يبدأ إنجيل هذا الأحد (متى 14: 13-21) بإشارة إلى استشهاد يوحنا المعمدان (متى 14: 13)، وهي الحادثة التي يرويها الإنجيلي في الآيات السابقة مباشرة للنص الذي نتأمله اليوم.
ومن خلال قراءة هذين المقطعين معًا، نستطيع أن نجد مفتاحًا يساعدنا على فهم الرسالة الروحية التي يحمله تأمل اليوم.
فالحديث يدور، في الواقع، عن وليمتين: وليمة هيرودس (متى 14: 6-11)، ووليمة يسوع (متى 14: 19-21).
في الوليمة الأولى تُحتفل عبادةٌ زائفة للعنف والسلطة، إذ يجعل كل واحد من ذاته محورًا لكل شيء، ولا يبتغي إلا مصلحته الخاصة. فهيرودس يقيم الوليمة ليعزز مكانته أمام ضيوفه، وهيروديا تستغل ابنتها لتشبع رغبتها في الانتقام، والفتاة تستخدم رقصها لإرضاء أمها، أما المدعوون فيسعون إلى المحافظة على حظوتهم لدى الملك.وثمرة هذه الوليمة هي موت يوحنا المعمدان، لأن السلطة، حين تُمارَس لخدمة الذات وعلى حساب الآخرين، ينتهي دائمًا الامر بأن يدفع أحدهم الثمن عن الجميع، ومع ذلك لا ينال أحد ما يبحث عنه، الحياة الحقيقية.
وفي مقابل هذه الوليمة، يرسم لنا القديس متى المشهد الثاني. فلم نعد في قصر هيرودس، بل في موضع قفر، كما يقول الإنجيل: «فلَمَّا سَمِعَ يسوع، انصرف مِن هُناك في سَفينةٍ إلى مكانٍ قَفرٍ يَعتَزِلُ فيه» (متى 14: 13). ولم يعد الحاضرون نخبةً مختارة، بل جمهورًا غفيرًا يتبع يسوع سيرًا على الأقدام، حاملين معهم مرضاهم. ولم يعد هناك ملك يخشى فقدان سلطانه، بل ملكٌ يمتلئ قلبه بالشفقة، ويهيئ لشعبه وليمةً وافرة، مجانية، يشبع منها الجميع (راجع متى 14: 19-20).
إن الفرق الجوهري بين هاتين الوليمتين يكمن في المنطق الذي يحكم كلًّا منهما.
فمنطق وليمة هيرودس هو منطق الإقصاء، القائم على معادلة: إما أنا وإما أنت.
فإذا أصبح الآخر تهديدًا لي، أو خفت أن ينتزع مني ما أملكه، فلن يبقى أمامي سوى أن أقصيه أو أقضي عليه دفاعًا عن نفسي.
وهذا هو المنطق نفسه الذي يرويه متى في الفصل الثاني من إنجيله، حين يتحدث عن هيرودس الكبير. فما إن شعر بالتهديد بعد سماعه خبر ميلاد ملك اليهود، حتى أمر بقتل جميع الأطفال الذين كانت أعمارهم سنتين فما دون. ولأجل أن يحافظ على حياته وعرشه، سلب حياة الآخرين.
أما المنطق الذي تقوم عليه وليمة يسوع، فهو منطق آخر، يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: الشفقة. ينزل يسوع من السفينة، ويرى الجموع، «فأَخَذَتهُ الشَّفَقَةُ علَيهِم، فشَفى مَرضاهُم» (متى 14: 14).
فالشفقة هي النقيض الكامل لمنطق السلطة الذي رأيناه في وليمة هيرودس. فحين ينظر يسوع إلى الجموع، لا يراهم غرباء عنه، بل يراهم جزءًا من ذاته؛ ولذلك يحمل آلامهم في قلبه. وبدلًا من أن يدافع عن نفسه، يستجيب بعملٍ يهب الحياة. إنه لا يقف متفرجًا من بعيد؛ فالجموع ليست بالنسبة إليه عبئًا ولا مصدر تهديد، بل نداءً يمسّه شخصيًا، ودعوةً إلى أن يهبهم الشيء الوحيد القادر حقًا على الشفاء، والدواء الحقيقي لكل إنسان، وهو عطية محبته المجانية.
إنه منطق لا يضع الإنسان في مواجهة أخيه الإنسان، ولا يطلب التضحية بأحد من أجل الآخر، بل على العكس، يرى قيمة كل إنسان، ويثمن ما يملكه، مهما بدا قليلًا.
وهذا ما يظهر في اللكمية الضئيلة من الخبز والسمك التي كانت بحوزة التلاميذ: «لَيسَ عِندَنا هَهُنا غَيرُ خَمسَةِ أَرغِفَةٍ وسَمَكَتَين» (متى 14: 17).
فيسوع يرحب بهذا القليل؛ يأخذه بين يديه، ويباركه، ويشكر، ويكسر، ثم يعطيه (راجع متى 14: 19).
إن الله يأخذ ما يقدمه الإنسان، مهما كان بسيطًا، ويجعله أداةً تتجلى فيه محبته، ويتجسد فيه حنانه.
فالله لا يحل محل الإنسان، بل يعمل جنباً إلى جنب معه، ومن خلاله.
وهذا، في جوهره، هو المنطق ذاته لسرّ التجسد: فالله لا يقف في مواجهة الإنسان، بل يصير هو نفسه إنسانًا، فيغذّيه ويخلّصه.

