطبيعية التي يعيشها كل إنسان.

يُعلمنا الرب إلهنا في الوصية السادسة من الوصايا العشر: "لا تزنِ" (تكوين ٢٠: ١٤). نفهم من هذه الوصية أن المقصود هو الزنا الفعلي، لكن ربنا يسوع المسيح أعطانا ناموسًا وأكمل حين قال: "سمعتم أنه قيل: لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه" (متى ٥: ٢٧- ٢٨).

وهل يا أعزائي ربنا يسوع المسيح أتى لغير كل كمال؟ نعم! نحن بشر ولا يمكننا أن نصل للكمال لكن الله نفسه يدعونا للقداسة: "كونوا قديسين، لأني أنا قدوس" (١ بط ١: ١٦).

كل مُعمد مدعو أن يكون قديساً، وما هدف حياتنا المسيحية غير أن نجعل الأرض مكانًا أفضل لمجد الله الخالق ولخير الإنسانية وخلاصها؟! لذلك لا يجب أن نقع في حفرة الزنى، فهي بإمكانها أن تُسيطر على عقل وقلب وجسد الإنسان، وتقودنا للموت الأبدي والانفصال عن الله إذا أصرينا في المضي قدماً فيها.

من خلال علاقاتي وخبراتي بين الشبيبة والعائلات والمجتمع، أرى حقاً أن هذه الأمور تشكل جزءًا مهمًا في حياتهم وتشغل حيزًا كبيرًا فيها، لكن الأزواج لا يدركون مدى قدسية العلاقة الجنسية بين الزوجين والتي يتم تدنيسها بالأنانية. نعم، إن العلاقة الجنسية بين الأزواج هي أمر مقدس، فمن خلاله يكتمل سر الزواج بالأبناء، وهو دعوة لكل إنسان كما قال الرب لآدم وحواء: "انموا واكثروا واملأوا الأرض" (تك ١: ٢٨)، ولكن ليس خارج إطار سر الزواج المقدس، الذي يصون كرامة الزواج والإتحاد بين الرجل والمرأة. يجعل سر الزواج العلاقة الجنسية عبارة عن علاقة عفيفة ممتلئة بالثقة والمحبة المتبادلة بين الشريكين، وينتج عن هذا الشيء المقدس نعمة البنين والبنات، فالله ربنا يُعطي لكل زرع بركة، وبركة الجنس هو الأبناء.

أما بخصوص التصرفات الجنسية غير الأخلاقية بشتى أشكالها وطرقها، فهي ليست مجرد خطيئة يصنعها الإنسان، بل أبعد من ذلك بكثير وذلك لعدة أسباب؛ أولاً إذا استعبدت الخطيئة الإنسان أصبح عبدًا لها تسلب منه حريته التي وهبها الله للبشر، فالحرية حسب الإيمان الكاثوليكي "هي القوة التي وهبنا الله إياها لنتصرف بملء إرادتنا، لأن الحر لا يعمل مُكرهًا من أحد. خلقنا الله بشرًا أحرارًا ويريدنا أن نكون أحرارًا كي نختار الخير، ولاسيما الخير الأسمى- أي الله، وبقدر ما نعمل الخير، نصير أحراراً." ( YOUCAT التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة رقم ٢٨٦). باختصار هي أن يعيش المرء بحرية المسيح التي وهبنا إياها الله بفعل موت وقيامة ابنه من بين الأموات، إذ حررنا ربنا يسوع من الموت والخطيئة وهذا بسبب محبة الآب القدير للإنسانية التي بذل نفسه لأجلها الابن المطيع لأنه يحبها ويحب أباه السماوي.

ثانيًا، يهدر الإنسان وقته وحياته في أمور فانية من دون معنى، أي حتى لو أشبعت حاجاته البشرية ففي النهاية هي مجرد تصرفات محورها "الأنا" وليس أكثر، فهو لا يقدم أي نفع للمجتمع ولا لنفسه، بل يزيد ملكوت الشر في العالم ويزيد من عبوديته ومحدوديته وأنانيته وآخرًا يزيد فراغ قلبه الذي لا يملأه سوى الحب، كما قالت القديسة مريم ليسوع المصلوب بواردي: "ليس إلا الحب يملأ قلب الإنسان".

ثالثاً، دعونا نتحدث عن فكرة الخطيئة التي تشوه الإنسانية؛ الإنسانية التي أصلحتها نعمة الله ومحبته. كمؤمن مسيحي أؤمن أن الله يفهم ضعفنا ويصبر على زلاتنا وينتظر توبتنا، لكن يجب أن يأتي وقت التوبة الآن قبل بعد قليل، فالراعي الصالح يبحث عن كل إنسان يحمل نير العبودية بتلهف كي يحمل عنه هذا العبئ ويحمّله نيره فهو نير لطيف خفيف كما قال هو في إنجيل القديس متى "تعالوا إلي جميعا أيها المرهقون المثقلون، وأنا أريحكم. احملوا نيري و تتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم، لأن نيري لطيف وحملي خفيف" (متى ١١: ٢٨- ٣٠). الخطيئة هي أن نحب ما يكرهه الله، فكيف نستطيع كمسيحيين نلنا شرف المعمودية وحرية المسيح أن نحب ما يكرهه الله؟ نعم، مرة أخرى الله يتفهم ضعفنا لكن كما هو رحيم هو عادل أيضاً، ومحبة يسوع المسيح يجب أن تقودنا لأن نكون صالحين صادقين معه ومع مجتمعنا الذي نحن نعيش فيه.

"أهرب من أهواء الشباب واطلب البر والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب بقلب طاهر. (٢ تيم ٢: ٢٢) هذا ما نصح به القديس بولس تلميذه تيموثاوس، وهذا ما أختم به مقالي البسيط هذا، وهذا ما أدعو إليه نفسي وكل شخص منكم لأن الحياة المسيحية ما هي إلا بر وإيمان ومحبة وسلام في الروح القدس الذي نحن كمعمدين هيكل مقدس له وإناء مختار لمجد الله وخير الإنسانية.

 

تنفس داخلي أيها الروح القدس، كي تصبح كل أفكاري مقدسة.

تحرك داخلي أيها الروح القدس، كي تصبح أفعالي مقدسة أيضاً.

اجذب قلبي أيها الروح القدس، كي أحب فقط ما هو مقدس.

قوني أيها الروح القدس، كي أدافع عن كل ما هو مقدس.

احرسني أيها الروح القدس، كي أكون دائماً مقدساً.

(صلاة للقديس أغسطينوس من هيبو)

 

بيت لحم- عيسى أبو جابر- طالب دراسات دينية في جامعة بيت لحم