أصحاب السيادة الموقرون،
الأب الحارس المحترم،
إخوتي وأخواتي الأعزاء،
ليكن سلام الرب معكم!
يشكّل احتفال اليوم بالقديس فرنسيس الأسيزي في القدس، بمناسبة مرور 800 عام على رحيله، نعمةً كبيرة للكنيسة في الأرض المقدسة، وانطلاقًا من امتناني للعائلة الفرنسيسكانية وحراسة الأراضي المقدسة، أودّ أن أبدأ بسؤال جوهري: ما هي الصورة التي يتخذها الإنجيل اليوم في حياتنا الشخصية وفي مجتمعاتنا؟
يبدأ الإنجيل الذي سمعناه للتو بصلاة يسوع: «أَحمَدُكَ يا أَبَتِ» (متى 11: 25). وُلدت هذه الكلمات في لحظة صعبة من رسالته. فقد واجه يسوع عدم الفهم والرفض. وقبل ذلك بقليل، وبّخ المدن التي لم تقبل دعوته إلى التوبة. ومع ذلك، يواصل الاعتراف بعمل الآب. فهو يعلم أنّ بذرة الملكوت تجد قبولًا عند الصغار، وأنّ الآب يبقى أمينًا.
هذه الثقة تصون حريته. فالرفض الذي يواجهه يؤلمه، لكنه لا يمنعه من المحبة ومواصلة الرسالة التي تسلّمها. وهذه كلمة مهمة لنا نحن أيضًا، المدعوّين إلى أن نعيش الإيمان في أرض قد يطغى فيها التعب والألم وعدم اليقين على نظرتنا إلى الحياة. وحتى الكنيسة قد تنشغل بمخاوفها الخاصة، لدرجة أن تقيس المستقبل فقط على أساس صعوبات الحاضر.
يدعونا مار فرنسيس إلى النظر مرة أخرى بنظرة متجددة، فعندما يروي دعوته في وصيته، يعترف باستمرار بعمل الرب ومبادرته في حياته: فالعلي هو الذي قاده، ومنحه إخوة، وجعله يفهم كيف يعيش، فكل شيء هوعطيةٌ تلقّاها وقبلها. وعندما يبحث عن كلمات يعبّر بها عن المسيرة التي مُنحت له، يتحدث عن العيش «بحسب الإنجيل المقدس» (الوصية، 14). وهو يعهد بهذا النمط من الحياة إلى الكنيسة لإقراره.
بصفتي راعيًا لهذه الكنيسة، أودّ أن أنطلق من هذا المنظور. التجديد يبدأ عندما يعود الإنجيل إلى توجيه خياراتنا بالفعل. إنّ كنيسة الأرض المقدسة، وفي مقدّمتها الحراسة، تصون تاريخًا غنيًا جدًا للمقدسات والمؤسسات التعليمية والخيرية والتقاليد العريقة، وهو إرث عُهد إلينا لكي يواصل نقل حياة المسيح إلى رجال ونساء عصرنا هذا.
لكن لا يكفي أن نتأمل فيما أنجزناه. علينا دائمًا أن نسأل أنفسنا: ما الذي يساعد المؤمنين على لقاء الرب حقًا؟ يجب أن تجد كلمة الله آذانًا صاغية وأن تصبح معيارًا للتمييز؛ ويجب أن تقترن الأسرار المقدسة برعاية الإيمان. كما يحتاج العلمانيون والعائلات والشباب إلى التنشئة الروحية وإلى رعاة مستعدين للإصغاء إليهم. ونحن مدعوون إلى تقييم كيفية توظيف طاقاتنا ومواردنا في ضوء ما يثمره الإنجيل في حياة المؤمنين.
