في عيد جميع القديسين، الأحد ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦، ترأس غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، القداس الإلهي في دير القديسة كلارا في القدس، بمناسبة اختتام المرحلة الأبرشية من التحقيق في دعوى تطويب وتقديس خادمة الله الأخت مريم للثالوث الأقدس (لويزا جاك، ١٩٠١–١٩٤٢).
وراء هذه الدعوى مسيرة حياة امرأة اختبرت الفقد والمعاناة، وخاضت رحلة طويلة في البحث عن معنى الحياة ودعوة الله، وُلدت لويزا جاك في جنوب أفريقيا عام ١٩٠١، وفقدت والدتها عند ولادتها، فنشأت في سويسرا لدى خالتها.
وفي الخامسة والعشرين من عمرها، وبعد سلسلة من الصعوبات الصحية والشخصية، بلغت مرحلة من اليأس العميق، حتى كتبت: "لا وجود لله... كل ما يقوله الناس عنه محض هراء، فالحياة لا تستحق أن تُعاش". لكنّ ليلة ١٣–١٤ شباط ١٩٢٦ شكّلت نقطة تحوّل في حياتها، إذ اختبرت حضورًا روحيًا غيّر مسارها، ووصفت تلك اللحظة لاحقًا بقولها: "دخل اليأس إلى النور"، ومنذ ذلك الحين بدأت رحلتها نحو الإيمان الكاثوليكي والحياة الرهبانية.
وبعد محاولات وصعوبات عدة بسبب وضعها الصحي، وجدت دعوتها في دير راهبات الكلاريس الفقيرات في القدس عام ١٩٣٨، واتخذت اسم الأخت مريم للثالوث الأقدس، وتوفيت في القدس عام ١٩٤٢ عن عمر ناهز ٤١ عامًا، تاركةً كتابات روحية لا تزال تلهم مؤمنين في بلدان وثقافات مختلفة.

في كلمته خلال الجلسة الختامية، أشار الكاردينال بيتسابالا إلى أن حياة الأخت مريم تشهد لأمانة الله لوعوده التي هي دائمًا وعود بالحياة والإثمار، مضيفًا أن البذرة الصغيرة المغروسة هنا، في أرض أورشليم، قد أثمرت حياةً ووحدةً ومحبّة.
وتزامن اختتام التحقيق مع عيد جميع القديسين، ما أضفى على المناسبة بُعدًا روحيًا خاصًا، ففي عظته، تأمل الكاردينال في مسيرة القداسة مؤكدًا أنّها تنمو حين نسمح لمحبة الله بأن تحوّل هشاشتنا الإنسانية إلى قداسة، مستلهمًا من حياة الأخت مريم والإنجيل، مشددًا على أهمية الرحمة ونقاوة القلب وصنع السلام، قائلًا: "يصبح القلب نقيًا عندما يكفّ عن تبرير نفسه باستمرار، ويقبل حاجته إلى المغفرة ويطلبها". وأضاف: "أمام الكلمات التي تهين، يمكننا أن نعيد الكرامة؛ وأمام من يُقصى، يمكننا أن نقترب منه".
وتوقف الكاردينال عند واقع مدينة القدس، مستحضرًا رؤيا سفر الرؤيا عن الجمع الكثير الواقف أمام الله، "من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان"، وفي مدينة تثقلها الانقسامات والذكريات المجروحة، دعا المؤمنين إلى إفساح المجال للآخرين في صلواتنا وفي الطريقة التي نؤدي بها مسؤولياتنا، مؤكدًا أنّ كل عمل مصالحة تعيشونه، وكل أمانة تحفظونها وسط الصعوبات، إنما يسهم في حياة الكنيسة جمعاء.
وعقب القداس، ترأس الكاردينال الجلسة الختامية للتحقيق، وأشرف على أداء أعضاء المحكمة القَسَم، وهم: المندوب الأسقفي سيادة المطران إيلاريو أنطونياتسي، ومروّج العدالة الأب فيليبو مورلاكي، والكاتبة الأخت مارينا فيشر، ونائب طالب الدعوى الأب أوليسي زارزا، وكان التحقيق الذي افتُتح في ٣٠ نيسان ٢٠٢٥، قد شمل جمع الوثائق والشهادات اللازمة للتوصّل إلى الحقيقة واليقين الأدبي بشأن الفضائل البطولية التي تحلّت بها خادمة الله.

وبعد جمع محاضر التحقيق ووثائقه وإغلاقها وختمها رسميًا، سلّمها الكاردينال إلى الأب أنتونينو ميلازو، الذي عيّنه حاملًا لها إلى دائرة دعاوى القديسين في الكرسي الرسولي، حيث ستخضع الوثائق للفحص والتمييز وفق الإجراءات الكنسية المعتمدة.
وقبيل تسليم الملف، رفع الكاردينال صلاةً عبّر فيها عن الرجاء بأن يمنح الرب المؤمنين، بشفاعة الأخت مريم للثالوث الأقدس، أن يصبحوا هم أيضًا، "في دعوتنا وفي زمننا، تلك البذرة الصغيرة التي لا تخشى أن تسقط في الأرض، وأن تموت عن ذاتها، وأن تدع قوّة محبة الله تغيّرها".