إنّ دعوة يسوع: «تعالوا إليّ» (متى 11: 28)، موجّهة أيضًا إلينا نحن الذين نخدم الكنيسة. فعملنا يحتاج باستمرار إلى أن يستمدّ من هذه العلاقة. والجماعة التي تصلّي، وتصغي إلى الكلمة، وتسمح للرب بأن يصالحها، تصبح أكثر قادرة على مرافقة الآخرين دون أن تثقلها قيودها الخاصة. كما تستطيع أن تواجه التحديات، لأنها تدرك أن المسيح هو منبع حياتها، ولا تستند على قواها الذاتية أو الاستراتيجيات البشرية التي غالبًا ما تتبين أنها قصيرة الأمد.
ثم تقودنا شهادة القديس فرنسيس إلى الأخوّة. فهو يستقبل الإخوة كهبة من الله. وهذا الوعي يعنينا جميعًا. فالشركة الكنسية مسؤولية تسبق برامجنا الفردية، وتطلب منا أن نعطي شكلًا ملموسًا لانتمائنا إلى جسد واحد.
تعيش كنيسة الأرض المقدسة في بلدان مختلفة، لكلٍّ منها لغتها وتاريخها وحساسياتها الخاصة. وأحيانًا نحتفل بسرّ الإفخارستيا على بُعد بضعة كيلومترات فقط عن بعضنا، ومع ذلك، لا يكون من السهل علينا أن نلتقي ببعضنا بعضًا وأن نتقارب في ما بيننا. فالحدود، وقيود التنقّل، وثقل التاريخ تجعل من الصعب علينا أن نتعرّف على بعضنا البعض. ولهذا السبب تحديدًا، لا يمكن اعتبار الشركة أمرًا مفروغًا منه، بل يجب أن نسعى إليها ونصونها بصبر.
كما أن المواهب الروحية (الكاريزمات) المختلفة مدعوّة أيضًا إلى الإسهام في تعزيز الشركة الكنسية. فكلٌّ من حراسة الأراضي المقدسة، والرعايا، والجماعات الدينية، والحركات الروحية، والعديد من الأعمال الكنسية، يحمل عطيةً تثمر عندما تنفتح على الآخرين وتدخل في علاقة معهم. ويجب أن يساعدنا التمييز بشأن الأولويات الرعوية على أن ندرك معًا ما تحتاجه هذه الكنيسة، وأن ننسّق بين طاقاتنا وقدراتنا، وأن ندعم الأكثر ضعفًا بيننا. والتعاون الذي يُعاش بثقة يمنح إعلاننا للإنجيل مصداقية أكبر.
أعرب عن امتنان كنيسة القدس لحراسة الأرض المقدسة على إخلاصها وخدمتها. وأرجو أن تظلّ هذه الأخوّة الفرنسيسكانية التي تجمعكم من مختلف أنحاء العالم شهادةً على الوحدة في هذه الأرض بأسرها.
والشركة، بدورها، تفتح أمامنا الطريق نحو عيش رسالتنا . ففي «الوصية»، يذكر القديس فرنسيس أنّ الرب قاده إلى اللقاء بالبرص، فمن خلال اقترابه تحديدًا من أولئك الذين كان يتجنبهم، وممارسة أعمال الرحمة تجاههم، طرأ تغير في قلبه. وكذلك الأمر بالنسبة إلى كنيستنا، فإن نقطة نقطة التحوّل نحو التجديد تمرّ عبر لقاء القريبين الذين نتجنبهم، والمساكين والآلام التي لا نراها من حولنا، والأسئلة التي تدفعنا إلى إعادة النظر في عاداتنا. أفكر في العائلات التي تكافح من أجل البقاء في هذه الأرض، وكبار السن الذين غالبًا ما يكونون وحيدين، وفي العمال الذين لا يستطيعون تحمّل أعباء الحياة اليومية، وفي الشباب الذين ينظرون إلى المستقبل بقلق وعدم يقين، ويتساءلون إن كان لا يزال لهم مكان هنا.
وتدلّنا الروحانية الفرنسيسكانية على أسلوب العيش مع الآخرين يقوم على عيش الصِغَر: أن نقف إلى جانب الناس بحرية من لا يحتاج إلى إثبات ذاته. وبالنسبة إلى كنيستنا، يعني ذلك أن نجعل المسيح معروفًا من خلال حضور سخي ومنفتح على الجميع. وكذلك فإن علاقاتنا مع جيراننا اليهود والمسلمين تتطلب هذه الحرية، القادرة على صون اللقاء من دون التخلي عن وضوح الإيمان.
ويشير يسوع إلى أسلوب العيش هذا بقوله: «تعلّموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب» (متى 11: 29). فالوداعة تتطلّب قوة داخلية كبيرة جداً، وتدعونا إلى السعي من أجل العدالة والنطق بكلمة الحق، مع الحرص على ألّا يستولي الألم والغضب على قلوبنا.
لنحمل في صلاتنا آلام جميع عائلات أرضنا المقدسة التي تعاني من أعمال العنف، وأولئك الذين يبكون على فقدان أحد أحبائهم، وأولئك الذين يخشون المستقبل. وككنيسة، علينا واجب أن نقف إلى جانب المتألمين، وأن ندافع عن كرامة الإنسان، وأن نعطي صوتًا لمن حُرموا منه. وهذه المسؤولية تطلب منا أيضًا حريةً تتطلّب منا الكثير إزاء الانتماءات والانقسامات التي تريد أن تقرّر مسبقًا أيّ الآلام تستحق أن يُصغى إليها.
جب أن ينبع كلامنا العلني من الإنجيل ومن قربنا من الناس. ولن يكون هذا الكلام ذا مصداقية إلا إذا عرفنا كيف نساند المحتاجين، وتربية الشباب على اللقاء بالآخرين، ونواصل بناء العلاقات حتى عندما يدفعنا كل شيء إلى قطعه. هكذا يبدأ السلام في أن يتخذ شكلاً ملموساً.
ولهذا أشعر بإلحاح بأهمية المهمة التربوية. فالشباب يحتاجون إلى أن يجدوا معنى لوجودهم هنا، وأن ينضجوا في دعوتهم، وأن يتحمّلوا المسؤولية. فلنصغِ إلى أسئلتهم، ولنفسح المجال لمواهبهم: فالمستقبل يُعَدّ من خلال منح الثقة لمن لديه ما يقدّمه.
هنا في القدس، نحمي الأماكن المقدس التي شهدت أحداث الفصح. فعلى الجلجلة نتعلّم إلى أيّ مدى يصل حبّ الله؛ وعند القبر الفارغ ندرك أساس رجائنا: فقد أقام الآب الابن، وهُزم الموت. وهذا الإيمان يسندنا عندما تبقى ثمار تعبنا خفيّة، ويمنحنا الصبر في الظروف التي لا نرى فيها بعد مخرجًا.
لذا أودّ أن تترك هذه الذكرى ثمرةً واضحة في مسيرة جماعتكم وفي الكنيسة بأسرها. فلنسأل أنفسنا، في الصلاة وفي التمييز المشترك، ما هي الخطوة التي يطلبها منا الرب لكي نعيش الإنجيل بأمانة أكبر ونخدم هذه الأرض بشكل أفضل. ومن هذا السؤال يمكن أن تنبثق خطوات عملية، نمضي فيها معًا بمثابرة. وهكذا تصبح ذكرى القديس فرنسيس واجبًا نقبله ونعيشه في الحاضر.
نطلب شفاعة القديس فرنسيس من أجل حراسة الأراضي المقدسة، ومن أجل كنيسة الأرض المقدسة بأسرها، ومن أجل كل إنسان يعيش في هذه الأرض. وليساعدنا على أن نقبل ما يريد الرب أن يتمّه بعد في وسطنا، وأن نقدّم له، بثقة، استعدادنا. آمين.

